- جراح من داوى الجراح
كانت كلمات ترسم واقع الإنسانية إذ تغدو أسيرة أعدائها، جاء فيها: "أتوا به إلي زاحفا بصحبة أربعة سجانين، كان ممنوعا من رفع الرأس أو الظهر، معصوب العينين، ومكبلا بأصفاد حديدية، وتظل هذه الأصفاد ملازمة ليديه طوال مدة الزيارة التي لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، والتي تتم من وراء ساتر زجاجي من خلال سماعة هاتفية يمسكها المسجون بإحدى يديه المكبلتين".
هذا بعض ما جاء على لسان المحامية الفلسطينية غيد قاسم في مقابلة معها، وهي تتحدث عن زيارتها لموكلها الطبيب الغزي الشهير حسام أبو صفية، الذي تم اعتقاله في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2024.
ونتساءل عما أوصل الدكتور حسام إلى هذه الحال، فنتلمس الإجابة في ثنايا كلمات قالها، يعلن من خلالها إدراكه أن كلمة "الطبيب" لها ثمن، وهذا الثمن ينبغي أن يدفع. وصحيح أن هذا الكلام يسري على كل طبيب، إلا أنه في غزة يصبح آكد ويكتسب معنى أعمق؛ وبهذا تغدو ضريبته ثقيلة، لا يتحملها إلا إنسان عالي الهمة عظيم الشأن، وقد كان أبو صفية كذلك.
فالعدو الذي ظهر عجزه عن القضاء على المقاومة قرر أن يخوض حربا انتقامية قذرة؛ لا يكتفي فيها بإسقاط حمم غيظه على المدن وأهلها، وعلى البيوت وساكنيها، بل أراد أن يعاقب كل من يسعى لمد يد العون للمنكوبين، ومن يعمل على إنقاذ الجرحى والمصابين. ومن هنا امتدت حربه لتنال المشافي والمسعفين والأطباء وعموم الكوادر الطبية.
لم تزعزع من عزم الطبيب كل الكوارث التي ألمت به؛ فقد أصيب ابنه إدريس ولم يتراجع، وقصفوا منزله فلم يتراجع، وفجع حين تلقيه نبأ استشهاد ابنه إبراهيم، الذي قضى جراء القصف الإسرائيلي، ودفنه بيده داخل المستشفى
في تلك الأجواء، انتقلت إدارة مستشفى كمال عدوان إلى الدكتور حسام أبو صفية، بعد اعتقال مديره السابق الدكتور أحمد الكحلوت، وهنا تضاعفت مهام المدير الجديد؛ فلم يعد الطبيب فحسب، بل تولى مع ذلك الإشراف على سير عمل المستشفى في ظروف بالغة الصعوبة، إضافة إلى دور إعلامي بالغ الأهمية، ينقل من خلاله إلى العالم صورة المعاناة، ويوصل صرخات استغاثة لعلها تجد آذانا صاغية.
فقد تابع الدكتور مسيرة عمله السابقة ملازما المشفى مع زملائه على مدار الأيام والشهور، وفي ظروف الحرب والقصف والحصار، لتقديم ما يستطيعون من إسعاف وعلاج للحالات التي تتوافد عليهم بأعداد هائلة. كان يستشعر جراح المرضى وآلامهم، ويتفانى في خدمتهم. وعندما يموت طفل يصيبه الحزن، وليس ذلك بغريب؛ إذ كان يرى في أولئك الأطفال أولاده.
رغم أنه كان متاحا للدكتور أبو صفية مغادرة القطاع، لكونه يحمل جنسية أجنبية، فإن إصراره على البقاء في موقعه وأداء دوره كان راسخا، وقد رفض منذ الأسبوع الأول للحرب الاستجابة لأوامر إخلاء المشفى التي أطلقها جيش الاحتلال، كما رفض ترك 12 طفلا من الأطفال حديثي الولادة داخل مستشفى كمال عدوان رغم تهديدات الاحتلال باقتحامه، وبقي إلى جوارهم حتى أجبرته القوات الإسرائيلية على إخلاء المكان.
لقبه زملاؤه بـ"أبو المرضى"، كما لقب بـ"أبقراط عصره"، بل إن جراح الأطفال المغربي يوسف بو عبد الله رأى أن على العالم جعل "قسَم أبو صفية" بديلا عن "قسم أبقراط" الذي يقسم عليه الأطباء، لأن الثاني لم يكن تحت القصف عندما أدى قسمه الشهير، بينما أبو صفية كان يعمل ويدافع ويطالب العالم بالتحرك وهو محاصر داخل مستشفاه الذي رفض الخروج منه.
وبالإضافة إلى ذلك، كان عليه أن يظهر باستمرار على وسائل الإعلام، لينقل للعالم فظاعة الإجرام الصهيوني، ومرارة واقع المشافي ومرضاها، والمعاناة التي تلاقيها الكوادر الطبية. وقد أشار في مقابلات قبل اعتقاله إلى صدمته الكبيرة من المجتمع الدولي ومؤسساته لعدم قيامه بواجبه.
لم تزعزع من عزم الطبيب كل الكوارث التي ألمت به؛ فقد أصيب ابنه إدريس ولم يتراجع، وقصفوا منزله فلم يتراجع، وفجع حين تلقيه نبأ استشهاد ابنه إبراهيم، الذي قضى جراء القصف الإسرائيلي، ودفنه بيده داخل المستشفى، لكن ذلك لم يمنعه من مواصلة العمل في مداواة الجرحى.
وفي 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أصيب أبو صفية جراء إلقاء قنبلة عليه من طائرة كوادكوبتر إسرائيلية أثناء عمله داخل المستشفى، ما أدى إلى إصابته بست شظايا اخترقت منطقة الفخذ وتسببت في تمزق الأوردة والشرايين؛ ورغم ذلك بقي قريبا من مرضاه.
ويبدو أن هذا الثبات الأسطوري، والإصرار على عدم التخلي عن المهمة الإنسانية، بشكل يعرقل ما يخطط له الصهاينة، أثارا مزيدا من حقدهم عليه؛ فكان ذلك دافعا لهم لاقتحام المستشفى وإحراقه بالكامل، وإخراجه عن الخدمة، وأسر مديره لمحاكمته وفق قانون المقاتلين غير الشرعيين.
تشكل قضية الطبيب حسام واحدة من مئات القضايا لكوادر طبية فلسطينية ممن اعتقلوا منذ بدء الحرب على غزة، بينهم أطباء ومسعفون، يعانون من ظروف تعذيب وتنكيل وسوء معاملة في زنازين الاحتلال
اعتقلوه مع آخرين من زملائه، ولم يدر ما تهمته. ووفق من تم اعتقالهم من طاقم المستشفى، فقد طالب أبو صفية قوات الاحتلال بالإفراج عن كافة زملائه، وقال إنه لن يخرج وواحد منهم رهن الاعتقال، وقد تم إطلاق سراحهم جميعا باستثنائه هو. ومضى على ذلك ما يقرب من عام ونصف العام، وما زال أبو صفية في الأسر.
تعرض الطبيب حسام أبو صفية لظروف اعتقال صعبة، وللتعذيب والتجويع والحرمان من العلاج، وبحسب منظمة العفو الدولية وتقارير حقوقية، فهو معتقل تعسفيا في السجون الإسرائيلية. وتطالب عائلته ومنظمات دولية بالإفراج عنه بعد أنباء عن تدهور حالته الصحية وفقدانه وزنا كبيرا نتيجة الظروف القاسية.
ويشار هنا إلى أن المعتقلين الغزيين تخصص لهم أقسام بعينها في السجون الإسرائيلية، بحيث لا يختلطون بغيرهم، وهذه الأقسام تقع تحت الأرض، ما يعني أنهم لا يرون ضوء الشمس، ولا يعرفون أي شيء عما يحدث في العالم الخارجي.
تشكل قضية الطبيب حسام واحدة من مئات القضايا لكوادر طبية فلسطينية ممن اعتقلوا منذ بدء الحرب الأخيرة على غزة، بينهم أطباء ومسعفون وممرضون، يعانون من ظروف تعذيب وتنكيل وسوء معاملة في زنازين الاحتلال، في حين تظل عائلاتهم في انتظار أي معلومة عنهم.
تم تجديد اعتقاله الإداري عدة مرات، كان آخرها في أبريل/نيسان 2026، وسط مطالبات بالإفراج عنه وعن زملائه من الكوادر الطبية. وتجديد الاعتقال لم يترافق مع توجيه أي تهمة له، وربما كان ذلك لأن تهمته غير المعلنة هي إصراره على التمسك بإنسانيته الرفيعة في وجه أعداء الإنسانية.
كان مما سأله حسام لمحاميته حين زيارته له: هل ما زالت الناس مهتمة بقصتي وما يحدث لي؟ هل ما زال أحد يتذكرني؟! ذلك ما سأله؛ فماذا نحن قائلون؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

