السياسة حين يصبح "اللاحل" هو الغاية

مستوى الدمار في غزة من حلقة للقصة بقية
دمار كبير خلفه العدوان الإسرائيلي على غزة (الجزيرة)

الخلل الكامن في النظام العالمي المعاصر هو أنه جعل الدولة أو النفوذ غاية، وجعل الإنسان وسيلة، بينما الأصل في أي فكر سياسي سوي أن يكون الإنسان هو المركز، وكل ما سواه من حدود ومصالح وتحالفات أدوات لخدمته وكرامته.

لذلك نرى جدارا سميكا يحجب خلفه صوت الضحية. لطالما كانت السياسة في أصلها الفلسفي وسيلة لتنظيم حياة المجتمعات وحمايتها، لكنها في سياق القضايا الإنسانية الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية والمأساة السورية، تحولت إلى عذر قبيح لتبرير الصمت، وأداة باردة تقتات على دماء الأبرياء وجوع المحاصرين.

لم تعد السياسة في عالم اليوم مجرد فن لإدارة المصالح أو موازنة القوى، بل تحولت في كثير من الحالات إلى أداة دقيقة لإعادة تشكيل الواقع نفسه، لا كما هو، بل كما يجب أن يبدو في عيون من يملكون سلطة تفسيره. لم يعد الخلاف يدور فقط حول ما يجب فعله، بل حول كيف يجب أن يفهم ما يحدث.

وهنا تتخذ السياسة شكلا أكثر تعقيدا وخطورة؛ فهي لا تكتفي بتأجيل الحلول، بل تعيد تعريف المشكلة ذاتها.

تقصف البنية التحتية، وتستهدف الأحياء السكنية، ويقتل المدنيون، ثم يبدأ فصل مألوف: بيانات رسمية متشابهة بلغة دبلوماسية باردة، تدعو إلى ضبط النفس، وتحض على التهدئة، وتبدي قلقا بالغا

في القضايا الإنسانية الكبرى يظهر هذا التحول بوضوح مؤلم. في فلسطين، وتحديدا في قطاع غزة، لا يمكن اختزال المشهد في مجرد صراع عسكري متكرر.

نحن أمام نموذج متكامل لإدارة المعاناة، حيث يتم ضبط إيقاع الألم بدل إنهائه. جولات التصعيد لا تأتي فجأة ولا تنتهي فجأة، بل تدار ضمن سقف غير معلن، كأن هناك حدا مقبولا من الدمار لا ينبغي تجاوزه، لكنه أيضا لا يمنع.

تقصف البنية التحتية، وتستهدف الأحياء السكنية، ويقتل المدنيون، ثم يبدأ فصل مألوف: بيانات رسمية متشابهة بلغة دبلوماسية باردة، تدعو إلى ضبط النفس، وتحض على التهدئة، وتبدي قلقا بالغا.

إعلان

هذه العبارات، رغم تكرارها، لم تنتج يوما تغييرا حقيقيا، بل أصبحت جزءا من طقوس الأزمة، وكأنها تقال لا لتمنع الكارثة، بل لتضفي عليها طابعا يمكن احتماله سياسيا.

السؤال هنا لا يتعلق بعجز اللغة، بل بصدق النية خلفها. لأن اللغة في السياسة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل أداة للفعل أو للتملص منه.

وعندما تتحول الكلمات إلى بديل عن القرارات، تبدو السياسة حاضرة وهي في الحقيقة غائبة. في كل مرة تعلن فيها هدنة مؤقتة، يعاد ضبط المشهد إلى نقطة البداية. لا تحل الأسباب الجذرية، ولا يرفع الحصار، ولا يعاد بناء ما دمر بشكل مستدام، بل يمنح الجميع فترة استراحة قبل الجولة القادمة.

هنا لا يكون الهدف إنهاء الأزمة، بل إدارتها، وكأن الزمن نفسه أصبح أداة سياسية تستخدم لا لخلق فرصة للحل, بل لتمديد حالة اللاحل.

الحرب، في معناها التقليدي، تفترض تكافؤا نسبيا بين طرفين، أو على الأقل اعترافا بوجود مواجهة بين قوتين. أما ما جرى ويجري فلا يمكن اختزاله في هذا الوصف المبسط

هذا النمط لا يقتصر على فلسطين. في سوريا يتخذ شكلا أكثر تعقيدا ووضوحا في آن واحد. منذ اندلاع ما يسمى الحرب، لم تكن البلاد مجرد ساحة نزاع داخلي، بل تحولت إلى نقطة تقاطع لمصالح دولية وإقليمية. تدخلت قوى كبرى وغيرت موازين على الأرض، لكن هذا التدخل لم يكن موجها نحو إنهاء الصراع، بل نحو إعادة تشكيله.

مناطق تهدأ وأخرى تشعل، تحالفات تتبدل، وخطوط تماس ترسم وتمحى، بينما يبقى الإنسان السوري في قلب هذه المعادلة، لا كفاعل بل كأثر جانبي.
وفي هذا السياق يصبح استخدام كلمة "حرب" في حد ذاته تضليلا لغويا لا يخلو من التواطؤ.

فالحرب، في معناها التقليدي، تفترض تكافؤا نسبيا بين طرفين، أو على الأقل اعترافا بوجود مواجهة بين قوتين. أما ما جرى ويجري فلا يمكن اختزاله في هذا الوصف المبسط. ما نراه هو اعتداء ممنهج تمارسه قوى متفوقة ضد واقع هش، حيث يغيب التوازن وتُستبدل بالصراع المتكافئ سطوة الطغيان.

إنها ليست حربا بقدر ما هي فعل إخضاع قسري يفرض فيه العنف من الأعلى إلى الأسفل.

عندما ظهرت لحظات صادمة، كالهجمات بالأسلحة الكيميائية التي يفترض أن تكون خطا أحمر عالميا، كان الرد مؤقتا ومحدودا ومشروطا.

ارتفعت حدة الخطاب، واتخذت إجراءات جزئية، ثم عاد كل شيء إلى مساره السابق. الرسالة التي ترسخت لم تكن أن هذه الأفعال مرفوضة، بل الرفض نفسه له حدود.

وهنا تتكشف واحدة من أخطر آليات السياسة الحديثة: إعادة تعريف الخطوط الحمراء. لم تعد هذه الخطوط حواجز تمنع الانتهاك، بل حدودا تنظم شكله، وداخلها يمكن أن تستمر المأساة ما دامت لا تهدد توازن القوى.

عندما تمنع قرارات إنسانية بسبب حسابات النفوذ، تتحول هذه المؤسسات من أدوات لتحقيق العدالة إلى منصات لإدارة التوازن، وتصبح العدالة نفسها خاضعة للتفاوض

في المؤسسات الدولية يظهر هذا الخلل بشكل أكثر رسمية. داخل مجلس الأمن تطرح قرارات تتعلق بحماية المدنيين ووقف إطلاق النار وإدخال المساعدات، لكنها كثيرا ما تصطدم بجدار الفيتو. هنا لا يكون العجز نتيجة نقص في الأدوات، بل نتيجة صراع إرادات. القرار موجود، والقدرة على تنفيذه موجودة، لكن الإرادة السياسية مغيبة عمدا.

إعلان

وعندما تمنع قرارات إنسانية بسبب حسابات النفوذ، تتحول هذه المؤسسات من أدوات لتحقيق العدالة إلى منصات لإدارة التوازن، وتصبح العدالة نفسها خاضعة للتفاوض، لا كمبدأ بل كخيار.

وفي ملف اللاجئين تتجلى المفارقة بشكل أكثر إنسانية وقسوة. ملايين السوريين فروا بحثا عن الأمان، لكن استقبالهم لم يكن قائما على رؤية إنسانية موحدة، بل على حسابات سياسية داخلية.

بعض الدول فتحت أبوابها جزئيا بدافع أخلاقي أو تحت ضغط الواقع، وأخرى أغلقتها بدافع الخوف أو الشعبوية. في الحالتين لم يكن النقاش يدور حول إنهاء السبب الذي دفع هؤلاء إلى الهروب، بل حول كيفية التعامل مع نتائجه. وهنا تتحول القضية من مأساة يجب حلها إلى أزمة يجب احتواؤها.

الأمر ذاته يظهر في ازدواجية المعايير الدولية. في بعض الأزمات يتحرك العالم بسرعة لافتة؛ تفرض عقوبات وترسل مساعدات وتتخذ قرارات حاسمة. وفي أزمات أخرى يسود الصمت أو يكتفى بالتنديد.

هذا التفاوت لا يمكن تفسيره فقط باختلاف الظروف، بل يعكس حقيقة أعمق: أن السياسة لا تتحرك وفق مبدأ ثابت، بل وفق ميزان المصالح.
حتى الخطاب الإعلامي والسياسي يشارك في هذه العملية.

الكلمات تختار بعناية: توترات بدل حرب، اشتباكات بدل قصف، خسائر بدل ضحايا. هذه ليست مجرد فروق لغوية، بل إعادة صياغة للواقع نفسه. عندما تخفف اللغة من حدة الحدث، يصبح تقبله أسهل، ويصبح الاعتراض عليه أقل إلحاحا.

السؤال الحقيقي يجب ألا يكون: لماذا لا تحل هذه الأزمات؟ بل: من الذي يستفيد من بقائها دون حل؟ لأن استمرار الأزمات في كثير من الأحيان ليس فشلا في السياسة، بل نجاحا لنوع معين منها

لكن أخطر ما في هذا كله ليس ما يحدث على مستوى السياسات، بل ما يحدث على مستوى الوعي. مع تكرار هذه الأنماط يتشكل نوع جديد من الإدراك الجمعي؛ يبدأ الناس في تقبل فكرة أن العدالة بطيئة بطبيعتها، وأن السياسة معقدة إلى درجة تجعل الحلول مستحيلة، وأن بعض المعاناة لا يمكن تجنبها.

وهنا يتحقق الانتصار الحقيقي للسياسة كذريعة، عندما لا تكتفي بتبرير الواقع، بل تعيد تشكيل نظرتنا إليه، وعندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والكارثة إلى أمر مألوف، والصمت إلى رد فعل طبيعي.

ومع ذلك، فإن هذه الصورة القاتمة تحمل مفارقة مهمة. وجود قرارات تمنع يعني أنها كانت ممكنة، ووجود تدخلات في أماكن معينة يعني أن القدرة على التدخل ليست غائبة، ووجود تفاوت في المواقف يعني أن المسألة ليست قدرا محتوما، بل اختيارا. السياسة إذن ليست عاجزة بطبيعتها؛ هي تختار متى تكون عاجزة ومتى تكون حاسمة، متى تتحدث ومتى تصمت، ومتى تتحرك ومتى تكتفي بالمراقبة. وهذا الاختيار هو جوهر المسؤولية.

لذلك فإن السؤال الحقيقي يجب ألا يكون: لماذا لا تحل هذه الأزمات؟ بل: من الذي يستفيد من بقائها دون حل؟ لأن استمرار الأزمات في كثير من الأحيان ليس فشلا في السياسة، بل نجاحا لنوع معين منها.

في النهاية تكشف فلسطين وسوريا، ومعهما كثير من القضايا الأخرى، حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: أن السياسة يمكن أن تكون أداة لتحقيق العدالة، لكنها يمكن أيضا أن تتحول إلى غطاء لتأجيلها وربما لتعطيلها. والفارق بين الحالتين لا يكمن في التعقيد ولا في نقص الإمكانات، بل في الإرادة.

ومع ذلك فإن هذه الوقائع نفسها تحمل دليلا معاكسا: أن التغيير ممكن، لأن ما يمنع اليوم كان يمكن أن يمرر، وما يحدث في مكان يمكن أن يحدث في آخر.

ويبقى السؤال مفتوحا، ليس فقط أمام السياسيين بل أمام العالم كله: كم من المآسي ينبغي أن تتكرر قبل أن تتوقف السياسة عن استخدام نفسها كعذر؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان