قال رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن بلاده نجحت في منع "أسطول الصمود العالمي" من الوصول إلى قطاع غزة المحاصر، مؤكدا أن العملية نفذت بأوامر مباشرة منه.
وأوضح نتنياهو، في منشور له عبر منصة إكس مساء الخميس 30 أبريل/نيسان الماضي، أنه وجّه تعليمات للبحرية الإسرائيلية بمنع ما وصفه بـ"أسطول أنصار حماس" من بلوغ سواحل غزة، مضيفا بتعليق ساخر "سيواصلون مشاهدة غزة على يوتيوب".
ليست المرة الأولى التي تمنع فيها إسرائيل وصول قوافل مساعدات لكسر الحصار المحكم على قطاع غزة، إذ لإسرائيل برئاسة نتنياهو باع طويل في ممارسة القرصنة البحرية على نشطاء دوليين يعملون على إنقاذ شعب يتضور جوعا.
فهذا ليس دليلا على الانتصار، بقدر ما يعتبر سقطة أخلاقية إضافية وتعرية إنسانية لتلك الحكومة النتنياهوية ذات التوجه اليميني المتطرف، التي لم تكتف بحرب الإبادة العسكرية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل تمارس اليوم إبادة بوجه جديد مرتبط بسياسة التجويع المتعمد بحق شعب أعزل.
الاحتدام الصدامي يتصاعد بين الأوروبي الذي يعمل على إعادة تموضعه في نظام عالمي بعيدا عن المظلة الأمريكية، والأمريكي المؤمن بنظرية "القوة من أجل السلام"، التي يعمل على تطبيقها مع من يمتلك القوة في العالم
أدانت دول كثيرة عبر مسؤوليها ممارسات إسرائيل التي تنتهك القانون الدولي في التعدي على سفن لم تزل في المياه البحرية. إذ لم تتوان تلك الدول عن رفع ورقة الإدانة بوجه الجيش الإسرائيلي واتباعه أسلوب "البلطجة" في اعتقال الناشطين ومصادرة سفنهم التي تخطى عددها 60.
فقد ندد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باعتراض القوات الإسرائيلية أسطول الصمود الذي كان متوجها إلى غزة، معتبرا أنه تصرف يدل "مرة أخرى على وحشية إسرائيل". أردوغان ليس وحيدا في استخدام لغة التنديد، فكذلك فعل رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف الذي أدان بدوره الهجوم على الأسطول ووصفه بأنه عمل "خسيس".
لغة "الإدانة" هنا تحمل في طياتها الكثير من الامتعاض الدولي بحق حكومة نتنياهو. مزّق مندوبها لدى الأمم المتحدة الميثاق الدولي، في دلالة واضحة على ألا قانون يردع أفعالها ولا إجرامها ولا حتى تلك الإدانات الصادقة.
لكن على ما يبدو، فإن إسرائيل لا تفقه هذه اللغة، وهو ما بات يطرح التساؤل حول فعالية هذه الإدانة لردع تلك القرصنة، وهل من خيارات أخرى ستلجأ إليها الدول التي تدين في المدى المنظور؟
بالتأكيد ليس هناك مبرر لمنع وصول المساعدات إلى قطاع غزة سوى التأكيد على المؤكد بوحشية ممارسة الجيش الإسرائيلي على قطاع دمر منه أكثر من 80%، وقتل وجرح فيه مئات الآلاف من ساكنيه. لكن التنديد الذي صدر عن الإدارة الأمريكية حمل في طياته رسما لمعالم المرحلة القادمة، إن لم نقل الكشف عن التوجه التالي للصدام الأمريكي بعد إيران.
هذا، وكانت واشنطن قد نددت بـ"أسطول الصمود العالمي" الذي اعترضته إسرائيل، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت: "تماشيا مع القانون الدولي، تعد الموانئ مياها داخلية تمارس الدول الساحلية عليها سيادتها الإقليمية الكاملة. وتتوقع الولايات المتحدة من كل حلفائنا أن يتخذوا إجراءات حاسمة ضد هذه المناورة عديمة الجدوى".
إن الدعوة الأمريكية لمن اعتبرتهم واشنطن حلفاء (فرنسا وإيطاليا وإسبانيا)، والذين انطلقت تلك السفن من موانئهم، لم يعودوا حلفاء حقيقيين لها. فقضية غزة كانت نقطة الاختلاف حول إدارة الصراع، وهي الدول التي لم تشارك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في مجلس السلام العالمي. لتفجر الحرب الإيرانية وقضية مضيق هرمز هذه الأزمة بين واشنطن ومن سماهم بيغوت الحلفاء.
هل سيتحول الصمود إلى إرادة دولية وتكسر وحشية الإسرائيلي بدعم الحلفاء؟ أم إن التنديد الأمريكي سيتمكن من إعادة الحلفاء إلى بيت الطاعة؟
كشفت لغة "التنديد" بالنسخة الأمريكية أبعادا تخطت الدعم الأمريكي لإسرائيل، فهناك حرب اشتعلت بين الأوروبي والأمريكي، وتجسدت بما أعلنه ترمب الخميس 30 أبريل/نيسان، أنه قد يسحب عددا من جنوده المنتشرين في إيطاليا وإسبانيا بسبب معارضة البلدين الحرب على إيران، وذلك خلال لقائه الصحفيين في المكتب البيضاوي.
الانسحاب العسكري الأمريكي من دول أوروبية، اعتبرها لم تساند حربه في إيران ومنها ألمانيا، يرى المتابعون أنه يحمل دلالتين: الأولى هي انكشاف أمني أوروبي في ظل التصعيد الروسي الأوكراني، مع الإصرار الأوروبي على الاستمرار في تقديم الدعم بشتى أنواعه لكييف. والثانية ترتبط بالتمهيد لما كشفه ترمب من الإقدام على انسحاب بلاده من حلف شمال الأطلسي.
لا نقاش أن الاحتدام الصدامي يتصاعد بين الأوروبي الذي يعمل على إعادة تموضعه في نظام عالمي بعيدا عن المظلة الأمريكية، والأمريكي المؤمن بنظرية "القوة من أجل السلام"، التي يعمل على تطبيقها مع من يمتلك القوة في العالم، وهذا ما يتجلى في التقارب الروسي الأمريكي، والاتصال المطول بين فلاديمير بوتين وترمب.
وقد يترجم في اللقاء المنتظر بين ترمب والرئيس الصيني شي جين بينغ منتصف مايو/أيار الحالي، ودعوة وزير الخارجية الصيني وانغ يي الولايات المتحدة إلى "الحفاظ على استقرار العلاقات الثنائية".
بين التنديد الذي يحتاجه الغزي والتنديد الذي يجد فيه تهديدا لمستقبل القطاع، يبقى واقع غزة مجهولا في ظل منطقة يعاد رسم خريطتها، فهل سيتحول الصمود إلى إرادة دولية وتكسر وحشية الإسرائيلي بدعم الحلفاء؟ أم إن التنديد الأمريكي سيتمكن من إعادة الحلفاء إلى بيت الطاعة؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

