أيار والذاكرة الفلسطينية.. حكاية النكبة التي لم تنته

حق العودة حق مقدس .. بهذه الكلمات يؤكد إحسان لزبائنه من أبناء مخيم الوحدات.. الجزيرة نت
الكاتبة: سيعود مايو/أيار أخيرا غسولا للروح يمسح غبار السنين عن وجه القدس (الجزيرة)

كلما حل مايو/أيار، انكسر ظهر الوقت، واستيقظ الفقد مرتديا ثوبه الصبار، فيتحول هذا الشهر في وعي الفلسطيني من فصل للربيع إلى جرس عظيم للذاكرة، يقرع في صدور اللاجئين أينما ابتعدت بهم الجهات.

إنه الشهر الذي ابتلع أحواض النعناع وسياج الياسمين، وترك خلفه مفتاحا صدئا ينام تحت وسائد المهجرين، كأنه آخر ما نجا من البيت، وصوت جدة ما زال يرتجف وهي تصف البحر في حيفا، كما لو أنها تستعيد ملامح حبيب غادر على عجل ولم يلتفت.

في مايو/أيار، يغدو الهواء مثقلا برائحة البارود العتيق، وتتحول الذكريات إلى شظايا تنغرس في لحم الحاضر؛ فثمة وجع لا يشيخ، ينمو في تجاعيد الأكف كخارطة رسمت بملح الدموع، حيث صار الحنين رغيفا يابسا نبلله بالصبر كي نستطيع ابتلاعه، وصارت الغربة إرثا مرا يورث مع الأسماء والكواشين التي عمدت بالدم والتراب.

لكن مايو/أيار، برغم هذا الثقل كله، لم يكن شهر الهزيمة يوما، بل شهر الامتحان العظيم لذاكرة ترفض الانحناء. فمن شقوق الصخر يطلع الزعتر، ومن تحت الركام تنبت أصابع التحدي، لتقول للعالم إن من حمل مفتاحه أكثر من سبعة عقود لا يبحث عن باب يدخله، بل يصنع من يقينه الباب والدار والوطن.

سيأتي اليوم الذي يتعب فيه الليل من ظلمته، ويتقدم الفجر بلا استئذان. سيعود الغائبون إلى ظلال زيتونهم، ويطرق الأحفاد أبوابا لم يروها لكنهم عرفوها بالحب، وستنهض الأرض لتلفظ أسماء أصحابها واحدا واحدا بملء الحرية

وفي كل عام، نكتشف أننا صرنا أشبه بجذور الزيتون؛ كلما حاولوا اقتلاعنا، ازددنا توغلا في باطن الحق، وكلما ظنوا أن النزيف أنهكنا، حولناه إلى نشيد. أطفالنا الذين ولدوا بعيدا عن القرى، حفظوا أسماءها أكثر مما حفظوا أسماء الألعاب، لأن الدم يعرف طريقه، ولأن البلاد التي تسكن القلب لا يضلها الأبناء.

ولأنهم لم يفهموا سر هذه الحكاية، ظنوا أن المنفى يطوي الذاكرة، وأن السنوات الطويلة قادرة على إطفاء المطالبة. لم يعلموا أن الفلسطيني لا يحمل وطنه على كتفه، بل يحمله في عظامه؛ وأن البيت إذا هدم في الحجر، يبنى في اللغة، وإذا أغلق في الجغرافيا، يفتح في الأجيال.

إعلان

لم يعلموا أننا حين نصمت نربي في الصمت عاصفة، وحين ننكسر نعيد ترتيب الشظايا لتصبح سلاحا، وحين نبكي نغسل وجوهنا لنكمل الطريق. نحن الشعب الذي كلما أرهقوه بالمجازر، استراح في قاموس البطولة. وكلما أوجعوه بالرحيل، أوجعهم بالبقاء.

لهذا سيأتي اليوم الذي يتعب فيه الليل من ظلمته، ويتقدم الفجر بلا استئذان. سيعود الغائبون إلى ظلال زيتونهم، ويطرق الأحفاد أبوابا لم يروها لكنهم عرفوها بالحب، وستنهض الأرض لتلفظ أسماء أصحابها واحدا واحدا بملء الحرية. عندها سيعرف العالم أن ما سماه نكبة كان بداية الحكاية لا نهايتها، وأن شعبا هذا قدر إيمانه لا يهزم، بل يتأخر انتصاره فقط.

وسيعود مايو/أيار أخيرا غسولا للروح، يمسح غبار السنين عن وجه القدس، ويعلن أن ما مضى لم يكن إلا مخاضا طويلا لولادة نصر لا يعرف المستحيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان