كتبت هذه السطور وقد تزاحمت الأخبار العاجلة على الشاشات، وتصاعدت التحليلات المتناقضة بين ما ينتظر تهدئة محتملة وما يشير إلى انفجار واسع.
لكن ما كان يلفت الانتباه ليس فقط مسار الأحداث العسكرية، بل ذلك الشعور المتسلل إلى الشارع العربي؛ شعور ثقيل لا يمكن قياسه بالأرقام وحدها، لكنه حاضر في نبرة الحديث اليومي، وفي طريقة متابعة الناس للأخبار، وفي القلق الصامت الذي يرافق أي تطور جديد.
لقد أصبح التصعيد الإقليمي، في الوعي الجمعي، أكثر من مجرد حدث سياسي؛ صار حالة نفسية عامة، تضع المواطن العربي في موقع المتابع القلق، الذي يراقب مستقبله وهو يتشكل على وقع التطورات المتسارعة.
من خلال متابعة المزاج العام، يتضح أن الخوف لم يعد مرتبطا فقط بإمكانية اتساع رقعة المواجهة، بل بات يتجاوز ذلك إلى هواجس أعمق تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
فالشارع العربي يدرك، من واقع تجارب السنوات الماضية، أن الأزمات الإقليمية لا تبقى محصورة في بعدها السياسي أو العسكري، بل سرعان ما تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وتراجع الاستثمارات، وحتى تقلبات سوق العمل.
هذه الخبرة المتراكمة جعلت المواطن يتعامل مع أي تصعيد باعتباره مقدمة محتملة لسلسلة من التداعيات التي تمس حياته اليومية، لا مجرد حدث بعيد جغرافيا.
التوتر حول خطوط إمداد النفط في الخليج رفع بالفعل منسوب القلق في الأسواق، وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط وتقلبها بشكل حاد، ما انعكس على تكاليف الشحن والتأمين البحري
فخلال حرب العراق عام 2003، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 60% خلال فترة قصيرة، ما انعكس مباشرة على تكاليف النقل والطاقة في العديد من الدول العربية. ومع تداعيات الربيع العربي سنة 2011، تراجعت عائدات السياحة في بعض الدول بأكثر من الثلث، وارتفعت البطالة إلى مستويات قياسية.
أما الحرب الروسية على أوكرانيا فقد دفعت أسعار القمح عالميا للارتفاع بنحو 40%، وهو ما انعكس فورا على أسعار الخبز والمواد الغذائية في دول عربية تعتمد بشكل كبير على الاستيراد.
وحتى جائحة كورونا، رغم كونها أزمة صحية، كشفت كيف يمكن لصدمة واحدة أن تؤدي إلى انكماش اقتصادي واسع، وارتفاع البطالة، وتراجع التحويلات المالية.
هذه التجارب مجتمعة شكلت ذاكرة اقتصادية حاضرة في ذهن الشارع العربي، وهو ما يفسر حساسية الجمهور الحالية تجاه التصعيد الجاري، خاصة مع دخول عامل جديد يتمثل في المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، بما تحمله من تداعيات مباشرة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
فالتوتر حول خطوط إمداد النفط في الخليج رفع بالفعل منسوب القلق في الأسواق، وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط وتقلبها بشكل حاد، ما انعكس على تكاليف الشحن والتأمين البحري.
ومع مرور نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية عبر الممرات المائية الحساسة في المنطقة، فإن أي اضطراب إضافي يهدد بإحداث موجة تضخم جديدة، تمتد آثارها سريعا إلى الأسواق العربية.
ولا يتوقف التأثير عند الطاقة فقط، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية؛ فتوقف حركة النقل البحري، وزيادة أقساط التأمين على السفن، وتأخر الشحنات، كلها عوامل بدأت تظهر في حسابات الشركات والأسواق.
ومع اعتماد العديد من الدول العربية على الاستيراد في الغذاء والسلع الأساسية، فإن أي زيادة في التكلفة الخارجية تتحول سريعا إلى ضغط مباشر على المستهلك، وهنا يتضاعف القلق الشعبي، لأن المواطن يدرك أن الأزمة الحالية قد لا تبقى في حدودها السياسية، بل قد تتحول إلى موجة غلاء جديدة.
ولعل ما يزيد المخاوف أن هذه التطورات تأتي في وقت لم تتعافَ فيه اقتصادات المنطقة بالكامل من صدمات السنوات الماضية؛ فارتفاع أسعار الفائدة عالميا، وتباطؤ النمو، وتراجع بعض الاستثمارات، كلها عوامل تجعل قدرة الاقتصادات على امتصاص صدمة جديدة محدودة. لذلك، يبدو القلق الحالي أكثر عمقا من مجرد متابعة للأحداث، فهو خشية حقيقية من مرحلة اقتصادية أكثر صعوبة.
لم يعد الخوف الإقليمي مجرد انعكاس للأحداث العسكرية، بل أصبح نتيجة مباشرة لتشابك السياسة بالاقتصاد، ولحضور ذاكرة الأزمات السابقة، وللمؤشرات الحالية التي تنذر بمرحلة أكثر حساسية
في هذا السياق، أصبح الخوف عابرا للحدود، والمتابع في أي عاصمة عربية يطرح الأسئلة نفسها: هل ترتفع الأسعار مجددا؟ هل تتراجع فرص العمل؟ هل تتأثر حركة التجارة أكثر؟ هذه التساؤلات تتكرر في النقاشات العامة وعلى المنصات الرقمية، وتعكس أن المزاج العام بات موحدا إلى حد كبير، رغم اختلاف الظروف بين الدول.
وتلعب المنصات الرقمية دورا مضاعفا في تكريس هذا الشعور؛ فالتدفق المتواصل للمعلومات، والصور القادمة من مناطق التوتر، والتحليلات المتباينة، كلها تخلق حالة من "التوتر المعلوماتي" المستمر. وبين سيناريوهات الحرب الشاملة واحتمالات الاحتواء، يعيش المتابع العربي في مساحة رمادية من القلق، حيث يصبح الغموض نفسه عاملا ضاغطا.
ومع كل ارتفاع جديد في أسعار الطاقة، أو تقلب في الأسواق، تتعزز المخاوف من دخول المنطقة مرحلة اقتصادية أكثر هشاشة؛ فارتفاع الوقود يعني ارتفاع النقل، وارتفاع النقل يعني زيادة أسعار الغذاء، وزيادة الأسعار تعني ضغطا على القوة الشرائية، وهو تسلسل بات مألوفا لدى الشارع العربي.
لذلك يمكن القول إن الشارع العربي يعيش اليوم حالة من "الترقب القلق" المشوب بالخوف من المرحلة القادمة؛ فلا هو مطمئن إلى احتواء سريع للأزمة، ولا هو قادر على تجاهل احتمالات اتساعها. وبين هذا وذاك، تتشكل حالة نفسية جماعية، ترى في كل تطور جديد مؤشرا على مستقبل اقتصادي أكثر غموضا.
في النهاية، لم يعد الخوف الإقليمي مجرد انعكاس للأحداث العسكرية، بل أصبح نتيجة مباشرة لتشابك السياسة بالاقتصاد، ولحضور ذاكرة الأزمات السابقة، وللمؤشرات الحالية التي تنذر بمرحلة أكثر حساسية.
وبين ارتفاع الأسعار المحتمل، وتقلب الأسواق، وغموض المشهد السياسي، يقف المواطن العربي مترقبا، يراقب تطورات الأزمة وهو يدرك أن تداعياتها قد لا تكون عابرة، بل قد ترسم ملامح مرحلة جديدة أكثر صعوبة في المنطقة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

