تتبنى دوائر صنع القرار الإيرانية الآن قناعة راسخة بأن ترمب يعيد إحياء عقيدة تشيني في قلب النظام الأمني الأمريكي، ذلك النهج المتطرف الذي صاغه نائب الرئيس الأسبق ديك تشيني عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.
وهي عقيدة لا تؤمن بالدفاع، بل تقتات على الاستباقية في سحق التهديدات المحتملة، وتكريس الهيمنة الأحادية، وتعزيز صلاحيات السلطة التنفيذية لتتجاوز القوانين، مرتكزة على القوة العسكرية المطلقة ودمج الأمن القومي بالاستثمارات الأمنية الكبرى.
تسييس الأجهزة الأمنية
يتمثل جوهر عقيدة تشيني في أنها لا تنتظر وقوع الهجوم، بل تعتبر ضرب الخصوم ضرورة استباقية حتى في غياب الدليل القاطع.
وهو عين ما تفعله واشنطن وتل أبيب اليوم بفرض حربين على إيران (حرب الـ 12 يوما وحرب رمضان الدائرة) دون وقائع ملموسة تبرر جدواهما، حتى غرق تقدير الموقف الأمريكي في تخبط مخز حول أهداف الحرب ومآلاتها.
أما الوجه الأكثر إثارة للريبة في هذه العقيدة، فهو تحويل وكالة المخابرات المركزية (CIA) إلى أداة قمعية. إذ تقوم عقيدة تشيني بوأد أي معلومة تخدش التوجه السياسي، وهو ما يتسق تماما مع إقصاء الأصوات المعارضة لمغامرات ترمب الحربية. ما يعني تحول المنظمة الاستخباراتية إلى تابع يبرر عثراته، ولا ينير مساره القيادي.
ولعل سلسلة العزل المفاجئة في الإدارة الأمريكية، واستبدال القيادات المحترفة بأشخاص (الولاء الأعمى)، تكشف سر إقالة رئيس أركان القوات البرية، وأعلى مسؤول في الجيش الأمريكي، والتمهيد للإطاحة بوزير الجيش.
والهدف الوحيد من ذلك هو ضمان جهاز مروض لا يجرؤ على إزعاج الرئيس الأمريكي بتقرير أو مواقف مناوئة له، بل يعمل كبوق دعائي ومنصة تسويغ أخلاقي للقرارات الرئاسية مثلما يفعل وزير الحرب بيت هيغسيث. وبناء عليه، تصبح المخابرات أداة قمعية تتجاوز وظيفتها جمع المعلومات إلى تنفيذ قرارات الرئيس دون رقابة حقوقية أو قانونية.
ما لا يدركه ترمب هو أن مجتبى خامنئي والحرس الثوري لا يديرون حربا عسكرية تقليدية، بل يخوضون معركة شرعية وجودية، وأن أي تراجع إيراني الآن يمثل انتحارا سياسيا لقيادة ربطت مصير بقائها في الحكم بنتائج هذه الحرب
بين التسييس الأمني وتباين التهديدات الأمريكية
شهد عهد جورج بوش تحويل المخابرات الأمريكية إلى مبرر لغزو العراق، لدرجة أن رئيس المخابرات، جورج تينيت، وقف خلف الرئيس آنذاك لإعطاء طابع معلوماتي لقرار سياسي بحت.
العلاقة هنا وظيفية بامتياز، فبدلا من أن تكون المخابرات جهازا استشاريا للاستبصار، أصبحت جهازا لتبرير السياسات وقمع البدائل، حيث لا يعود رئيس الجهاز شاهدا على الحقيقة، بل مجرد مبرر سياسي.
هذا السلوك الأمريكي يستنسخ، ويا للمفارقة، سلوك جهاز الساواك الإيراني في عهد الشاه؛ ذلك الجهاز الذي كف عن نقل نبض الشارع وأزماته الحقيقية، واكتفى بصناعة تقارير وردية تصور المعارضة الشعبية كحفنة عملاء. هذا الانفصال الاستخباراتي هو ما أسقط الشاه، وهو نفسه ما تفعله تقارير الـ CIA الموجهة من ترمب اليوم.
ولهذا، فإن تسييس الجهاز الأمني وتحويله إلى بوق دعائي للسلطة لم يمر دون ثمن، فقد نجم عنه فجوة معلوماتية عميقة وتخبط إستراتيجي تجلى بوضوح في صدمة ترمب من صمود النظام الإيراني وتماسكه المريب بعد اغتيال علي خامنئي.
وبدلا من السقوط السريع الذي وعدت به التقارير المروضة، اندفعت المنطقة والعالم نحو أزمة اقتصادية طاحنة ومخاطر إقليمية غير مسبوقة، نتيجة اتخاذ قرارات كبرى بناء على أوهام استخباراتية لا تقرأ إلا ما يرضي ترمب.
في المقابل، تكشف مهل ترمب المتباينة والمتلاحقة عن تخبط حاد في سياسات الإدارة الأمريكية وعجزها عن السيطرة على تطورات الميدان.
ولعل تهديده الأخير عبر وول ستريت جورنال بتدمير كافة محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يفتح مضيق هرمز بحلول مساء الثلاثاء 7 أبريل/نيسان 2026، ليس إلا محاولة بائسة للضغط؛ فهو في جوهره اعتراف صريح بالعجز عن تأمين الممر المائي عسكريا.
لأنه لو كانت واشنطن تملك القدرة التقنية والميدانية لفتح المضيق، لفعلت ذلك منذ الأسبوع الأول، لكنّ لجوءها إلى تهديد البنية التحتية المدنية يعني أن خياراتها ضد القوة البحرية الإيرانية قد اصطدمت بطريق مسدود، أو بتكلفة باهظة لم يعد ترمب يقوى على سداد فاتورتها.
لكن ما لا يدركه ترمب هو أن مجتبى خامنئي والحرس الثوري لا يديرون حربا عسكرية تقليدية، بل يخوضون معركة شرعية وجودية، وأن أي تراجع إيراني الآن يمثل انتحارا سياسيا ودينيا كاملا لقيادة ربطت مصير بقائها في الحكم بنتائج هذه الحرب. ولهذا فإن البروباغندا الإعلامية التي يبرع فيها ترمب لا تجد صدى لدى قيادة تستمد شرعيتها من ولاية الدم ومن صمود ميداني كبير.
الأخطر من ذلك، يبدو أن رد الفعل الإيراني يتأهب ليكون أكثر جنونا هذه المرة. إذ تشير التقارير الميدانية إلى نية طهران استهداف محطات تحلية المياه ومصافي النفط في المنطقة. خاصة أنها تدرك جيدا أن دول الخليج قوى مائية بامتياز، وأن ضرب محطات التحلية يعني شللا اجتماعيا واقتصاديا كاملا لا يمكن لترمب تعويضه بأي تصعيد عسكري.
الحقيقة الصادمة، التي باتت ظاهرة للعيان، أن نهاية هذه الحرب، ومآل حرب العصابات الإقليمية التي تلوح في الأفق (في حال خاطر ترمب باجتياح بري أو تدمير منشآت الكهرباء)، أضحت كلمة الختام فيها بيد الحرس الثوري لا البيت الأبيض
إدارة إيران للصدمة الأمريكية
ردت إيران على النهج الأمريكي بإستراتيجية إدارة الصدمة داخليا والتصعيد العمودي والأفقي خارجيا، ويقرأ ذلك بتعمد طهران ترميم شرعيتها بسرعة عبر انتخاب زعيم جديد، مجتبى خامنئي، بوصاية شيعية سياسية منتقمة (ولاية الدم)، وعسكرة المجتمع بحملة (جان فدا إيران/ روحي فداء إيران) لقمع أي احتجاجات داخلية راهنت عليها أمريكا وإسرائيل.
وبما أن الحرس الثوري أضحى صانع القرار الأوحد، وفرض وصاية عسكرية لا تترك مجالا لأي مظهر احتجاجي إلا وقمعته باعتقالات غير مسبوقة، فالأخطر تطبيقه التصعيد العمودي للرد على عقيدة تشيني، سواء بتوسيع بنك الأهداف ليشمل البنية التحتية الخليجية وعصب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأمريكي، أو باستخدام سلاح مضيق هرمز لفرض سيادة أمنية وتجارية تجبي رسوم عبور قسرية متجاوزة القوانين الدولية.
نحن إذا أمام صدام الند بالند، صدام فاجأت به إيران الجميع بصمود ورقة الوكلاء (حزب الله والحوثي) التي أثبتت قدرتها على توسيع جغرافيا الحرب رغم مراهنات التفكيك.
لم يعد مسار التهدئة معلقا بأوهام الاجتياح البري أو ضرب البنية التحتية الإيرانية بالكامل، التي يداعبها ترمب لانتزاع نصر أحادي، بل هو مرهون بسلوك إيران التي تتقن لعبة الإنكار والمساومة، إذ ترفض الاعتراف بالمفاوضات وتضع بالتوازي شروطا تعجيزية (كالتعويضات المالية ورفع العقوبات بالكامل واستدامة السيادة على هرمز) بغية إحكام قبضة الحرس الثوري وتوطيد شرعيته داخليا وتغيير موازين القوة خارجيا.
والحقيقة الصادمة، التي باتت ظاهرة للعيان، أن نهاية هذه الحرب، ومآل حرب العصابات الإقليمية التي تلوح في الأفق (في حال خاطر ترمب باجتياح بري أو تدمير منشآت الكهرباء)، أضحت كلمة الختام فيها بيد الحرس الثوري لا البيت الأبيض كما يأمل الرئيس الأمريكي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
