كيف وحدت المسقعة واللغة مزاج شعوب الشرق والبلقان؟

Traditional Greek potato and meat casserole with cheese - moussaka, dark background. Greek cuisine concept.
الكاتب: اكتسب الطبق -المسقعة- في كل محطة نكهة محلية جديدة فصار يقدم ساخنا بالبشاميل في اليونان (شترستوك)
  • وهكذا وحدت "المسقعة" مزاج شعوب الشرق!

منذ أن تداعت التخوم الإمبراطورية التي رسمتها الخلافة العثمانية، وعادت الأمصار لحدودها الوطنية بعد طول غياب، ساد اعتقاد لدى بعض المؤرخين وقتئذ أن الفضاء الثقافي المشترك قد تشظى إلى كيانات قومية منغلقة، وأن قطيعة وجدانية قد بدأت، لا تقف عند حدود السيادة والسياسة، بل تمتد لتطول الذوق العام والمزاج الشعبي في عصر الاستقلال. غير أن الحقيقة التاريخية كانت ترقد في تفاصيل يومية أشد استعصاء من أن تطولها مباضع الجغرافيا، أو حتى نضالات الحرية.

صراع "السوبا" و"الشُرْبة" في ذاكرة الشعوب

خاضت القوميات الصاعدة معارك مريرة لـ"تطهير" ذاكرتها من الرواسب العثمانية؛ ففي بلغاريا مثلا، استمر النضال طويلا لإحلال كلمة "سوبا" السلافية محل كلمة "الشُّربة" التركية، في محاولة لفك الارتباط اللغوي بالإرث القديم.

لكن، وبمعزل عن تلك الانتصارات الرمزية الصغيرة، ظلت البنية التحتية للمزاج العام عصية على التنميط القومي، وأثبت الوجدان الشعبي أنه يمتلك "شيفرة" بقاء عابرة للحدود، تجعل من روائح المطبخ وأصداء الأسواق صلة وصل لم تنجح الخرائط الحديثة في بترها.

لا تقترح هذه المدونة دراسة أكاديمية مقارنة، أو ثبتا لغويا بالكلمات المشتركة، بل مجرد محاولة لفهم "نظام التشغيل" الوجداني الذي وحد هذه الشعوب في صميم يومياتها

قصة الطبق العابر للحدود

تبدأ القصة بهذا المشترك الهائل بين بلاد البلقان وبلادنا في الشرق العربي على كل الأصعدة؛ كل يوم تصطدم الأذن بكلمات مألوفة، ليبدأ البحث عن المشترك! فحين تتوه الأقدام في الطريق نحو مقهى في زقاق عتيق في مدينة "نيش" الصربية، أو تمر أمام بقالة تعبق برائحة التوابل في بلدة بلغارية، تكتشف أن العثمانيين لم يبسطوا سيطرتهم على خرائط الشرق فحسب، بل صهروا الوجدان الشعبي في قالب واحد عبر تاريخ طويل، امتد في بعض الدول إلى خمسة قرون.

إعلان

قد يتباين العربي والروماني واليوناني والصربي والبلغاري في رؤاهم للحياة، أو في جذور اللغة، لكنهم جميعا -أو لنقل معظمهم- سقطوا في شراك "المسقعة" منذ "اللقمة" الأولى، فبدا الطبق كأنه ميثاق ذوقي عابر للحدود، والكلمة مشتقة من الجذر العربي "سقع" (أي برد)، حيث كان العرب يطلقون الاسم على الطعام الذي يؤكل باردا في قيظ الصيف.

حملها العثمانيون معهم إلى البلقان وشرقي أوروبا، فاكتسب الطبق في كل محطة نكهة محلية جديدة؛ فصار يقدم ساخنا بالبشاميل في اليونان، مع ذاك التأكيد الحازم أنها منتج حصري لشعب اليونان العريق، وبالبطاطس واللحم في صوفيا، وباردا باعتباره "مزة" بجوار الجبن الأبيض في مكان ثالث.

ومع ذلك ظل محتفظا بهويته اللغوية العربية، التي نطقها الأتراك بلكنتهم الخاصة لتصبح "موساكا"… كلمة واحدة توحد موائد الطعام من أثينا إلى نجع حمادي!

من الكنكة إلى الإيميل.. الرضوخ لسطوة "السيستم" اللغوي

لا تقترح هذه المدونة دراسة أكاديمية مقارنة، أو ثبتا لغويا بالكلمات المشتركة، بل مجرد محاولة لفهم "نظام التشغيل" الوجداني الذي وحد هذه الشعوب في صميم يومياتها. وكثيرا ما يثور التساؤل: أهو ظل المحتل الذي صهر هذا المزاج في "كنكة" واحدة؟ أم قسوة الانكسارات التاريخية؟ أم إنها، ببساطة، لغة "البزنس" وتوق التمدن؟

في تقديري، لم يكن هذا الانصهار وليد قرار سياسي أو فرمان، بل كان ضرورة نفعية جعلت اللغة العثمانية آنذاك بمثابة "إنجليزية" عصرها؛ لغة تقنية عابرة للأمم، ومحركا كونيا للأسواق، تماما كما نستخدم اليوم المصطلحات "إيميل" و"داونلود" لفتح نوافذ العالم. لم يكن تبني مفردات مثل "البقالة" أو "الجمرك" رضوخا عاطفيا، بقدر ما كان "بروتوكولا تشغيليا" لا غنى عنه لدخول منظومة تجارية موحدة، تمتد من أسوار فيينا إلى سواحل عدن.

فلكي تكتمل دورة المال وتفتح الأبواب، كان لزاما على التاجر والصانع والزبون التحدث بلغة "الدكان" و"الفاتورة"، واستخدام "الأجندة" لضبط المواعيد، و"البوسطجي" لنقل الرسائل، و"الشنطة" لحمل البضائع، وصولا إلى فرش "الكليم"، الذي صار الرمز البصري المشترك لبيوت تتقاسم ذات الرفاهية المتاحة. لقد كانت اللغة هي "المنصة" التي وفرت الأدوات، بينما تولى المزاج المشترك ملء الفراغات بالحكايات والروائح.

الانصهار الإداري قابلته عولمة شعبية في الأسواق؛ فالحرفي والتاجر وجدا في القاموس المشترك وسيلة لتسهيل الصنعة والبيع والشراء، فأصبحت "الدكان" و"البقالة" و"الخضرجي" و"المكوجي" عناوين لهوية مهنية عابرة للحدود

حين يفرض التمدن مفرداته على الوجدان

لقد تحول هذا النظام من أداة عمل إلى عدوى اجتماعية، تسللت من دفاتر التجار إلى جلسات القهوة؛ فحين أراد المواطن تنظيم حياته المادية، استعار لغة "الكتالوج" العثماني، ليصبح الصف هو "الطابور"، وتصير المهن هي "الجوهرجي" و"الخردواتجي" و"المكوجي"، ويضبط تفاصيل بنائه بـ"الشاكوش" و"البرواز" و"البويا"، ويحفظ طعامه في "البرطمان".

إنه "لوجيستيك" لغوي وحد المصالح قبل أن يوحد المشاعر؛ هي إذن الأدوات التي لا غنى عنها لمن يريد أن يكون جزءا من ذاك العالم "المتمدن". وتغلغلت هذه اللغة في أدق تفاصيل النظام العام، فاستعارت الشعوب العربية والبلقانية الكلمات التركية لملء فراغ تنظيمي، لم تكن لغاتهم الأصيلة توفره بصيغته المؤسسية آنذاك.

"الطرشي" أحد أدوات "كتالوج" الحداثة

هذا الانصهار الإداري قابلته عولمة شعبية في الأسواق؛ فالحرفي والتاجر وجدا في القاموس المشترك وسيلة لتسهيل الصنعة والبيع والشراء، فأصبحت "الدكان" و"البقالة" و"الخضرجي" و"المكوجي" عناوين لهوية مهنية عابرة للحدود، بل وصمد طقس "البقشيش" ككلمة سر اقتصادية، لا تزال تنطق بذات الرنة من صوفيا إلى بغداد، وتحول "الطرشي" إلى واحد من أدوات القوة الناعمة، ودوره المبهج في فتح شهية الشعوب لا يحتاج إلى شرح، تماما كما وحدت "البويا" و"الجزمة" طقوس الأناقة اليومية، لترسم ملامح عالم مترامٍ يتحدث لغة واحدة.

إن الذاكرة الحسية المكتوبة بالرائحة ونبرة السخرية، مدعومة بلغة "البزنس" ومنطق السوق، أبقى من الحدود المرسومة بجرة قلم

قاموس الزقاق المشترك: من "الدغري" إلى "الأبلة"

وعلى جانب آخر، تبرز فلسفة الزقاق كأعمق دليل على هذا الصهر الثقافي، حيث اتفق المواطن البلقاني والمواطن العربي على استخدام المفردة التركية تحديدا لوصف حالات الخروج عن النص الاجتماعي؛ فكلمة "سرسرجي" بقيت لتعبر عن الشخص المتسكع الفاشل، وكلمة "تنبل" وصفت حالة الكسل المزمن، بينما استخدمت "دغري" لمدح الاستقامة، و"أبلة" لتقدير الأخت الكبرى أو المعلمة.

إعلان

ولم يقتصر هذا التوحد "الأخلاقي" على صخب الشوارع، بل تسلل إلى مملكة النساء في البيوت، حيث توحدت الأدوات والتسميات بين السيدات الرومانية والصربية والشامية؛ فكلهن ينفضن "الشراشف"، ويبدعن في طبخ "الكباب"، ويشربن القهوة في "الفنجان"، ويختتم الجميع يومه بـ"البقلاوة"، التي تتربع على عرش الحلويات ككلمة سر لا تجرؤ لغة محلية على تغييرها.

ما وراء "المسقعة": كيف صاغت المصالح "ميثاقا" وجدانيا لا يندثر؟

إن الذاكرة الحسية المكتوبة بالرائحة ونبرة السخرية، مدعومة بلغة "البزنس" ومنطق السوق، أبقى من الحدود المرسومة بجرة قلم.

لقد فرقت خيارات السياسة ومآلاتها بين بلغراد، وصوفيا، والقاهرة في عصر الدولة الحديثة، غير أن "نظام التشغيل" الوجداني لا يزال يعمل بكفاءة في الورش والمطابخ والبيوت؛ ليؤكد أن الإنسان يسكن في "مزاجه" ومصالحه، على نحو يتقاطع مع حبه لوطنه وقوميته.

هو إذن ذكاء فطري ينحاز لروائح الطعام الشهي، التي نصبت شراكها في الأنوف والأمعاء قبل الوجدان، تماما ككمين "المسقعة"، الذي يثبت يوما بعد يوم أن سحر المائدة ورنين العملة أقدر على توحيد الأمم من عشرات المعاهدات والاتفاقيات، بل ويتجاوز ضجيج القوميات وصيحات الشوفينية المتطرفة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان