عبد الله البرغوثي.. سيرة أسير فلسطيني وتجربة مقاومة

عبد الله البرغوثي.. قصة كفاح “أمير الظل” الأسير مدة 5 آلاف عام
الأسير الفلسطيني عبد الله البرغوثي (الفرنسية)
  • وقفات مع أسير فلسطيني

مع قراءتي في الصفحات الأولى من "أمير الظل" سألت نفسي: ما الذي يمكن أن تفعله كلمات يكتبها أسير؟ فكأنني حينها استشعرت شيئا يهمس في داخلي: إن مما قد يخفف من ألم الأسر ألا تبقى الكلمات مع صاحبها أسيرة.

لعل شيئا من هذا مر بخاطر المهندس عبد الله غالب البرغوثي وهو يخط كلماته في زنزانة العزل الانفرادي، وقد زاد المسألة إلحاحا تلك التساؤلات الحائرة التي حملتها رسالة ابنته تالا: أأنت بطل مقاوم أم مجرد متهور مندفع، خاض حربا لا ناقة له فيها ولا جمل؟ كل الآباء ينسون إلا أنت… ما دمت لا تنسى، لماذا غبت عنا طوال هذه الأعوام؟ ألم تكن تعلم أن من يقاتل يغيب ويبتعد عن الذين يحبهم؟

كتب البرغوثي مذكراته "أمير الظل: مهندس على الطريق"، لا لتكون جوابا عن أسئلة تالا فحسب، وإنما ليجد الجواب فيها كل من يسأل الأسير الفلسطيني: من أنت؟ ولِمَ أنت؟ فقصص أولئك الأسرى متشابهة في خطوطها العريضة، وإن اختلفت في التفاصيل.

في زيارته القدس رأى أول شهيد يصلى عليه، شهيد ارتقى للعلا بعد أن طعنه مستوطن صهيوني محتل، صلوا عليه وصلى معهم، وكبروا وهللوا فكبر وهلل

بداية المشوار كانت من شعور ولد في نفس ذلك الطالب الفلسطيني في مدرسة كويتية بأنه لم يعد طفلا صغيرا؛ فما حدث لم يسمح له بالانتظار طويلا حتى يكبر! لقد قتلوا أصغر أعمامه، وقتلوا ابن عمه الكبير، قتلوا إسماعيل ومحمود، اللذين ألقيا بالحجارة على قوات الاحتلال الصهيوني التي كانت تعيث خرابا في القرية، فأطلقت تلك القوات وابلا من الرصاص فاستشهدا، وكان ذلك في انتفاضة الحجارة على أرض فلسطين.

نعم، كان عليه أن يكبر، وأن يجتهد في إعداد نفسه بدنيا وعلميا وشعوريا، ليكون أهلا لخوض غمار المرحلة القادمة… كبر، وكبرت معه فكرة المقاومة وطرد المحتلين، ومعاقبتهم على جرائمهم بحق فلسطين وأهلها.

إعلان

كان أبوه يتابع عمله في علم الميكانيكا، الذي سيعطيه خبرة ومهارات، ويتابع تدريبه في النادي الذي سيكتسب به بنية جسدية، كان الأب يتابع ذلك صامتا، ويقول بين حين وحين: "لقد كبرت قبل أوانك يا بُني".

المسيرة التي اختارها البرغوثي أخذته إلى كوريا الجنوبية ليعمل ويتحمل المسؤولية تجاه أهله، فيكفيهم مؤونة العيش، ولكن العمل وكسب المال لم يكونا كل شيء في حياته هناك، فقد واصل أيضا تنمية مهاراته وعلومه في مجالات عديدة سيحتاجها لاحقا، ومنها هندسة الإلكترونيات، ومع كل ذلك كان هاجس فلسطين والعمل لها حاضرا لديه… أمضى في كوريا سنوات ثم عاد إلى الأردن، وبعدها إلى فلسطين.

في زيارته للقدس رأى أول شهيد يصلى عليه، شهيد ارتقى للعلا بعد أن طعنه مستوطن صهيوني محتل، صلوا عليه وصلى معهم، وكبروا وهللوا فكبر وهلل. وفي ذلك الموقف قال أحدهم: "الانتقام الانتقام يا كتائب القسام"! فاخترقت تلك الكلمات عقل عبدالله وقلبه، وصارت محور حياته القادمة.

وفي فلسطين نام في بيت أبيه، ولم يكن ذاك إلا منزل جده، الذي ورثه عن جد جد جده… نما حبه لفلسطين أكثر، وزاد قلقه عليها، فنما حبه للمقاومة والحجر، وللتراب والشجر، وأقسم أن يحرر فلسطين، كل فلسطين.

في موقف لافت، بدت منه غيرته على دينه، وحضر ذلك الموقف شيخ مسن فحفظها له… وتمر الأيام فيلتقيان من جديد، ويدعوه الشيخ إلى الغداء، وما كان الغداء هو الغاية، بل أن يسلمه الأمانة، وكانت شيئا مما تركه الشهيد يحيى عياش! فهم الرسالة ووعاها؛ أن سر على درب المهندس يحيى عياش.

كل الذي جرى كان يرسم لصاحبنا طريق المقاومين، فسار فيه ولم يحد عنه، أخذ طريق يحيى عياش حتى صار يعد خليفته في إدارة العمليات العسكرية.

أقام معملا للتصنيع العسكري في أحد المخازن في بلدته، وكان العقل المدبر لكثير من العمليات الانتقامية التي جاءت ردا على جرائم الاحتلال، وكأنما كان سلوكه تصديقا لقوله: "تثور النار إن خنقت بالحطب، فكيف لا يثور ابن القسام، وقد غضب، على دم شعب يسكب، ويحرق من للحق اغتصب؟".

يشير عبدالله البرغوثي إلى دوره في العمل مع كتائب القسام، فيذكر أنه لم يكن سوى ترس صغير جدا في تلك الآلة التي تحوي كثيرا من التروس، التروس التي سطرت بعملها المتواصل بجد وصمت أروع صفحات المقاومة على تراب فلسطين، كل فلسطين.

كانت تلك مسيرة قادت صاحبها من واقع أتيح له فيه أن يكون مهندسا ثريا لامعا، وهذا ما كان عليه في حين، ليصير أسيرا في زنزانة العزل الانفرادي!

من بين العمليات البارزة التي شارك فيها عملية "سبارو" التي شكلت الشرارة الأولى، وعملية الجامعة العبرية، ومقهى "مومنت"، والنادي الليلي في مستوطنة "ريشون لتسيون" قرب تل أبيب.

وقد آلمت تلك العمليات المحتلين وعملاءهم؛ فصار هدفا لكل أولئك، وبعد طول تتبع وتآمر، جاء ذلك التدبير من الأعداء بتاريخ 5 مارس/آذار 2003، وتكاثرت على الأسد الضباع فأوقعته في الأسر، أسر طال عليه وما زال فيه.

يقضي البرغوثي حاليا حكما من أعظم الأحكام في التاريخ بالسجن المؤبد 67 مرة، إضافة إلى 5200 عام؛ لمسؤوليته عن مقتل 67 إسرائيليا في سلسلة عمليات نفذت بين عامي 2000 و2003؛ ولعله لو سئل اليوم عن ذلك لأجاب: لا يستوي من يقتل إجراما، ومن يقتل انتصارا للمستضعفين وقصاصا من الطغاة المجرمين.

إعلان

تلك مسيرة قادت صاحبها من واقع أتيح له فيه أن يكون مهندسا ثريا لامعا، وهذا ما كان عليه في حين، ليصير أسيرا في زنزانة العزل الانفرادي! وقد يجوز لنا القول إن خياره لم يكن بالضرورة أن يكون مقاوما، بل إنسانا مكتمل الإنسانية، لكن الإنسانية الحقة، في بلد استولى على حكمه المجرمون الطغاة، لا ترضى أن تسير في ركاب من أرادها إلا والمقاومة لها قرينة.

اليوم، قد يكون البرغوثي من أوائل المعنيين بإقرار حكومة الاحتلال الصهيوني عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، وليس لنا أن نستغرب من الذين قتلوا أنبياءهم أن ينتشوا فرحا وهم ينتظرون إعدام أسراهم؛ فالحقد عند أولئك طبع راسخ، والجريمة متأصلة في تاريخهم. لكن ما لا ينبغي لنا أن نستغربه أيضا أن أمة ترضى بتقييد أسودها، لتصير فريسة ستأكلها الضباع يوما إذ تغدو بلا أسود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان