الشطر من بيت للملك الشاعر جبلة بن الأيهم، العربي الغساني، وهو يسوق بعض الحكمة العربية الأولى، وفيها أن الجَمل الكبير قد يكون أطول صبرا، وأشد تحملا من غيره لما يصيبه من اللأواء والألم؛ إذ جبلته الطبيعة الصحراوية على شدة الصبر، وطول الأنفة، وقدرة الاحتمال.
ولعل الخليج، رغم ما حاز من ترف في حداثته، لا يزال يحمل في جعبته كثيرا من تلك الخصال البدوية الصارمة، التي يفزع إليها حين تناوشه سهام الشرور، وتدلهم حول جزيرته الخطوب، فيفزع إلى هذه الحكمة التاريخية التي ورثها من أسلافه الأكابر، من أمثال هرم بن سنان، والأحنف بن قيس، ومعاوية صاحب الشعرة الموصولة.
فهذه الحرب فجعته أو فاجأته وقد أسقط في يده؛ فلا هو فيها بالطرف الأصيل، ولا هو منها بالذي يسلم وتضعه بين خيارين كل منهما أمرّ من صاحبه، إما أن يعتزل الحرب التي قال عنها حكيمه القديم الحارث بن عباد: "هذه حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل"؛ أو أن تستفزه تلك المدويات بساحته من حين لآخر، حتى تشعل في ساحته حربا، لا يدري كيف تنجلي فيها النهايات، ولا ما تأخذ الحرب من ساحته ومقدراته وما تدع!!
لعل الصبر الذي تجلى به الخليج، وتحلى به حتى الآن، هو من المكاسب الإستراتيجية المتمثلة في "أقل الخسائر"، والتي تسعى إليها دوما الدول غير الأطراف المعنية في الحرب
إن صعلوكا من صعاليك البادية أتى إلى عنترة بن شداد يطلب منازلته، لكن ليس في مبارزة ولا سيف ولا رمح؛ إنما اقترح أن يضع بنانه بين فكي عنترة، ثم يفعل عنترة مثل ذلك، على أن ينتظرا ليظهر أيهما يصرخ أولا، فتجمل عنترة بصبره حتى صرخ صاحبه مستسلما؛ فقال عنترة: لو لم تفعل لفعلت… إنما الشجاعة صبر ساعة!
ولعل الصبر الذي تجلى به الخليج، وتحلى به حتى الآن، هو من المكاسب الإستراتيجية المتمثلة في "أقل الخسائر"، والتي تسعى إليها دوما الدول غير الأطراف المعنية في الحرب، بدلا من أن تفرض على نفسها حربا، تستطيع ألا تكون طرفا في معادلتها، وتلك هي الشجاعة الحقيقة.
وربما باتت التقديرات والقراءات موحية بقرب النهايات، حيث لم تكن للبدايات أهداف معلنة ولا أهداف خفية، لكن عمق القراءات الإستراتيجية، والتأملات في الفكر السياسي، لم تكن لتخفى على حكماء الخليج، بحكم هذا الجوار القلق منذ النصف الثاني من القرن العشرين، الذي ابتلي فيه الجسد العربي بهذا "الدَّبَر"، الذي لم تزل قوته لا تطاول الاحتمال العربي، ولا تنال من صبره، بقدر ما تقلقه بما تشعل فيه كل حين من الحروب والسعي الممنهج لإحداث الفرقة في هذا الجسد المتداعي، غير أنه لم يزل يمتلك تلك القدرة التي ربما تكون المخرج الوحيد الآن (الآمن نسبيا) من هذه الأزمة الطاحنة.
أما الجوار التاريخي الآخر، فلا أظنه يستحيل التعايش معه بحكم الجغرافيا والتاريخ، وإن الحكمة العربية التي احتوته ما يقرب من 1400 عام لن تعجز عن مواصلة هذا الاحتواء، وقد رأت أن الأقدار المشتركة المستجدة سياسيا وعسكريا لن تجعل في مصلحة أحد الطرفين أن يُحدث حالة من الصدام مع جاره، فلن تكون النتائج إلا الإزهاق المؤكد لمقدرات الجارين، ولن يكون الكاسب من هذه الحرب إلا الطرف المعني دوما بحصد الثمار، بعد أن يحرق الأرض ويهلك الحرث والنسل.
إن الخلاف الأيديولوجي، أو العقدي إن صح التعبير، مع الجار الفارسي لن يتعذر على الطرف العربي مواجهته في شتى جبهاته، وإن الثقافة والفكرة، التي يحاول هذا الجار تصديرها للمنطقة منذ ثورته الإسلامية سنة 1979، ليس من المعجز على العقل الخليجي ولا منظريه التصدي لها، بل وطرقها في عمق ديارها، ومن أطرافها وأذرعها المتعددة في المنطقة.
إن احتمال الجوار المخالف أيديولوجيا وثقافيا لم يكن جديدا يوما على ثقافتنا الإسلامية، وإن تطويعه واحتواءه خير من الصدام الذي يفتح ساحة للصراع العسكري والسياسي
ولعله يكون من دروس هذه الحرب:
- ألا ينغلق الخليج على تحالفاته، التي لم يكن حالها معه إلا وفق "ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي"، وأن يعيد النظر في تنويع تحالفاته مع الدول الكبرى، من جهة مصادر السلاح والتكنولوجيا وتوظيف الثروة، والمصالح المفتعلة المشتركة، حتى لا يقع أسيرا- كما حدث- لشراك التبعية العسكرية أو التكنولوجية، ولنتذكر دائما قول المتنبي:
ومن يجعل الضرغام بازا لصيده .. تصيده الضرغام فيمن تصيدا
- ألا ينغلق على مقدراته البترولية وحدوده الإقليمية الخليجية؛ ففي بعض التوسع الإقليمي نفوذ وولاءات لا يعدم التعويل عليها في الحرب والسلم، وقد رأينا ذلك عيانا مع أذرع إيران الإقليمية وما تفعله في السلم والحرب. وإن الخليج لأقدر وأعلى حكمة من غيره في استقطاب هذه الولاءات، وتنويع نفوذه إقليميا ودوليا بما يملك من ثروات ثقافية ومادية.
- ألا يصنع من الصراعات الأيديولوجية صراعات أو صدامات عسكرية، لا يضطر لها، ولا تفرضها عليه إلا الأطراف الخارجية المنتفعة من ذلك، ولتكن دروس التاريخ، والصراعات مع الدولة الصفوية والحركات الشيعية الأولى، جديرة بالتوقف والدراسة لمعرفة إمكانية التعاطي والتفاعل مع الجوار الفارسي.
- احترام الثقافات الأخرى، ولو كانت على غير وفاق، أو مخالفة؛ فإن احتمال الجوار المخالف أيديولوجيا وثقافيا لم يكن جديدا يوما على ثقافتنا الإسلامية، وإن تطويعه واحتواءه خير من الصدام الذي يفتح ساحة للصراع العسكري والسياسي، والذي لا تجني المنطقة منه إلا خسارة المقدرات والمكتسبات، وتقويض بنيان ثقافي وحضاري حديث يحتاج أمدا لإعادته من جديد.
أفيتحلى الخليج بصبره، وينتفع بحكمة أسلافه التي يحاول، حتى الآن، أن يعيد تفعيلها تجاه ما يجري في ساحته، ومن حوله الاشتعالات والاستفزازات، فلعل النهايات باتت على الأبواب، و"عند الصباح يحمد القوم السرى"؛ أم يتخلى عن حكمته، ويفقد صبره، ويغامر بما بقي لديه من مقدرات، فيشارك في حرب لا يعلم إلا الله وحده كيف تكون مسيرتها، وكيف تكون خواتيمها؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
