الصمود الديمغرافي الفلسطيني

توسيع المشروع الاستيطاني في الضفة والقدس تحت مظلة اتفاقية أوسلو
توسيع المشروع الاستيطاني في الضفة والقدس (الجزيرة)

إن أي قوة احتلال استيطاني ناشئة تعتمد، في الأساس، على ركيزتين أساسيتين: الأولى الدعم الخارجي الذي يمدها بأسباب الاستمرار، والثانية- وهي الأهم- التهجير.

ومبدأ التهجير، في جوهره، يقوم على تغيير التركيبة الديمغرافية (السكانية) الأصلية، وإحلال مستوطنين آخرين؛ فهو أداة مركزية في مشاريع الاستيطان الاستعماري، وليست نتيجة عرضية، حيث يتحول من تبقى من السكان الأصليين إلى أقلية مضطهَدة محاصَرة، ترزح تحت حكم الاحتلال.

وقد مر العالم بتجارب كثيرة لشعوب أبيدت وهُجرت قسرا، واستوطن موطنها الأصلي مستوطنون دخيلون، وأجلى مثالين على التغيير الديمغرافي لسكان الأرض الأصليين ما حدث مع الأمريكيين الأصليين (الهنود الحمر) والفلسطينيين، مع اختلاف الظروف والاتجاهات.

بيد أن ما يحدث في فلسطين يعد مسرحا لتداخل مستمر بين مشروع استيطاني يسعى إلى تثبيت أغلبية يهودية، وبين جماعة أصلانية ما زالت، رغم كل ما تعرضت له، قادرة على إعادة إنتاج وجودها.

تقدر معاهد الدراسات أن يصل عدد الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية مع نهاية عام 2050 إلى نحو 13 مليون فلسطيني، مقابل 10 ملايين يهودي

التغيير الديمغرافي للفلسطينيين منذ النكبة حتى القلق الإسرائيلي

شكلت نكبة عام 1948 نقطة التحول الأبرز في التاريخ الديمغرافي الفلسطيني؛ حيث هُجر قسرا أكثر من 700 ألف فلسطيني من ديارهم، بالتوازي مع تدمير وتطهير مئات البلدات والقرى.

وقد أسهم ذلك في إحداث اختلال كبير في التركيبة السكانية، مع تدفق موجات من المهاجرين اليهود إلى الأرض المحتلة، ما أدى إلى تحول الفلسطينيين داخل المناطق التي أقيمت عليها دولة الاحتلال إلى أقلية، بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية الساحقة.

كما هُجر أكثر من 250 ألف فلسطيني عام 1967، ما زاد من آثار التفريغ الديمغرافي، ورسخ واقعا سكانيا جديدا يقوم على تعزيز الأغلبية اليهودية داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

إعلان

ومع مرور السنوات، تزايدت مخاوف المؤسسة الإسرائيلية من أن يصبح عدد الفلسطينيين في فلسطين (في الضفة والقدس والداخل وغزة) أكثر من عدد اليهود الإسرائيليين، حيث تشير تقديرات نهاية عام 2023 إلى أن عدد اليهود بلغ نحو 7 ملايين و200 ألف، في مقابل حوالي 7 ملايين و300 ألف فلسطيني. وتقدر معاهد الدراسات أن يصل عدد الفلسطينيين على أرض فلسطين التاريخية مع نهاية عام 2050 إلى نحو 13 مليون فلسطيني، مقابل 10 ملايين يهودي.

يبقى مبدأ تهجير الفلسطينيين شبحا وهاجسا أمام المؤسسة الأمنية والكتلة السياسية، التي تصل مكر الليل بالنهار لدفع الفلسطينيين نحو التهجير

محاولات التهجير

بعد اندلاع الحرب الضروس على الفلسطينيين في أكتوبر/تشرين الأول 2023، رصدت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مبالغ وخططا واضحة لتهجير الفلسطينيين، حيث اعتُبرت تلك المحاولة من بين أكثر المحاولات جدية، وشملت المساومة مع بعض الأنظمة العربية، وبخاصة النظام المصري، إلا أن الدولة المصرية كانت تملك قرارا حاسما بمنع تهجير الفلسطينيين من غزة، رغم الضغوط الهائلة التي واجهتها.

يبقى مبدأ تهجير الفلسطينيين شبحا وهاجسا أمام المؤسسة الأمنية والكتلة السياسية، التي تصل مكر الليل بالنهار لدفع الفلسطينيين نحو التهجير.

ورغم صعوبة تنفيذ محاولات التهجير القسرية المباشرة، نتيجة تعقيدات سياسية وإقليمية ودولية، فإن القيود والتضييقات والاعتداءات على الفلسطينيين في فلسطين التاريخية تندرج ضمن إطار واسع يهدف إلى تهجيرهم، أو على الأقل دفعهم نحو مغادرة أرضهم، وخلق بيئة طاردة لهم بشكل غير مباشر.

من هنا، تبرز أهمية دعم صمود الفلسطينيين بوصفه أحد أهم عناصر المواجهة في الصراع، والحفاظ على جذورهم ووجودهم الأصيل، وتعزيز تكتلهم الديمغرافي الوطني ونسيجهم الاجتماعي.

لقد أثبت الفلسطينيون، رغم محدودية الموارد وتعقيدات الواقع، قدرة لافتة على الحفاظ على حضورهم الديمغرافي، مستندين في ذلك إلى عوامل ذاتية بالدرجة الأولى.

غير أن هذا الصمود، على أهميته، يظل بحاجة إلى بيئة داعمة على المستويين العربي والإسلامي، بما يوفر له أسباب الاستمرار وتعزيز الثبات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان