لم تكن هناك أي إشارة تحذير؛ فالعادي لا ينذرنا قبل أن يرحل، بل ينسحب بهدوء ليتركنا في مواجهة الفراغ.
كان كل شيء يبدو مطمئنا إلى حد الغفلة؛ ضحكات متصاعدة، وأحاديث تتشابك في سهر عيدي طويل بمنتجع يفيض بالحياة، وخطوات تتحرك بلا تفكير، يقودها شعور داخلي بأن الأرض ملكية خاصة، وأن الاتزان حق مكتسب لا يقبل التفاوض.
كنت أعيش واحدة من تلك اللحظات التي يذوب فيها الإنسان داخل عاديته، تلك اللحظات التي لا ننتبه فيها أننا بخير، لأننا ببساطة.. بخير. وفجأة، ودون أي مقدمات درامية، حدثت (الخطوة).
اكتشفت أن الأمان الذي نرتديه يوميا ليس درعا فولاذيا كما نتخيل، بل هو رداء رقيق قد يمزقه تعثر بسيط في لحظة غفلة
لا أعرف يقينا حتى هذه اللحظة إن كانت تلك الخطوة تختلف في تكوينها الفيزيائي عن آلاف الخطوات التي سبقتها، أم إن الأرض قررت في لحظة مباغتة أن تخون العهد القديم بيننا.
كل ما أدركه أن جسدي لم يكمل طريقه المعتاد؛ تعثرت، فانكسر التوازن، وانشطر العالم في عيني إلى نصفين: شطر يخص الناس من حولي وهم يهرعون نحوي بذعر، وشطر يخصني وحدي، حيث لا يسكن سوى الألم الصرف.
لم يكن السقوط طويلا بمقاييس الزمن، لكنه كان كافيا ليوقف عقارب الساعة بداخلي تماما. في ثانية واحدة، أصبحت الأصوات البعيدة لا تخصني، والوجوه القلقة التي كانت قبل قليل تشاركني الضحك أصبحت تنتمي لعالم آخر لا أستطيع بلوغه.
ثم جاء الألم؛ لم يكن مجرد إحساس جسدي عابر، بل كان صرخة وجودية لجسد انكسر في موضعين. كسر مركب جعل من كل محاولة للتنفس مشروع وجع جديد، ومن كل حركة صغيرة زلزالا يضرب كياني.
بدأت من هنا رحلة البحث عن شفاء في عالم المستشفيات البارد. بين ممرات الطوارئ وأبواب الإسعاف التي تفتح وتغلق على القلق، قضيت 12 ساعة كاملة من الانتظار القاسي قبل الوصول إلى غرفة العمليات.
كنت أشاهد الوجوه تتغير، وأسمع همسات الأطباء، بينما عقلي عالق في اللحظة ذاتها التي سبقت السقوط. عدت إليها آلاف المرات في ذاكرتي، ليس لأنها كانت استثنائية، بل لأنها كانت غير مرئية. لحظة لم تحمل علامة خطر واحدة، لكنها كانت الفاصل الحدودي الوحيد بين عالمين: عالم الأمان المطلق، وعالم الأسياخ والبلاتين.
الامتنان الحقيقي مكانه تلك التفاصيل الصامتة التي تمر دون أن نلاحظها؛ في كل خطوة نخطوها فتتبعها أخرى دون أن نسقط
من هنا، ومن قلب هذا الانكسار، بدأت أفهم فلسفة "الاتزان" التي نمارسها يوميا دون أدنى انتباه. نحن نعيش معظم حياتنا داخل تفاصيل صامتة لا نمنحها شرف الملاحظة: المشي، الوقوف، انسيابية الحركة، والسيطرة التلقائية على أعضائنا.
نعتبر هذه البديهيات حقوقا فطرية، بينما الحقيقة أنها أكثر ما في حياتنا هشاشة. هي لا تطلب انتباهنا لأنها تعمل بإخلاص صامت، ولا نقدر قيمتها لأنها لم تخذلنا من قبل.. حتى تفعل.
ما حدث لي لم يكن مجرد حادث عرضي، بل كان كشفا لمبدأ الاتزان الهش. اكتشفت أن الأمان الذي نرتديه يوميا ليس درعا فولاذيا كما نتخيل، بل هو رداء رقيق قد يمزقه تعثر بسيط في لحظة غفلة.
ربما ليست الأزمة الحقيقية في السقوط بحد ذاته، ولا في الوجع الذي يتبعه، بل في عمى البصيرة الذي يسبقه، حين نظن أننا في أمان كامل لمجرد أن الخطر متخف بذكاء داخل ثياب المألوف.
اليوم، وأنا في مرحلة التعافي، أتأمل هذا الجسد الذي يحاول لملمة شتاته، وأدرك أن الامتنان الحقيقي لا يجب أن يؤجل للمعجزات الكبرى أو لحظات النجاة الصارخة التي تستحق الاحتفال.
الامتنان الحقيقي مكانه تلك التفاصيل الصامتة التي تمر دون أن نلاحظها؛ في كل خطوة نخطوها فتتبعها أخرى دون أن نسقط، في كل حركة تتم بسلاسة مذهلة، وفي كل يوم عادي يمر دون أن يكسر روتينه وجع مفاجئ.
الكبير في حياتنا ليس ما نصل إليه، بل تلك التفاصيل الصغيرة الصامتة التي نملكها.. ولا نراها
إن الحياة لا تقاس بالمسافات الطويلة التي نقطعها طموحا، بل بقدرتنا على تقدير قيمة الخطوة الواحدة التي نمشيها الآن بثبات. هذا العادي الذي قد يراه البعض رتيبا، هو في حقيقته أقصى أماني المتعبين، وهو أكثر الأشياء استثنائية في هذا الوجود الهش.
لنكن مدركين أن الشفاء لا يبدأ من التئام العظم، بل من التئام علاقتنا باللحظة الحاضرة. لقد علمتني هذه الرحلة أن أعتذر لتلك الخطوات التي مشيتها طويلا دون كلمة شكر، وأن أقدس العادي قبل أن يتحول بفعل غفلة إلى مفقود.
إننا لا نحتاج دائما لمعجزات كبرى لنشعر بالامتنان، بل نحتاج فقط لوعي جديد يدرك أن كل صباح يبدأ بجسد معافى، وبخطوة ثابتة على أرض صلبة، هو بحد ذاته معجزة تستحق الاحتفاء.
فالكبير في حياتنا ليس ما نصل إليه، بل تلك التفاصيل الصغيرة الصامتة التي نملكها.. ولا نراها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

