- أسطول "الصمود" إلى غزة.. صرخة من البحر وذكرى خلف القضبان
على مياه البحر الأبيض المتوسط، لا تبحر اليوم مجرد سفن عابرة. هناك ما هو أعمق من الخشب والحديد. هناك صرخة، هناك اتهام، هناك حقيقة يمقتها العالم وتغيب عمدا. إن أسطول "الصمود" العالمي المتجه إلى غزة ليس مجرد حراك رمزي، بل هو فعل عصيان مدني مطلق ضد العنف المنظومي، ضد الحصار الخانق الذي يخنق مجتمعا بأكمله منذ أعوام، ونفاق النظام الدولي الذي يستبيح الدماء على حساب المصالح.
لن نستخدم بعد اليوم عبارة "الأزمة الإنسانية" في غزة. هذه الكلمات أصبحت مخدرا أخلاقيا يحقن به الضمير العالمي كي لا يشعر بالذنب.
ما يحدث في غزة هو تدمير ممنهج للحياة: عبر الجوع، والعطش، وانعدام الدواء، والعنف اليومي. أكثر من مليوني إنسان محاصرون على بقعة أرض لا تتسع لأحلامهم، تتحول بسرعة إلى سجن مكشوف تحت إمرة عسكرية كاملة، لا تحترم طفلا ولا مريضا ولا شيخا.
إنهم يقتلون ببطء، وببطء أيضا يخمد العالم صوته. الحكومات تعلم، المنظمات الدولية ترفع التقارير، الصحفيون يوثقون، ومع ذلك لا شيء يتغير. لماذا؟ لأن القانون الدولي لم يعد قانونا، بل أداة سياسية بيد الأقوى. لأن القيم التي يرفعها الغرب انتقائية: حياة الفلسطيني لا تساوي حياة الإسرائيلي، دم الفلسطيني ليس كدم الغربي.
هذا هو الفساد الأخلاقي الذي تقوده قوى عظمى تحت شعارات حقوق الإنسان. أسطول "الصمود" يكسر هذا الزيف ويتحداه بوضوح: حين تتخلى الحكومات عن مسؤولياتها، يتحملها الناس. حين تخون السياسة الإنسانية، يخرج المدنيون ليذكروا العالم بواجبه.
الغريب أنني لم أشعر بالوحدة يوما. مئات الآلاف من البشر حول العالم تابعوا قصتنا، وقرؤوا مقالي في الجزيرة، وتفاعلوا معه بعاطفة جارفة. خرجوا إلى الشوارع في مدن كثيرة، تفاعلوا عبر وسائل التواصل
أكتب إليكم هذه الكلمات اليوم، وأنا لست على متن الأسطول هذه المرة. لكنني كنت في العام الماضي جزءا من أسطول "الصمود" السابق الذي حاول كسر الحصار. وقد اختُطفنا واعتُقلنا أنا ورفاقي على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي. كتبت آنذاك مقالا نشره موقع الجزيرة، أوضحت فيه ما رأيته بأم عيني من وحشية الاحتلال وإصرار الناشطين على كسر الحصار.
كنا نعرف المخاطر، لكن الأمل كان أكبر. أبحرنا على متن قوارب السلام متجهين إلى غزة، وكلنا ثقة بأن القانون الدولي سيحمينا، وبأن أصوات الخير ستعلو. لكن للأسف، لم نصل. في المياه الدولية -أي خارج أي ولاية قضائية إسرائيلية- اختُطفنا. هاجمتنا قوات خاصة من جيش الاحتلال، اقتادتنا تحت تهديد السلاح، ثم نقلتنا إلى سجون إسرائيل.
هناك قضينا ستة أيام قاسية في زنازين ضيقة، لا نعرف ما ينتظرنا، نشتم رائحة القمع والانتقام. كان السجانون يعاملوننا بوحشية ويصرخون في وجوهنا: "كيف تجرؤون على مساعدة غزة؟" لكن في اللحظة نفسها، كنا نعلم أن ما حدث لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل رسالة واضحة من قوات الاحتلال: "كل من يحاول مد يد العون لغزة سيدفع الثمن".
لكن الغريب أنني لم أشعر بالوحدة يوما. مئات الآلاف من البشر حول العالم تابعوا قصتنا، وقرؤوا مقالي في الجزيرة، وتفاعلوا معه بعاطفة جارفة. خرجوا إلى الشوارع في مدن كثيرة، تفاعلوا عبر وسائل التواصل، أرسلوا رسائل تضامن.
وكان ذلك الصوت المدوي -صوت الضمير الجمعي- هو ما منحنا القوة. لقد أثبت أن ضمير الإنسانية ليس ميتا بعد. شعرت ونحن خلف القضبان أن العالم كله كان معنا.
هذه هي المفارقة الأليمة. الضمير موجود لكنه مفكك، ضعيف، غير قادر على تحويل نفسه إلى قوة سياسية فاعلة. العالم يهتز تضامنا على وسائل التواصل، ولكن قاعات القرار الدولية تبقى صامتة. القادة يتحدثون عن القلق، لكن الأسلحة تستمر في الوصول، والحصار يحكم، وغزة تدفع الثمن كل يوم.
كل سفينة في هذا الأسطول لا تحمل فقط طنا من الدواء والغذاء، بل تحمل رسالة لكل إنسان على وجه الأرض: أنت جزء من هذه القضية، سواء اخترت أن تكون أو لا تكون
إن المأساة ليست في الجهل، بل في الجبن السياسي. العالم يعرف ما يحدث، لكنه لا يملك الشجاعة لمواجهة من يتحمل المسؤولية. وإلى أن تتغير هذه المعادلة، سيبقى أطفال غزة ينامون جائعين، وستبقى أمهاتهم يبكين دون دواء.
أسطول "الصمود" إذن ليس قافلة إغاثة تقليدية، إنه يتجاوز العمل الإنساني إلى الفعل الأخلاقي: إنه اتهام مباشر ضد كل من يمارس الحصار وضد كل من يتغاضى عنه.
هذه السفن تحمل غذاء ودواء، لكنها تحمل قبل ذلك سؤالا محرقا: إلى أي جانب تقف؟ إلى جانب القانون والكرامة الإنسانية، أم إلى جانب الصمت الذي يُشرعن المعاناة؟
إن من يقول "لم نعلم" فقد حان وقت ارتداء عباءة الخزي. إن من يدعي أن الوضع معقد يمارس خداعا للذات. الوضع بسيط بقسوة: ملايين البشر محرومون من أبسط حقوقهم، والعالم يراقب دون أن يتحرك.
سيكون التاريخ فظا مع الجميع. لن يقبل الأعذار. لن ينظر إلى الذرائع الدبلوماسية أو المصالح الجيوسياسية. سيسأل سؤالا واحدا فقط: ماذا فعلت عندما كانت غزة تقتل؟ وسيسجل التاريخ حقيقة ثابتة: غزة كانت محاصرة، الناس كانوا يتضورون جوعا، القنابل كانت تسقط على المدارس والمستشفيات، والعالم كان يعرف كل شيء.
صدقوني، سيبقى هذا العار ملتصقا بضمير كل من سكت، وكل دولة فضلت مصالحها على حياة البشر. أسطول "الصمود" هو ذلك الصوت الآتي من الأمواج. هو هدير البحر الذي يحاول إيقاظ النائمين. هو زئير الحق الذي لا تخفيه الرمال.
كل سفينة في هذا الأسطول لا تحمل فقط طنا من الدواء والغذاء، بل تحمل رسالة لكل إنسان على وجه الأرض: أنت جزء من هذه القضية، سواء اخترت أن تكون أو لا تكون. غزة تغرق وسط صمت مطبق. غزة تئن تحت وطأة الحصار والعدوان.
لا نطلب من أحد المعجزات. نطلب فقط أن يكف عن التفرج، أن ينضم إلى الحركة، إلى الأسطول، إلى الكلمة الحرة، أن يكتب، أن يتظاهر، أن يتبرع، أن يضغط على حكومته
غزة تنتظر من يمد يدا، من يصرخ بصوت عال، من يتحدى الإرهاب الرسمي باسم الإنسانية. أسطول "الصمود" هو تلك اليد الممدودة. هو تلك الصرخة. هو التذكير بأننا -البشر العاديين- نملك قوة لا تُقهر حين نتحد معا.
وأنا، بعد أن ذقت طعم الاختطاف والاعتقال خلف القضبان في الأسطول السابق، وكتبت عما رأيته في موقع الجزيرة ليشهد العالم، أقول لكم بكل ثقة: لا شيء يوقف إرادة الذين آمنوا بالحرية. لا السجون، ولا التهديدات، ولا حتى الرصاص.
لا نطلب من أحد المعجزات. نطلب فقط أن يكف عن التفرج، أن ينضم إلى الحركة، إلى الأسطول، إلى الكلمة الحرة، أن يكتب، أن يتظاهر، أن يتبرع، أن يضغط على حكومته. لأن القادم من البحر هذه المرة ليس مجرد أمل، إنه "الصمود" الذي يعني الثبات والتحدي والحياة رغم كل شيء.
فليسمع العالم هذه الصرخة: غزة ليست وحدها، ونحن لن نستسلم أبدا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

