في لحظة إقليمية تتسم بسيولة غير مسبوقة، شهد الشهر الماضي تصاعدا للتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واتساعا لرقعة الاشتباك من الخليج إلى العراق، وسط مؤشرات على إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.
ورغم التوقف الحالي للضربات العسكرية إثر مباحثات ومفاوضات توصف بالهشة، فإن هذا الهدوء قد يوحي بإمكانية عودة الهجمات بصورة أوسع وأشمل إذا ما بلغ الحل الدبلوماسي طريقا مسدودا.
في خضم هذا المشهد، تبرز تركيا كفاعل مركزي يعيد تعريف موقعه الإستراتيجي كقوة إقليمية تسعى إلى إدارة المخاطر وتعظيم المكاسب في آن واحد. هذا التحول لا يعكس فقط تغيرا في السلوك السياسي، بل يعبر عن قراءة تركية عميقة لمرحلة تتآكل فيها قواعد الاشتباك التقليدية.
إن أي تعزيز تركي للجاهزية العسكرية في محيطها الإقليمي يمكن أن يقرأ من قبل أطراف أخرى، بما في ذلك إسرائيل، كإشارة إلى استعداد للمواجهة، حتى لو كان الهدف الأساسي هو الردع وليس التصعيد
تركيا من الحياد النسبي إلى التموضع الإستراتيجي
على خلاف بعض القراءات التي تضع أنقرة في خانة الوساطة، تتحرك تركيا اليوم وفق منطق "الفاعل متعدد الأدوار". فهي، من جهة، تحافظ على قنوات اتصال مع إيران بحكم الجوار الجغرافي وتشابك الملفات، ومن جهة أخرى تبقى جزءا من المنظومة الأمنية الغربية عبر عضويتها في الناتو، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة.
هذا التموضع الهجين يمنح أنقرة هامش مناورة واسع النطاق، لكنه يضعها أيضا أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على توازن علاقاتها دون أن تستدرج إلى صراع مباشر؟
قراءة في سلوك أنقرة: إشكالية الأمن
لفهم التحركات التركية يمكن الاستناد إلى أحد المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، وهو "معضلة الأمن".
وفق هذا المفهوم، فإن الإجراءات التي تتخذها دولة لتعزيز أمنها، مثل تعزيز وجودها العسكري أو رفع جاهزيتها الدفاعية، قد تفسر من قبل الآخرين كتهديد، مما يدفعهم إلى اتخاذ إجراءات مماثلة، فيدخل الجميع في حلقة تصعيد.
في هذا السياق، فإن أي تعزيز تركي للجاهزية العسكرية في محيطها الإقليمي يمكن أن يقرأ من قبل أطراف أخرى، بما في ذلك إسرائيل، كإشارة إلى استعداد للمواجهة، حتى لو كان الهدف الأساسي هو الردع وليس التصعيد.
يتوقع أن تشهد الفترة الممتدة من 3 إلى 6 أشهر بعد أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران محاولات إسرائيلية لترجمة هذا النمط العقائدي إلى سلوك عملياتي تجاه تركيا
هل تختبر حدود الردع التركي؟
التصريحات المنسوبة إلى بنيامين نتنياهو تندرج، وفق العديد من القراءات، في إطار اختبار حدود الردع لدى الفاعلين الإقليميين.
هذا النوع من الخطاب لا يعني بالضرورة وجود قرار بالحرب، بل يعكس محاولة لقياس ردود الفعل، ورسم خطوط حمراء غير معلنة، وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. غير أن خطورته تكمن في اعتماده على دقة التقدير؛ إذ إن أي سوء فهم أو مبالغة في الرد قد يحول "الاختبار" إلى مواجهة فعلية.
تصريح نتنياهو قابله رد من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. ويمكن تأطير هذا الرد كإعلان استباقي للتصور التركي لمرحلة ما بعد الحرب على إيران، حيث يتجاوز مستوى الرد على استفزازات نتنياهو إلى تقديم قراءة باردة للعقيدة الإسرائيلية القائمة على "ضرورة وجود عدو وجودي" كآلية لتماسك النظام السياسي والأمني الإسرائيلي.
ويتوقع أن تشهد الفترة الممتدة من 3 إلى 6 أشهر بعد أي اتفاق لوقف إطلاق النار مع إيران محاولات إسرائيلية لترجمة هذا النمط العقائدي إلى سلوك عملياتي تجاه تركيا، خاصة في ساحات مثل سوريا والعراق.
ومن منظور نظرية التصعيد الإستراتيجي، تشير الرسالة التركية إلى وضع خط أحمر مزدوج:
- أولا: عدم السماح بنقل مركز ثقل الصراع الإقليمي من طهران إلى أنقرة.
- ثانيا: أن أي مواجهة مقبلة مع تركيا، بحكم عضويتها في الناتو وقدراتها العسكرية ونفوذها الإقليمي، ستكون مختلفة كليا عن المواجهة مع إيران.
بين الردع والتورط.. خيارات أنقرة الصعبة
تجد تركيا نفسها أمام مجموعة من السيناريوهات المعقدة:
- الاحتواء الحذر: الاستمرار في مراقبة التطورات مع رفع مستوى الجاهزية دون الانخراط المباشر.
- تعزيز الردع: إرسال رسائل واضحة بأن أي استهداف لمصالحها سيقابل برد محسوب.
- الانخراط المحدود: التدخل بشكل موضعي إذا ما تعرضت مصالحها الحيوية لتهديد مباشر.
لكن جميع هذه الخيارات محكومة بسقف واحد: تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة في بيئة إقليمية مشتعلة.
لا تبدو تركيا في طريقها إلى حرب، لكنها أيضا لا تتصرف كدولة بعيدة عن الخطر. إنها تتحرك في مساحة رمادية؛ فهي تدرك أن العقيدة العسكرية والأمنية "الإسرائيلية" تأسست على فكرة وجود عدو وافتعال الحروب
المشهد الأوسع.. تآكل قواعد الاشتباك
ما يجري اليوم لا يمكن فصله عن تحول أعمق في بنية النظام الإقليمي. فالتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، والتوترات المتزايدة مع إسرائيل، يعكسان مرحلة تتراجع فيها الضوابط غير المكتوبة التي حكمت الصراعات سابقا.
في مثل هذه البيئات، تصبح احتمالات الخطأ في التقدير أعلى، وتزداد أهمية "إدارة التصعيد" كمهارة إستراتيجية لا تقل أهمية عن القوة العسكرية نفسها.
على حافة اللايقين
لا تبدو تركيا في طريقها إلى حرب، لكنها أيضا لا تتصرف كدولة بعيدة عن الخطر. إنها تتحرك في مساحة رمادية؛ فهي تدرك أن العقيدة العسكرية والأمنية "الإسرائيلية" تأسست على فكرة وجود عدو وافتعال الحروب، وأن من دون تطبيق هذه العقيدة قد يتعرض تماسك إسرائيل للاهتزاز.
في نهاية المطاف، قد لا تحدد نوايا الفاعلين وحدها مسار الأحداث، بل الطريقة التي يفسر بها كل طرف تحركات الآخر. وهنا تحديدا تكمن خطورة المرحلة الراهنة، كما تشير أدبيات العلاقات الدولية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

