انشقاقات الدعم السريع وتفككه من الداخل

المصدر: وكالة الأنباء السودانية لقاء البرهان مع المنشق عن قوات الدعم السريع النور القبة / نقلا عن وكالة الأنباء السودانية
لقاء البرهان مع المنشق عن قوات الدعم السريع النور القبة (وكالة الأنباء السودانية)
  • انشقاقات الدعم السريع.. ماذا تعني؟

عندما تصل أنباء انشقاق قائد برتبة لواء وعشرات المقاتلين عن قوات الدعم السريع، ويستقبل هذا القائد رسميا على أعلى مستوى من رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، فاعلم أن الأمور تجاوزت حدود "الخيانة الفردية" التي تحدث في أي صراع.

هذه الانشقاقات، التي تتصاعد بشكل لافت مؤخرا، ليست مجرد حوادث عابرة أو أخطاء تكتيكية يمكن تجاوزها، بل هي نوافذ مفتوحة على خراب داخلي حقيقي في بنية أقوى مليشيا في السودان.

والأخطر من ذلك حين تلمس هذه الانشقاقات الوتر القبلي، فحينها ينهار "الدعم" من داخله انهيارا لا علاج له، لأن الولاءات الأولى هناك للقبيلة والمصالح الضيقة، لا للسلاح ولا للقضية.

البرهان يستقبل هؤلاء المنشقين على أعلى مستوى سياسي وعسكري ليؤكد للجميع أن "خيار العودة إلى الصف الوطني" موجود ومفتوح، وأن كتائب الدعم السريع آخذة في التفكك من الداخل

الوحدة للعرض فقط.. والصراع على "الكرسي" هو الأصل

لطالما صورت "الدعم السريع" نفسها للعالم كجيش متماسك، بقيادة حكيمة ورؤية موحدة تحت زعامة حميدتي. لكن انشقاق "القبة" (اللواء النور آدم) وجماعته يقول العكس تماما. السبب المعلن لهذا الانشقاق لم يكن خلافا حول عقيدة عسكرية أو مبادئ وطنية، بل كان أمرا شخصيا بحتا: تم تجاوز هذا القائد في منصب الحاكم العسكري لشمال دارفور. هذا ليس خلافا إستراتيجيا، بل صراعا مكشوفا على المناصب والغنائم.

ما يحدث يثبت بشكل قاطع أن الولاء داخل هذه القوات ليس للكيان أو للقضية التي يقاتلون من أجلها، بل للقبيلة والمصالح الشخصية أولا وأخيرا. وهذا النوع من التصدع في القيادات العليا شديد العدوى، وقد نشهد قريبا المزيد من الانشقاقات التي تمزق النسيج الهش أصلا للمليشيا.

الجيش يتنفس سياسيا ومعنويا من هذا الفراغ

من الناحية النفسية، يعيش الجيش السوداني حالة معنوية عالية على وقع هذه الانشقاقات، ليس فقط بسبب الكسب المادي المتمثل في العتاد والمقاتلين، بل والأهم لأن صورة "الدعم السريع التي لا تقهر" بدأت تهتز بشكل خطير.

إعلان

في علم الحرب النفسية، كل قائد كبير ينشق عن خصمك هو بمثابة رسالة مدوية للبقية داخل صفوف العدو مفادها: "السفينة تغرق، فمن يريد النجاة فليلحق بالشاطئ قبل فوات الأوان".

البرهان يستقبل هؤلاء المنشقين على أعلى مستوى سياسي وعسكري ليؤكد للجميع أن "خيار العودة إلى الصف الوطني" موجود ومفتوح، وأن كتائب الدعم السريع آخذة في التفكك من الداخل. هذا المكسب الدعائي والنفسي لا يقل أهمية على الإطلاق عن أي معركة ميدانية، بل قد يكون مفتاحا لانتصارات أكبر في المستقبل.

خسائر ليست معنوية فقط.. عتاد وخبرات تذهب للجيش

لنكن عمليين وواقعيين: عندما ينشق لواء ويصحبه "عشرات المقاتلين بمعداتهم الكاملة وأسلحتهم"، فهذا يعني أن الدعم السريع يخسر أرواحا وذخائر وعتادا في نفس اللحظة التي يقوي فيها الجيش السوداني صفوفه.

في حرب استنزاف طويلة مثل حرب السودان الحالية، كل رشاش وكل قذيفة وكل خبير ميداني يغادر صفوفك إلى صفوف العدو هو بمثابة ضربة موجعة لسلسلة القيادة واللوجيستيات. لا يمكن تعويض هذه الخسائر بسهولة، خاصة مع استمرار تدفق المنشقين يوما بعد يوم.

السؤال الأعمق الذي يقلقني بشدة كسوداني: من يجمع الشتات ويعيد اللحمة بعد كل هذه الانشقاقات والتصدعات والدماء التي سالت؟

ماذا عن "راعي الدعم السريع" في الخارج؟

هنا يبرز سؤال محرج للغاية يقلق حلفاء حميدتي الإقليميين والدوليين ومن يقفون خلفهم: كيف يمكنكم تسويق ودعم كيان عسكري يظهر يوميا أنه هش وواهن من الداخل إلى هذا الحد؟

الانشقاقات المستمرة والعلنية ترسم صورة قاتمة لـ"فريق خاسر لا محالة" في المحافل الدولية، وهذا يهدد بشكل مباشر استمرارية الدعم الإقليمي والدولي؛ لأن العاقل لا يراهن أبدا على حصان يهرول بسرعة نحو الهاوية، ولا يضع أمواله السياسية والعسكرية في مشروع ينهار قبل أن يبدأ.

من حرب طرفين إلى حرب "جميع ضد جميع"

ما أراه بوضوح شديد هو أن طبيعة الصراع في السودان تحولت جذريا. لم يعد الأمر مجرد جيش نظامي يقاتل قوات الدعم السريع، بل أصبحنا أمام معركة ثلاثية الأبعاد خطيرة:

الجيش ضد الدعم السريع، والدعم السريع ضد نفسها (صراع قيادات ومناطق ونفوذ)، ومناطق سودانية ضد مناطق أخرى. هذا التفكك الداخلي المتسارع في بنية الدعم السريع قد يؤدي- وقد لا يؤدي أيضا- إلى اقتراب نصر سريع للجيش.

رؤية الجيش في "سحق" الدعم السريع عسكريا، في حال تعثرها، قد تؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتعقيدها بشكل كبير، وتزيد من احتمالية انزلاق السودان نحو سيناريو التقسيم الدائم، والشرخ الوطني الذي لا يجبر.

والسؤال الأعمق الذي يقلقني بشدة كسوداني: من يجمع الشتات ويعيد اللحمة بعد كل هذه الانشقاقات والتصدعات والدماء التي سالت؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان