في معادلات الحروب الحديثة، لم يعد الموت مجرد نتيجة جانبية للعمليات العسكرية أو خطأ في الحسابات الميدانية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى "أداة تصفية" تستهدف الشهود قبل المقاتلين.
تأتي حكاية الصحفية اللبنانية آمال خليل، التي استُهدفت في عمق الجنوب اللبناني، لتعيد إلى الواجهة ذلك التساؤل الملحّ والقلق: هل بقيت للكلمة حصانة في زمن الانتهاكات الصارخة؟ ولماذا يبدو القانون الدولي، بكل ترسانته، عاجزا عن حماية سترة كُتب عليها "صحافة" بوضوح؟
لم تكن آمال خليل تمارس المهنة من خلف المكاتب المكيفة أو عبر شاشات المراقبة عن بُعد، بل كانت ابنة الميدان بامتياز، ورائدة فيما يمكن تسميته بـ"صحافة الالتزام بالقرب".
حين يغيب الصحفي، تُغتال الحقيقة مرتين: مرة بالقصف المباشر، ومرة بالصمت الذي يفرضه غياب الشاهد الموثوق
كانت تعيش تفاصيل الجغرافيا التي تغطيها، وتعرف الوجوه والأسماء والحكايات المختبئة خلف الأرقام الجافة للنزوح والدمار. هذا الانغماس المهني جعل من تقاريرها "وثائق إنسانية" نابضة، تتجاوز الخبر العاجل لتنقل نبض المعاناة اليومية في القرى الحدودية.
بالنسبة إلى آمال، لم يكن الخبر مجرد مادة للنشر، بل كان أمانة أخلاقية تجاه أناس وثقوا بها لتروي حكايتهم، وهذا تحديدا ما منح حضورها ثقلا أزعج من يريد للضحايا أن يبقوا مجرد ضجيج بلا هوية.
إن استهداف الصحفيين في مناطق النزاع، كما تجلى في هذه الواقعة، يمثل خرقا صريحا للمادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف، التي تمنح الصحفيين صفة المدنيين وتوجب حمايتهم.
ومع ذلك، يكشف التكرار الممنهج لهذه الحوادث عن إستراتيجية متعمدة تهدف إلى إحداث "فراغ معلوماتي" مريب. فالصحفي هنا لا يُستهدف كشخص أو كعدو عسكري، بل يُستهدف كـ"زاوية نظر" وكعين توثق ما لا يريد الخصم أن يراه العالم.
حين يغيب الصحفي، تُغتال الحقيقة مرتين: مرة بالقصف المباشر، ومرة بالصمت الذي يفرضه غياب الشاهد الموثوق.
المفارقة القاسية في هذه القضية تكمن في أن "الأثر" الذي تركه العمل الميداني لآمال خليل هو ذاته الذي وضعها في دائرة الخطر. فالصدق في نقل التفاصيل الصغيرة -خوف الأطفال في الملاجئ، وانتظار المزارعين لمواسم لا تأتي، وصمود الناس في وجه الآلة العسكرية- حوّل المهنة من مجرد نقل للمعلومات إلى "موقف" سياسي وأخلاقي بامتياز.
وفي بيئة تحكمها فوضى القوة، يصبح الاقتراب من الحقيقة وتسمية الأشياء بمسمياتها نوعا من المغامرة الوجودية الكبرى.
ومع استمرار هذه الانتهاكات دون رادع دولي حقيقي أو آليات محاسبة قانونية تتجاوز لغة "الإدانة والقلق"، يبرز خطر داهم يتمثل في "الرقابة الذاتية" التي قد تتسلل إلى الوسط الصحفي بفعل الترهيب.
إن الثمن الباهظ الذي تدفعه الصحافة اليوم يجب أن يتحول إلى قوة دافعة لإعادة الاعتبار لقدسية المهنة
بيد أن رمزية آمال خليل، وغيرها من شهداء الكلمة في لبنان وفلسطين وفي كل بقعة ملتهبة، تضع المؤسسات الإعلامية والحقوقية اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل.
الأمر لم يعد يتعلق ببيانات النعي أو مراسم التكريم، بل بضرورة انتزاع ضمانات ميدانية تجعل من استهداف الصحفي جريمة لا تمر دون عقاب دولي رادع.
رحلت آمال خليل، لكن الأثر الذي تركته في وجدان القراء وفي أرشيف الحقيقة يؤكد أن الكلمة الصادقة لا تموت بموت صاحبها.
إن الثمن الباهظ الذي تدفعه الصحافة اليوم يجب أن يتحول إلى قوة دافعة لإعادة الاعتبار لقدسية المهنة.
فالذاكرة الإنسانية لم تعد تحتمل مزيدا من الأسماء التي كان يُفترض أن تبقى لتروي فصول الحياة، لا أن تتحول هي نفسها إلى "خبر حزين" نرويه بمرارة.
إن غياب آمال هو تذكير لنا جميعا بأن معركة الحقيقة مستمرة، وأن ثمن نقلها قد يكون، للأسف، أغلى مما نتخيل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

