تظل كثير من النصوص والعبارات عصية على النسيان، وإذا امتزج النص الراقي بالمشاهد، كان أثره أكبر، وحفظته الذاكرة، وأقصد هنا بعض نصوص الدراما التاريخية، التي شكلت بدقتها ولغتها جسرا عبره الإنسان العربي نحو قضاياه التاريخية، وقدمت نماذج تجسد الشغف الفطري بالحكاية، وتعلقنا بقصص الأبطال.
فكانت هذه الأعمال محطات استثنائية قل نظيرها على الرغم من مرور أكثر من عقدين على بعضها.
وأجد أن وجه العبقرية في هذا هو قدرة الكاتب على خطاب الواقع بلسان الماضي، ومعالجة القضايا الإشكالية، في قالب درامي ولغة عالية، فهذا استنطاق للتاريخ، وتجسيد له في زمن لم نعشه.
وإني هنا أتقصى في هذا النص ملامح من ألمعية وليد سيف وعبقريته، وتلك التحف الفنية التي قدمها رفقة الراحل حاتم علي، والتي تعود إلينا عبر الروايات، وآخرها الجزء الأخير من ثلاثية الأندلس، الذي لم يبصر النور دراميا بعد، ولكنه خرج بين دفتي رواية حافلة منذ أشهر قليلة.
من ملامح عبقرية وليد سيف، في معالجة الشخصيات التاريخية في السياق الدرامي، ابتعاده عن حالة التمجيد، التي تكتنف كتابات بعض المهتمين بالتاريخ، أو ما يتصل بالدراما وخاصة غير العربية، والتي انتشرت بين شبابنا بكثرة في الأعوام الماضية
قلم أديب وعين مؤرخ
كتب وليد سيف أعماله بقلم أديب بليغ، وهو قلم بهي متمكن، له ألق مخضب بالتجربة، ولكن قلمه لا يستبد به، إذ يحافظ على الدقة التاريخية، ويكتب مادته بعين مؤرخ فذ، ينتقي الأحداث بموضوعية متناهية، ويستعرض العصر بإحاطة لافتة، ويقدم الأحداث المرتبطة بالشخصية المركزية.
فتجد في المسلسل طبائع الناس في ذلك العصر، وملامح من حياتهم وتقلباتها، ولذلك يقدم سيف في مسلسلاته -والروايات لاحقا- ما يلزم من توطئة ضرورية.
ومع ما لدى سيف من هذه الرصانة في الكتابة التاريخية، لا يستغرق في التاريخ فقط، بل يسجل على لسان الشخصيات أقوالا وحكما، تسترعي الانتباه، وتظن للوهلة الأولى أنها مما نقله أهل السير.
فانظر إلى هذه المقولة على لسان الخليفة الأموي الناصر، في مناقشة لجوء أحد ملوك الفرنجة إليه، وقد أطيح به من قومه، وقد طلبت جدته الملكة مساعدة الناصر لاستعادة ملك حفيدها، وفي نهاية النقاش يقول الناصر: "هذه مناسبة نلزمها فيها التواضع والخضوع، ونعلم ملوك ليون وقشتالة ونبارة، أن قرطبة هي المبتدأ، وهي المنتهى، لمن طلب غاية العلم، وشوكة السيف سواء..".
وإلى تلك العبارة على لسان الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك: "وهؤلاء قوم دمهم أقوى من سيوفنا، ولهم منازل في قلوب الناس، كمنازل الدين فيها، قتيلهم أقوى من قاتلهم، ولا آخذ بالظنة حتى آخذ الدليل، وها نحن إذن، ما بين عدو ظاهر في أقصى المغرب، وعدو مستتر -إذا صح الخبر- في أقصى المشرق".
أما بدر الذي يخرج من قرطبة قاصدا أطراف الثغور بعد أن ناله من جفوة السلطان وتقلب الداخل عليه: "قرطبة المغوية، التي تضيء وتحرق، ملتقى الأضداد ومفترق الأحباب، ومجمع الجنة والجحيم، مثوى التائه الطريد، وطاردة المطمئن المقيم. قرطبة أول الزمان وآخره.. المبتدأ والمنتهى".
أما عن حوارات عمرو مع المنصور بن أبي عامر، فهي الغاية في تصوير تلك العلاقة الشائكة بين الشاب الطموح نحو العدل، وذلك الرجل المستبد، فقال له من كلامه القديم: "اعلم أن الحزم سياج العدل وقسيم الرحمة في سياسة الملك، ولكني أخشى أن يصير البطش سنة لك.. حتى تجعل رأيك والدولة واحدا لا يخالف أحد رأيك إلا خالف أمر الدولة، والأصل أن تختلف الآراء".
لا شك أن المتابع الدقيق لمجمل أعمال سيف الدرامية يندهش من دقته التاريخية، وأعني هنا في هذه النقطة، توظيفه لما ورد في التاريخ من نصوص وعبارات في سياق درامي محكم
الأبطال تجسيد الإنسان الحقيقي
من ملامح عبقرية وليد سيف، في معالجة الشخصيات التاريخية في السياق الدرامي، ابتعاده عن حالة التمجيد، التي تكتنف كتابات بعض المهتمين بالتاريخ، أو ما يتصل بالدراما وخاصة غير العربية، والتي انتشرت بين شبابنا بكثرة في الأعوام الماضية.
فبطل العمل عند سيف يقدم بصورة إنسانية خالصة، يمر بالضعف ومن ثم القوة، يرتكب من الأخطاء ما يدفعك إلى كرهه، ويقوم من الأفعال العظيمة بما يشدك لحبه، وتتقلب في طيات هذه الرحلة بين مشاعر متناقضة، تتعجب وتعجب من تلك الهمة العالية، التي قادت البطل إلى ما هو عليه، والرحلة الاستثنائية التي خاضها من درك الفقر والعوز، كما في المنصور بن أبي عامر الذي خرج من الفقر إلى السلطان، أو صقر قريش الذي كانت أيادي الملاحقة والقتل تترصده في رحلته، وانتقاله إلى مرابع الملك، ودوائر صنع القرار، والتحكم بمصائر الناس وغيرها مما تكتنفه هذه القصص.
ترى نفسك خلال مشاهدة هذه القصص المصورة وأنت تتقلب مع الأبطال مع تقلب أحوالهم، تناقشهم في قراراتهم، وتريد أن تحاسب الظالم منهم عما صدر منه من تعسف وظلم، وتذكر الآخر بالمبادئ العالية التي كان يحملها، ومن ثم تقرعه على النكوص الكبير، بعد أن انضم إلى ركب المستبدين.
فتنتهي من مشاهدة المسلسل، ولا تدري ما موقفك الصريح من البطل، فتارة أنت معه، وطورا تقرعه، بل وتلعنه.. وبينهما تبكي على الأندلس تمزقها مع استبداد أبي عامر، وتحزن على ما جرى للمعتمد بن عباد ومصيره في أغمات، وتتحسر على وحدة عبد الرحمن الداخل.
التماسك التاريخي والمنطقي
ولا شك أن المتابع الدقيق لمجمل أعمال سيف الدرامية يندهش من دقته التاريخية، وأعني هنا في هذه النقطة، توظيفه لما ورد في التاريخ من نصوص وعبارات في سياق درامي محكم.
وربما من أوضح هذه الأمثلة مسلسل "عمر"، فبطبيعة الحال يعالج المسلسل حقبة تاريخية تتضمن تفاصيل كثيرة، ابتداء من سيرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وما تلاها من حكم الخليفة الراشد أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وصولا إلى عهد عمر، رضي الله عنه.
وفي كثير من المحطات كان سيف يأتي بالعبارة المنقولة في سياقها بالضبط، ويستكملها بلغة تلك المرحلة. ويُضاف إلى ذلك اختيارات حاتم علي الدقيقة، ما جعل مشاهدة المسلسل متعة بصرية، تستعذب سماع حواراته، لما فيها من لغة عالية وذائقة رفيعة.
يشكل بدر تلك الشخصية التي ارتضت أن تبقى في أقصى المملكة، ولا يعود مع عبد الرحمن الداخل وقد شاخ، في نهاية لا يمكن نسيانها
الحبكة الدرامية لا تزاحم الحقائق
لا ريب أن المسلسل التاريخي ليس وثيقة تاريخية، ولن يكون، ولا يجوز أن يمرر المسلسل أكاذيب فاضحة، أو يجتزأ بعض الحقيقة لأهداف يريدها صناع العمل، وما يتصل بإضافة أحداث وشخصيات لا تمت إلى التاريخ بصلة، ولم تحصل في ذلك الزمن.
وهو -بكل أسف- يقع فيه العديد من الكتاب، من خلال قراءة مختزلة أو متطرفة، وما يتصل بذلك من بناء خطوط درامية لا تليق، وأحيانا تناقض روح تلك الحقبة التاريخية، والسائد فيها من أفكار واعتبارات.
ومن أجمل الأمثلة التي تدلل على إبداع سيف هو الخط الذي وضعه لخادم عبد الرحمن الداخل "بدر"، فما ورد عنه في التاريخ قليل جدا، مع وجود ملامح عن أهمية الشخصية، وأنه الذي مهد للداخل وصوله إلى الأندلس.
فبنى سيف من هذه المعلومة، تلك الخطوط الجميلة في السرد، والتي أظهرت جزءا أساسيا من التغييرات التي طرأت على شخصية الداخل، وتلك المفارقة في النهاية بين الرفيقين البطلين، وابتعاد بدر في نهاية المطاف عن رفيق رحلته.
وكأن هذه الرحلة التي بدأت في الشام، وانتهت في أطراف الأندلس، صورة مصغرة للعلاقة الشائكة بين الحاكم والمحكوم، وما في هذه العلاقة من تشابكات كثيرة معقدة تتداخل فيها القوة والضعف، والصحبة والسلطان، مع اعتبارات الزمن الماضي، وحاضر استبد بكل أمر، مؤكدا في كل مرة أن "الملك عقيم".
فيشكل بدر تلك الشخصية التي ارتضت أن تبقى في أقصى المملكة، ولا يعود مع عبد الرحمن الداخل وقد شاخ، في نهاية لا يمكن نسيانها.
الماضي مرآة الحاضر
لقد كتب سيف هذه المسلسلات، ومن ثم الروايات، بلسان المرحلة التاريخية الخاصة بكل منها، ولكنه استطاع أن يرسل الرسائل المتتالية، حول الضعف والقوة، والاستبداد، والانقلاب، ومفهوم الدولة وأدوارها، والعلاقة مع القبيلة، وأحاديث الرحمة والشورى والسلطان، والحوارات العميقة حول الإيمان والقدرة والتطلع إلى الأمام، عن الأحلام الكبيرة التي تحققت، وتلك التي أجهضت، ومنها إلى المال والمصائر الكبرى، والعلاقة بين الحق والحقيقة، وأثر تتابع الزمن على تغير الطبائع، عن الصداقة والمصالح.
وفي كل حوار لفتات عبقرية، تلمس شيئا بداخلك، وإسقاطات على واقع ربما لم يختلف كثيرا عن ذلك الزمن، ففي بعض الحقب الماضية كان التسلط من الداخل، فنحن نعاني التسلط مزدوجا، من الداخل المتجبر، ومن العدو المتغلب.
وتظل هذه العبارة التي قيلت في مسلسل عمر حاضرة: "عبد ورأي أعظم خطرا من عبد وحربة".
إن أدق وصف لهذا التماهي ما بين "الأديب/المؤرخ" مع الشخصيات التي يكتب عنها، ما حكاه سيف عن نفسه في كتابه "الشاهد المشهود"، الذي يقول: "غزوت إذ غزا أمير الصعاليك عروة بن الورد، وبكيت إذ بكت الخنساء أخاها صخرا وأعقبني البكاء فرجا
المرء ينطق عن وطائه
من العبارات التي وردت في مسلسل "ربيع قرطبة"، وكأن تغير الوطاء ينبئ عن تغيرات أكثر وأكبر، وقد أترع وطاء سيف حبا لهذه اللغة، وانتماء إلى هذا الفضاء الحضاري العربي والإسلامي، وهو ما يتجلى في ملامح كثيرة أخرى.
وأحب أن أختم مقالتي بجملة من العناوين الفرعية، التي تستحق المزيد من التفصيل والبيان:
- اللغة: بطل خفي في النص: لا تقف لغة وليد سيف عند حدود الوصف أو الحوار، بل تتحول إلى بطل خفي داخل النص. وهذا ما يفسّر بقاء كثير من مقولاته في ذاكرة المشاهد، حتى بعد مرور سنوات طويلة.
- الفلسفة في ثوب درامي: إلى جانب السرد التاريخي، نجد عند سيف طرحا فلسفيا عميقا: العلاقة بين العدل والاستبداد، حدود الشرعية السياسية، المصائر الإنسانية، والأسئلة الكبرى.
- إحياء الشخصيات الهامشية: من إبداعاته أنه لم يكتفِ بتجسيد القادة العظام، بل التفت إلى الشخصيات الثانوية أو الهامشية، ليمنحها حياة وعمقا دراميا غير مسبوق.
- النهايات دروس مستمرة: النهايات في المسلسلات/الروايات ليست مجرد إغلاق للأحداث، بل رسائل بليغة.
وفي الختام، إن أدق وصف لهذا التماهي ما بين "الأديب/المؤرخ" مع الشخصيات التي يكتب عنها، ما حكاه سيف عن نفسه في كتابه "الشاهد المشهود"، الذي يقول: "غزوت إذ غزا أمير الصعاليك عروة بن الورد، وبكيت إذ بكت الخنساء أخاها صخرا وأعقبني البكاء فرجا، وصعدت مع شجر الدر إذ صعدت ولم أهبط معها إذ هبطت، وصحبت صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس فنلت حظا من مغانم نصره في حياتي الشخصية، وقطفت في ربيع قرطبة بعض ما قطف المنصور بن أبي عامر دون أن أبيع روحي لشيطان السلطة الغوية، وخرجت من عصر الطوائف بخير مما خرج به المعتمد بن عباد إلى منفاه البئيس في أغمات! بل تقلب مصيري مع تقلب مصائر هؤلاء وغيرهم".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

