على أرض مشى فوقها النبيون مشينا، وتتبعنا في أنحائها آثارهم وخطاهم، وعرفنا أماكن لامست فيها كلمة السماء أديم الأرض.
دعوة للتأمل
أنبأتنا كلمة السماء عن ذاتنا، وكشفت لنا الهوية، متجلية في قول ربنا جل شأنه مخاطبا ملائكته: {إني جاعل في الأرض خليفة} [سورة البقرة: 30]؛ فعرفنا أن الإنسان هو الخليفة الذي أسجد الله له الملائكة، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، ثم ترك له أن يسير في الأرض ويعمرها، وأثبت للبشر دستور علاقات نصه: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [سورة الحجرات: 13].
وللإنسان على وجه هذه الأرض أيام سيقضيها، وأمامه حقائق يتدبرها، وله سعي يسعاه، وهو إما أن يكون متأملا في الخلق ليهتدي إلى الخالق، أو معرضا غافلا مغرورا، وكل سيرى الله عمله، وما هو صانع في الذي استخلفه فيه.
بين المحيط والخليج سارت خطانا، فقرأنا على صفحة الصحارى الممتدة دعوة للتأمل في أحداث كانت، لنتدبر معنى وجودنا، ولنتبصر مآلاتنا في مآلات من سبق، فإنما نحن خلف لسلف مضوا، وصح فيهم كما سيصح فينا قول قس بن ساعدة:
"من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت".
فليس للإنسان على هذه الأرض خلود، وإنما هو أثر يتركه، وتحكيه الأرض من بعده.
وكم تتابع على هذه الأرض من أقوام! وكم حملت لهم من آثار! وكم صار لديها من حكايات وأحاديث!
الأرض تشهد كم جوبهت الدعوة إلى خير الحياة الأبقى بتشبث أرعن بمتاع دنيوي زائل، فذهب المتاع وذهب المتشبثون به، إذ جاءهم الموت فحال بينهم وبين ما يشتهون
صراع الحق والباطل
على وجه هذه الأرض مشى نبي الله إبراهيم، فترك طيبا ما زالت تعبق به الأيام وستبقى، وحسب إبراهيم أن يسميه ربه أمة، وأن يجعله للناس إماما؛ فقد آمن إذ كان الناس كلهم على الكفر، ومال عن الأديان الباطلة كلها إلى دين الله الحق، وكان جامعا لخصال الخير في نفسه، ومعلما للخير يأتم به أهل الدنيا، مداوما لطاعة ربه.
وقد تجلت في مسيرة حياته روعة التسليم لله، وروعة الثقة بالله واليقين بما عنده، وقد اتبع ملة إبراهيم أناس فأفلحوا، وأعرض آخرون فهلكوا وخابوا.
والأرض تشهد كم جوبهت الدعوة إلى خير الحياة الأبقى بتشبث أرعن بمتاع دنيوي زائل، فذهب المتاع وذهب المتشبثون به، إذ جاءهم الموت فحال بينهم وبين ما يشتهون، والنفس إذ ذاك ملؤها حسرة على ما فرطت في جنب الله، ومناها أن تكون لها كرّة فتعود إلى الدنيا، وتعمل غير الذي كانت تعمل.
والأرض تشهد كم غرت الإنسان أوهام خادعة، ما كانت إلا سرابا؛ فلقد غر فرعون ملكه، فاستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق، وجعل نفسه للناس إلها، وأعرض عن آيات ربه، فكان المصير: {فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} [سورة القصص: 40].
وغر قارون ماله وكنوزه، ونسب إلى علمه ما صار إليه من غنى، فكانت العاقبة: {فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين} [سورة القصص: 81].
وغر قوم عاد بطشهم وقوتهم، واستكبروا في الأرض، فكان الرد من الله: {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون} [سورة فصلت: 16].
وعلى مر العصور تتابعت رسالات السماء، فأبى أكثر الناس إلا كفورا، وتوالى صراع الحق والباطل، فأهل الباطل أغرتهم كثرتهم، فإذا ما جدّ الجد خذلتهم، وأهل الحق ثبتهم يقينهم، فصار عندهم طاقة تفعل المعجزات.
رسخ المسلمون في أنفسهم حقيقة العبودية لله، فصيرهم الله سادة الدنيا، وقد ملؤوها عدلا ورحمة، وعلى أيديهم عرف العالم حضارة ارتقت بالإنسان؛ روحه وأخلاقه وعلمه، إلى مراتب سامية
هذه أمتنا
وفي مسيرة الزمان تغير وجهه بحدث أورقت به بطحاء مكة، وأُلقي فيه اسم محمد بن عبد الله؛ وبمحمد، صلى الله عليه وسلم، ختم الله رسالاته للبشر.
وفي سيرة هذا النبي الرسول تلاقٍ مع سير السابقين من الرسل؛ فقد أوذي مثلهم وعودي، وحوربت رسالته لكيلا ترى النور، ولكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
بشّر هذا النبي الكريم أصحابه، وهم يعيشون في أحلك ظروفهم، بأن فارس والشام واليمن ستفتح عليهم، وما كانوا إلا موقنين بأن هذا سيحصل؛ فإنه لا ينطق عن الهوى، وإنما بوحي السماء، ولم تمض على ذلك إلا سنوات معدودة حتى تحقق الذي بُشِّروا به.
انطلقت فتوح المسلمين شرقا وغربا لتخرج الناس -كما قال ربعي بن عامر- من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
ورسخ المسلمون في أنفسهم حقيقة العبودية لله، فصيرهم الله سادة الدنيا، وقد ملؤوها عدلا ورحمة، وعلى أيديهم عرف العالم حضارة ارتقت بالإنسان؛ روحه وأخلاقه وعلمه، إلى مراتب سامية.
وعندما مالت النفوس إلى زخرف الدنيا، وحادت عن جادة الصواب، أصاب الأمة ضعف ووهن.
تكررت كبواتها، وتكررت نهضاتها من الكبوات… وفي كبواتها نتأ فيها -كابن العلقمي- متخاذلون وخونة، كانوا في ظهرها خنجرا مسموما، لكن الله كان يقيّض لها رجالا مثل نور الدين زنكي، يعيدون بناء الإنسان، لتعود من جديد نهضة الأوطان؛ فبقي المتخاذلون سُبة للأرض والتاريخ، وصار الشامخون منارات تلهم الأجيال معنى العودة للحياة.
لقد اعترى أمتنا قوة وضعف، وصحة وسقم، لكنها كانت أبدا لا تموت.
نصل إلى القدس فنلمس جرحها الذي يستنهض فينا نخوة صلاح الدين يوسف، وسيف الدين قطز، ويقينه أن الأمة ولادة، ولن تعدم من يأتي من جديد ليرفع عن القدس دنس الغاصبين وكيد المعتدين
وتبقى لنا الرسالة
وعلى هذه الأرض تتواصل خطانا، فنقف أمام النخل ليعرّفنا معنى الشموخ، ونختبر عند الجبال الراسيات حقيقة الثبات، وننهل معاني الطهر من زيتونة يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.
ولأن الأرض تعرف رجالاتها، فإننا إذا وقفنا على حدود البلاد عند الثغور حدثتنا عن جيوش الفتح التي انطلقت تنشر نور هدى السماء في أصقاع المعمورة، وإذا عدنا إلى رمال برقة سمعناها تردد قول عمر المختار للمحتل الغريب:
"نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت".
ونصل إلى القدس فنلمس جرحها الذي يستنهض فينا نخوة صلاح الدين يوسف، وسيف الدين قطز، ويقينه أن الأمة ولادة، ولن تعدم من يأتي من جديد ليرفع عن القدس دنس الغاصبين وكيد المعتدين.
وفي دروب هذه الأرض نمشي ونمشي، فتتضافر من حولنا النداءات؛ نداء الأرض صدى لنداء السماء، ونداء من التاريخ يتجاوب معه نداء يخرج من أعماق ذواتنا، وكل ذلك يقول لكل منا: خُلقت مكرما فلا تذل لذليل، وأريد لك أن تكون عظيم الشأن فلا ترضَ بما هو دون، وإن أمامك صراطا مستقيما فلا تحد عنه، ولك في الحياة مهمة فلتقم بها خير قيام.
إنها الأرض، وقد أتيناها ضيوفا لنعيش فيها حياتنا الدنيا؛ فنترك فيها بصمتنا ثم نمضي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

