إسرائيل.. عائق بنيوي في جيوبوليتيك الشرق الأوسط

نتنياهو صورة من حسابه على X
مشروع نتنياهو التوراتي.. إسرائيل الكبرى على أراضي 8 دول عربية (مواقع التواصل)

لم ترسم خرائط الشرق الأوسط في مطلع القرن العشرين بخطوط الحبر، بل بشقوق زلزالية صممت بعناية فائقة لتظل نشطة إلى الأبد.

وحين نُظر إلى هذه الجغرافيا المعقدة من شرفات العواصم الاستعمارية، لم تكن الفكرة مجرد تقسيم تركة إمبراطورية عثمانية متهاوية، بل كانت تتطلب هندسة مانع بنيوي يضمن عدم التحام هذه المنطقة الحيوية من العالم مرة أخرى.

من هنا، لم تكن نشأة إسرائيل مجرد استجابة لمظلومية تاريخية، أو تحقيقا لوعد ديني كما تسوق السرديات الكبرى، بل كانت في جوهرها مشروعا وظيفيا، وأداة جيوسياسية زرعت في قلب المنطقة لتعمل كعامل اضطراب دائم، يضبط إيقاع الشرق الأوسط وفق مصالح القوى الكبرى.

استزراع قسري ورفض عضوي

لفهم هذا الاضطراب البنيوي، يجب العودة إلى جذور الفكرة.. لم تنشأ إسرائيل كتطور طبيعي ديمغرافي أو ثقافي تفاعل مع محيطه عبر قرون، بل كـ"كيان مزروع" جاء من خارج السياق التاريخي والجغرافي للمنطقة، محمولا على حراب الانتداب البريطاني، ومحاطا لاحقا بالرعاية الأمريكية المطلقة.

هذا الاستزراع القسري خلق حالة من الرفض العضوي، تماما كما يرفض الجسد البشري أي عضو غريب لا يتطابق مع أنسجته. ومنذ ما قبل عام 1948، ومع توافد موجات الاستيطان وتأسيس البنى التحتية الموازية، بدأت ملامح الاختلال تتضح؛ فالمشروع لم يكن يهدف إلى المجاورة، بل إلى الإحلال، وهو ما جعل الصدام حتميا ووجوديا.

الحديث عن "التعايش المشترك" أقرب إلى الأمنيات الرومانسية منه إلى التحليل السياسي الرصين؛ فالتعايش يتطلب تكافؤا، أو على الأقل قبولا بحدود الدور والجغرافيا، لكن البنية الأيديولوجية والجيوسياسية لإسرائيل ترفض هذا التكافؤ

عقيدة التفتيت الإقليمي

المحطات التاريخية التي تلت ذلك لم تكن سوى تجليات لهذا الخلل البنيوي؛ فحرب 1948 لم تكن مجرد صراع على أراض، بل كانت صدمة أخرجت الإقليم من مساره الطبيعي نحو التطور السياسي والاجتماعي، وأدخلته في حالة استنفار عسكري مزمن.

إعلان

ثم جاءت حرب 1967 لتكرس إسرائيل كقوة هيمنة إقليمية، كاسرة ظهر المشاريع القومية العربية، ومؤسسة لعقيدة أمنية إسرائيلية تقوم على مبدأ بسيط لكنه مدمر: "أمن إسرائيل يتناسب طرديا مع ضعف وتفتت جيرانها".

هذه العقيدة، التي تجسدت في اجتياحات لبنان المتكررة، وضرب المفاعلات في العراق وسوريا، والتدخل المستمر في استقرار الدول المحيطة، حولت الكيان من دولة تبحث عن الاعتراف إلى "شرطي إقليمي" يمتلك تفويضا غربيا مفتوحا بالاستباق والردع المفرط.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن "التعايش المشترك" أقرب إلى الأمنيات الرومانسية منه إلى التحليل السياسي الرصين؛ فالتعايش يتطلب تكافؤا، أو على الأقل قبولا بحدود الدور والجغرافيا، لكن البنية الأيديولوجية والجيوسياسية لإسرائيل ترفض هذا التكافؤ.

إن دولة تعرف نفسها بقوة الردع الخشن، وتعتمد في بقائها على التفوق العسكري النوعي المضمون غربيا، وعلى سياسة "فرق تسد" (كما رأينا في تحالفات الأطراف أو إستراتيجية شد الأطراف)، لا يمكنها أن تندمج عضويا في محيطها.

فالاندماج يعني التخلي عن الوظيفة الاستثنائية التي منحتها مبرر الوجود والدعم الغربي، والتعايش يعني التنازل عن نزعة التوسع والهيمنة، وهو ما يتناقض مع طبيعتها التكوينية.

إسرائيل ليست مجرد دولة جارة ذات طموحات حدودية، بل هي الصدع الجيوسياسي الذي صنع ليمنع القارة العربية والإسلامية من التئامها

حارس المصالح الغربية

هنا يتجلى دور القوى الكبرى التي تعيد إنتاج النمط التاريخي نفسه؛ فالغرب لم يدعم إسرائيل يوما كجمعية خيرية، بل كقاعدة متقدمة وحاملة طائرات ثابتة، تضمن تدفق الموارد، وتحرس الممرات المائية، وتمنع تشكل أي قوة إقليمية مستقلة قادرة على فرض شروطها في النظام الدولي.

وكلما لاحت في الأفق فرصة لترتيب أوراق المنطقة، أو صياغة نظام أمني إقليمي ذاتي، يُفعَّل "عامل الاضطراب" الإسرائيلي لخلط الأوراق وإعادة المنطقة إلى مربع الاستنزاف والتبعية.

في النهاية، يبدو المشهد في الشرق الأوسط كمسرحية تراجيدية تعيد تقديم فصولها بأبطال مختلفين، ولكن بنص واحد.. إسرائيل ليست مجرد دولة جارة ذات طموحات حدودية، بل هي الصدع الجيوسياسي الذي صنع ليمنع القارة العربية والإسلامية من التئامها.

وأمام هذا الواقع، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا وعمقا، متجاوزا كل مبادرات السلام المؤقتة: هل يمكن لجسد تاريخي ممتد أن يتعايش حقا مع نصل صلب زرع عمدا في قلبه، أم إن استمرار هذا النصل يقتضي، بحكم التكوين والوظيفة، استنزاف الجسد حتى آخر قطرة من مقدراته؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان