- من التعليم الأفقي إلى التعليم العمودي.. كيف نصنع جيلا من المبدعين؟
حين ننظر إلى واقع التعليم العربي اليوم، نجد أنفسنا أمام نظام يكرر ذاته منذ عقود، ويعيد إنتاج أنماط التفكير نفسها. أغلب مدارسنا لا تزال تشتغل وفق ما يمكن تسميته بـ"التعليم الأفقي"، حيث يقوم الأستاذ بدور المانح النهائي للحلول، في حين يظل التلميذ متلقيا سلبيا، يكد ذهنه في الحفظ والتذكر أكثر مما يبدع في التحليل والإنتاج.
لكن التحديات المعاصرة لم تعد تسمح بهذا الجمود؛ نحن أمام عالم يتحرك بسرعة فائقة، تتحكم فيه ثورات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، وكلها مجالات لا تنتج الثروة والقيمة إلا عبر الإبداع.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف يمكن أن نصنع جيلا قادرا على الإبداع، لا مجرد جيل يحفظ ويكرر؟
إن الانتقال إلى التعليم العمودي ليس ترفا تربويا، بل هو شرط للبقاء في عالم يقوده الابتكار. الدول التي سبقتنا لم تفعل ذلك عبر زيادة ساعات الدراسة بل عبر تحرير المدرسة من ثقافة التلقين
التعليم الأفقي.. حين يقتل السؤال في المهد
التعليم الأفقي يقوم على منطق التلقين المباشر: الأستاذ يطرح إشكالية ثم يقدم الإجابة، والطالب يسجلها ليعيد إنتاجها يوم الامتحان. هذه الآلية تبدو مريحة للمدرس الذي يريد "إنهاء البرنامج" بسرعة، لكنها خطيرة على المدى البعيد لأنها تغتال روح التساؤل.
الطفل بطبيعته فضولي، يسأل عن كل شيء: لماذا السماء زرقاء؟ من أين تأتي الأمطار؟ كيف تعمل الآلة؟ لكن حين يدخل المدرسة، يجد نفسه أمام جدار من "الحقائق الجاهزة"، ومع الوقت يترسخ في ذهنه أن السؤال ليس مطلوبا، بل قد يكون "إزعاجا".
هكذا ينكسر الحس النقدي باكرا، ويُقمع الميل الفطري نحو الاستكشاف، في حين أن السؤال هو جوهر التفكير العلمي والإبداعي معا.
التعليم العمودي: أن نصعد مع المتعلم بدل أن نجره
في مقابل هذا المنطق الأفقي، يطرح بعض المصلحين التربويين فكرة "التعليم العمودي". المقصود هنا أن يتعلم التلميذ عبر صعود معرفي تدريجي، من الملاحظة إلى الفرضية إلى التجريب فالتحليل والاستنتاج؛ فلا يُعطى الجواب بشكل مباشر، بل يوجَّه الطالب لاكتشافه بنفسه.
بهذا المنهج، يصبح الأستاذ موجها لا ملقنا، ومرافقا لا مقررا. هو لا يختفي من المشهد، بل يعيد تعريف دوره: يهيئ بيئة السؤال، ويفتح أبواب البحث، ويحفز المتعلم على التفكير النقدي. أما التلميذ، فيتعلم أن المعرفة ليست "وصفة جاهزة" بل رحلة صعود مليئة بالمحاولات والخطأ والصواب.
من التجربة إلى النظرية.. حين يتحول القسم إلى مختبر
لنأخذ مثالا بسيطا من مادة العلوم: في النموذج الأفقي، يشرح الأستاذ للتلاميذ أن "النبات يحتاج الضوء لينمو"، ويطلب منهم حفظ ذلك. في النموذج العمودي، يعطى التلميذ بذورا ويطلب منه أن يزرعها في ظروف مختلفة (ضوء، ظلام، ماء، جفاف…)، ثم يراقب النتائج بنفسه، وبعدها يناقشها مع زملائه ويستنتج القاعدة.
هنا لا يعود العلم نصا جامدا في الكتاب، بل تجربة حية مرتبطة بالواقع. وحين يكتشف الطالب القاعدة بنفسه، فإنه لا ينساها أبدا، بل تتحول إلى ملكة فكرية تصنع منه باحثا صغيرا.
الانتقال من الأفقي إلى العمودي ليس سهلا؛ فهناك مقاومة تأتي من ثقافة اجتماعية ترى في الأستاذ "سلطة عليا" لا تناقَش، ومن إدارة مدرسية تخشى ضياع الوقت إذا لم يُنه "البرنامج"، وأسر تريد علامات عالية أكثر مما تريد شخصية مبدعة
لماذا التعليم العمودي ضرورة حضارية؟
إن الانتقال إلى التعليم العمودي ليس ترفا تربويا، بل هو شرط للبقاء في عالم يقوده الابتكار. الدول التي سبقتنا لم تفعل ذلك عبر زيادة ساعات الدراسة أو رفع معدلات الامتحانات، بل عبر تحرير المدرسة من ثقافة التلقين.
اليابان، فنلندا، كوريا الجنوبية.. كلها بنت أنظمتها التربوية على تشجيع البحث والتجريب والتعلم التعاوني. لم تعد المدرسة مكانا لـ"إعادة إنتاج المعرفة"، بل فضاء لـ"صناعتها". لهذا نجد أن براءات الاختراع، والاكتشافات العلمية، والمبادرات الريادية تخرج من تلاميذ وطلاب لم يتجاوزوا العشرين من العمر.
مقاومة التغيير.. معركة العقلية قبل المناهج
لكن الواقع يخبرنا أن الانتقال من الأفقي إلى العمودي ليس سهلا؛ فهناك مقاومة تأتي من ثقافة اجتماعية ترى في الأستاذ "سلطة عليا" لا تناقَش، ومن إدارة مدرسية تخشى ضياع الوقت إذا لم يُنه "البرنامج"، وأسر تريد علامات عالية أكثر مما تريد شخصية مبدعة.
التغيير هنا يبدأ من العقلية: أن ندرك أن الهدف من المدرسة ليس إنتاج متفوقين في الامتحانات فقط، بل صنّاع حلول لمشكلات المجتمع، وأن النجاح ليس أن يحفظ الطالب نصا، بل أن يبتكر فكرة.
الإبداع ليس ترفا، بل إنه شرط وجودي في عالم لا يرحم المتأخرين
من المدرسة إلى المجتمع.. صناعة جيل المبدعين
إذا أردنا جيلا من المبدعين، فعلينا أن ننقل روح التعليم العمودي إلى كل مفاصل حياتنا: أن نعطي الأطفال مساحة للتجريب في البيوت، أن نشجعهم على طرح الأسئلة في الإعلام، أن نوفر منصات شبابية للبحث والمبادرة.
جيل المبدعين لا يُصنع بقرار وزاري، بل ببيئة اجتماعية تحتفي بالفكرة الجديدة، وتسامح مع الفشل، وتشجع على المحاولة. وهذا ما نفتقده اليوم: كثير من شبابنا يملكون الخيال والطموح، لكنهم يصطدمون بثقافة تقدس الإجابة الجاهزة وتخاف من المختلف.
الصعود نحو المستقبل
التحول من التعليم الأفقي إلى التعليم العمودي ليس مجرد انتقال في طريقة التدريس، بل هو انتقال حضاري كامل، وهو رهان على تحرير العقل من التبعية، وعلى تحويل السؤال إلى محرك دائم للتقدم.
إننا اليوم أمام خيارين: إما أن نظل أسرى تعليم أفقي ينتج موظفين مطيعين، أو نجرؤ على الصعود في السلم العمودي لنصنع جيلا من المبدعين.
والإبداع ليس ترفا، بل إنه شرط وجودي في عالم لا يرحم المتأخرين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

