كلنا يتغذى وينمو جسديا، فماذا عن غذاء العقل والروح؟ كلنا يكبر، ولا يعني هذا النمو بالضرورة زيادة في النضج أو سموا في الروح؛ فغذاؤهما مختلف تماما عن غذاء الأبدان. فما نفع الجسد الممتلئ إذا كان يعاني من سوء التغذية المعنوية؟
إن النمو البيولوجي قضاء حتمي لا مفر منه، أما الارتقاء العقلي والروحي فهو قرار اختياري نصنعه بأيدينا. فمتى تطعم الإنسان الذي يعيش بداخلك؟!
النمو والذبول
البعض يتحدث عن شيخوخة الأبدان، ويغفل عن انتكاس الروح والعقل! لماذا لا نتحدث عن شيخوخة العقل والروح في الأجساد الشابة؟ لماذا ننشغل بطول القامة واتساع محيط الخصر، ونغفل عن تألق الوعي وسمو الروح؟
إن الكهولة الفكرية لا علاقة لها بشهادة الميلاد؛ فقد نجد شابا في العشرين يعيش بروح ضامرة، بينما نجد مسنا يفيض بنضارة الحكمة وفتوة الحيوية العقلية! إننا لا نكبر بالأيام، بل بما نسكبه في عقولنا من نور.
يحكى أن حكيما كان يطوف بمريديه، فرأى رجلا طاعنا في السن ضيق الأفق، سريع الغضب، لا يحسن التدبير، وإلى جانبه شاب يفيض بصيرة وسكينة. قال الحكيم: لا يغرنكم بياض الشعر، فبعض الناس لم يفعل شيئا طوال ثمانين عاما، فرغم أن جسده كبر، فإن عقله لا يزال في المهد ينتظر من يطعمه!
الجسد يكبر وحده في الطبيعة، لكن العقل والروح يحتاجان كفاحا وهندسة توازن قائمة على التغذية المستمرة لا الموسمية. لماذا يظن البعض أن "الشيب" وحده كاف لصناعة الحكمة؟
وهم زيادة الأعمار
ليس كل كبير في السن كبيرا في القدر؛ البعض ينقص قدره كلما تقدم في العمر! لذا، علينا أن نفطن إلى مجاعة الفكر، وأن نتنبه لتهرب الأعمار من بين أيدينا. الزمن يمر على الجميع، لكن الحكمة لا تستقر في كل قلب؛ فالعقل الذي لا يُستخدم يتصلب، والحياة التي تخلو من النقاشات العلمية حياة باهتة.
ويؤكد لنا العالم "دونالد هيب" أن العقل ينمو بالاستخدام ويذبل بالإهمال؛ فكل تفكير عميق تمارسه يبني في داخلك مسارات جديدة تزيد من سعة وعيك. وإليك الحكاية.
قيل إن أحد التجار قضى عمره يجمع الأموال ويبني القصور، ولما بلغ الستين اعتزل العمل، وجلس في مجلسه ينتظر التقدير لحكمته. وحين بدأ يتحدث، وجد الناس ينصرفون عنه؛ لأنه لم يملك في جعبته سوى أرقام البيع والشراء، ولم يغذ عقله يوما بفكرة أو حكمة. لقد اكتشف متأخرا أنه جمع الزيادة في الرصيد، وخسر نمو الوعي، فصار عمره بلا قيمة.
مائدة العقل الجائع
العقول لا تشبع من موائد الأبدان؛ فالبروتين الفكري يُستخلص من القراءة الواعية والسؤال القلق، ثم هناك فرق بين المعرفة التي هي تكديس بالمعلومات، وبين الحكمة التي هي عمق الفهم وخلاصته.
لذا نقول: علينا الحذر من الوجبات السريعة التي تملأ العقل بتفاهة التريند وسطحية الاستهلاك؛ فهذه السموم تُشبع الفضول وتقتل العمق.
رُوي أن أحدهم كان يشتكي من ضيق الصدر وتشتت الفكر، فنصحه أحد العلماء بهجران الفضول من الأخبار وترك القيل والقال، وأن يتوجه بعزم إلى قراءة أمهات الكتب والتأمل العميق.
وبعد أشهر، عاد هذا الرجل بوجه مستنير، وقال: كنت أعد نفسي مثقفا لكثرة ما أسمع، فإذا بعقلي مكب نفايات؛ واليوم عرفت أن العقول لا تنمو بكثرة ما تأخذ، بل بنوعية ما تتلقى.
إذا قرأت قوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه}، لا تحصر الغذاء للجسد فقط، ففي الأرض طعام الطين، وفي السماء غذاء الروح
فقر الروح الخفي
لماذا تضيق الروح في أجساد تنعم بكل شيء؟ هل سمعت بمصطلح "أنيميا الروح"؟ هي تلك الحالة التي تجعل الإنسان يشعر بالخواء وسط رفاهية القصور؛ فليس كل هدوء سكينة، وليس كل فراغ راحة.
هذا الخواء هو ما وصفه العالم "فيكتور فرانكل" بـ"الفراغ الوجودي"؛ إذ يرى أن الروح لا تمرض من نقص المادة، بل من غياب المعنى والغاية. الروح تحتاج إلى غذاء مختلف؛ تحتاج إلى تواصل مع السماء وتدبر في عمق الآيات والأذكار؛ تلك هي الأغذية التي لا تباع ولا تشترى.
مما قرأت أن بعض العلماء كان من شدة صفاء روحه واتصاله بالله يخبر بالمغيبات فيصيب، فلما كان البعض يقول له: قل إن شاء الله، كان يقول: إن شاء الله على التحقيق والتصديق لا على التعليق والاحتمال.
هذا هو غذاء الروح الذي يرفع الإنسان من طين المادة إلى آفاق اليقين، حيث لا تصبح المشيئة مجرد كلمة تقال، بل رؤية عيان لتدبير الخالق.
خديعة النمو التلقائي
الجسد يكبر وحده في الطبيعة، لكن العقل والروح يحتاجان كفاحا وهندسة توازن قائمة على التغذية المستمرة لا الموسمية. لماذا يظن البعض أن "الشيب" وحده كاف لصناعة الحكمة؟ إن التجارب لا تتحول إلى دروس إلا إذا هُضمت بعقل متفتح؛ وإلا تحولت إلى مرارة في القلب وتسافل في الروح.
من تجارب الأصدقاء ما نقله لي أحدهم إذ قال: كنت أظن أن الحكمة ستأتي مع الشيب تلقائيا كما تنبت الأسنان، لهذا تهاونت في القراءة والتأمل وركنت إلى تقدم الزمن.
واليوم، حين بلغت الخمسين، أدركت أنني أكرر أخطاء الشباب بمرارة أكبر؛ وعلمت أن التجارب التي لا تُهضم بالعقل هي مجرد جروح قديمة لم أنتفع منها، وأن تقدم الزمن وحده لا يصنع حكيما، بل يصنع مسنا وحسب.
لا تغادر الدنيا بجسد ضخم، وعقل متبلد، وروح خاوية.. قد يمتلئ جسدك بالأطعمة، لكنه لا يكتمل إلا بغذاء الروح والعقل
الاستفاقة قبل الذبول
متى نعتني بعقولنا وأرواحنا؟ إننا نتحدث عن لحظة القرار التي تحول الإنسان من مجرد جسد يعبر الأيام إلى إنسان حي بروحه وعقله قبل أن يواريه التراب. الثمرة هي ذلك الإنسان المتصالح الذي يمتلك عقلا مستنيرا ونفسا مطمئنة، فالعمر لديه ليس معيارا، بل الحيوية والتألق الروحي والعقلي.
من تجاربي الخاصة أنني ركزت على الجانب الروحي فلمست الأثر في التوفيق والبركة! هل تعلم أنه حين تسمو روحك يصفو قلبك، حتى إن مناماتك تحل بها البركة؛ فقد ترى في منامك ما يدهشك ويطمئن قلبك؟ فمتى كانت آخر مرة أطعمت فيها عقلك فكرة قيمة، ومتى كانت آخر مرة نوّلت روحك معنى ساميا؟
في الختام: إذا قرأت قوله تعالى: {فلينظر الإنسان إلى طعامه}، لا تحصر الغذاء للجسد فقط، ففي الأرض طعام الطين، وفي السماء غذاء الروح.
لا تغادر الدنيا بجسد ضخم، وعقل متبلد، وروح خاوية… قد يمتلئ جسدك بالأطعمة، لكنه لا يكتمل إلا بغذاء الروح والعقل؛ فالاعتناء بهذا الغذاء ليس ترفا، بل هو شرط البقاء بصفتك إنسانا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

