لم يكن الفقه الإسلامي مجرد استجابة لوقائع حدثت بالفعل، بل كان في أزهى عصوره أداة استشرافية تسبق الزمن. ومن أبرز تجليات هذا الرقي الفكري ما عرف بـ"الفقه الافتراضي" أو "التقديري"، الذي يعد ابتكارا فريدا لمدرسة الكوفة بقيادة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان.
يتناول هذا المقال فلسفة هذا المنهج في بناء المسائل قبل وقوعها، وكيف تحولت تلك الافتراضات الخيالية في القرن الثاني الهجري إلى قواعد ذهبية لإدارة الأزمات، وسن القوانين، والتخطيط الاستباقي في عصرنا الحديث.
يعد الفقه الافتراضي من أهم مميزات المذهب الحنفي، حيث كان منهج الإمام يقوم على المناقشة والمناظرة مع طلابه؛ إذ كان يعرض عليهم مسائل تخيلية قد تبدو "مستحيلة" في زمانهم، ويتباحثون في إيجاد حلول شرعية لها
أبو حنيفة النعمان من تجارة "الخز" إلى إمامة الفقه
هو النعمان بن ثابت الكوفي، مولى بني تيم الله، والملقب بالإمام الأعظم، ولد في الكوفة سنة 80 هجرية، وعاش في عصر صغار الصحابة فكان من التابعين.
بدأ حياته العملية في التجارة وبيع "الخز" (نوع من القماش الفاخر)، حتى لمح الإمام "الشعبي" فيه نبوغا وفطنة وذكاء حادا في تحليل المسائل، فأوصاه بملازمة العلماء.
استجاب أبو حنيفة للنصيحة وحضر مجلس شيخه حماد بن أبي سليمان، ولازمه 18 عاما حتى برع في الفقه. وبعد وفاة شيخه، اعتلى أبو حنيفة مقعده للتدريس حتى وفاته سنة 150 هجرية عن عمر ناهز 70 عاما.
مدرسة "الأرأيتيين": ريادة الفقه التقديري
يعد الفقه الافتراضي من أهم مميزات المذهب الحنفي، حيث كان منهج الإمام يقوم على المناقشة والمناظرة مع طلابه؛ إذ كان يعرض عليهم مسائل تخيلية قد تبدو "مستحيلة" في زمانهم، ويتباحثون في إيجاد حلول شرعية لها من خلال القياس والتقدير. وبسبب كثرة سؤالهم: "أرأيت لو كان كذا؟"، أطلق عليهم علماء الحديث في الحجاز (كالإمام مالك رحمه الله) مصطلح "الأرأيتيين".
وعلى الرغم من أن هذا المنهج واجه انتقادات في وقته لكونه يسبق الحوادث، فإن الأمة استفادت منه لاحقا بشكل هائل؛ فحين وقعت "النوازل" في العصور التالية، وجد الفقهاء أحكاما جاهزة ومدروسة بعمق، مما أنقذ الأمة من الحيرة وأزمة ضيق الوقت في البحث.
نماذج من المسائل التي عززت أهمية الفقه الافتراضي
موت الجماعة في حادث واحد (جهل السابق بالموت): افترض أبو حنيفة مسألة: إذا مات أشخاص بينهم توارث (كأب وابنه) في حادث غرق أو هدم، ولا يُعلم من مات أولا، فهل يرث بعضهم من بعض؟ قرر قاعدة دقيقة وهي: "لا توارث بينهم"؛ لعدم تحقق شرط الإرث، وهو حياة الوارث بعد المورث يقينا.
وما كان افتراضا حينها أصبح اليوم أصلا يُعمل به في حوادث الطائرات والكوارث الكبرى.
حق الجنين (الحمل المجهول): وضع الإمام حكما لموت رجل وزوجته حامل، فقرر إيقاف نصيب من التركة للجنين احتياطا حتى يتبين حاله (حي أم ميت، ذكر أم أنثى).
هذا المبدأ القانوني "حفظ حق الجنين" تبنته كافة المذاهب والقوانين المدنية الحديثة؛ لضمان العدالة قبل وقوع الواقعة.
إن ريادة هذا الفقه في استشراف المستقبل تظل درسا ملهما لصناع القرار والمشرعين في عصرنا الحالي، وتؤكد أن الحماية الحقيقية للمجتمعات تكمن في القدرة على توقع التحديات قبل وقوعها
الفقه التقديري في الميزان المعاصر
إدارة الأزمات والتخطيط الاستباقي: يقوم منهج أبي حنيفة على وضع "سيناريوهات" واستخراج أحكام منضبطة لها، وهو ما يطابق "التخطيط الإستراتيجي" في الدول الحديثة.
فالدول اليوم تضع تشريعات للطوارئ والأوبئة والأزمات المالية قبل وقوعها لضمان سرعة الاستجابة، وهو تطبيق حرفي لفكرة "الاستعداد قبل الحدث".
سن القوانين وبناء الأنظمة: تميز فقه أبي حنيفة بوضع "قواعد كلية" شاملة، وهذا النمط أثر في بناء القوانين الحديثة (مثل الدولة العثمانية التي اعتمدت المذهب الحنفي)؛ فبدل انتظار كل واقعة لإصدار حكم مستقل، تصاغ قوانين عامة تستوعب الجرائم المستحدثة والتعاملات الجديدة، مما يمنح النظام القانوني مرونة واستدامة.
يتضح لنا أن الفقه الافتراضي لم يكن ترفا فكريا، بل كان تجسيدا للمرونة والعقلانية التي يتميز بها الفكر الإسلامي.
لقد استطاع الإمام أبو حنيفة وتلاميذه، عبر منهج "التقدير والقياس"، أن يضعوا دستورا فقهيا عابرا للزمان، مكن المذهب الحنفي من قيادة القضاء في الدولتين العباسية والعثمانية، ليصبح اليوم أكثر المذاهب انتشارا.
إن ريادة هذا الفقه في استشراف المستقبل تظل درسا ملهما لصناع القرار والمشرعين في عصرنا الحالي، وتؤكد أن الحماية الحقيقية للمجتمعات تكمن في القدرة على توقع التحديات قبل وقوعها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

