تصريحات جلعاد أردان، المندوب الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة، حول قيام إسرائيل بتسليح جماعات داخل إيران، وكذلك تصريح الرئيس السابق للموساد يوسي كوهين قبل أسابيع عن "مضاعفة عدد العملاء داخل إيران بعد حرب الـ12 يوما"، لم تكن مجرد استعراض إعلامي عابر أو محاولة للتفاخر الاستخباراتي، بل حملت هذه التصريحات رسالة مزدوجة: طمأنة الداخل الإسرائيلي من جهة، وبث ردع نفسي وسياسي موجه إلى إيران وحلفائها من جهة أخرى. ومفاد الرسالة أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى عمق الدولة الإيرانية.
غير أن القراءة التحليلية الجدية لا تتوقف عند الرسالة بحد ذاتها، بل تبدأ من سؤال أكثر تعقيدا: لماذا تجد هذه الرسائل أصلا بيئة قابلة للتصديق؟ ولماذا يبدو الحديث عن الاختراق داخل إيران معقولا، لا مبالغا فيه، وفي الوقت نفسه غير كافٍ للحديث عن انهيار وشيك؟
الجواب عن هذه التساؤلات ينطلق من حقيقة غالبا ما يساء فهمها، وهي أن إيران ليست دولة مستحيلة الاختراق، لكنها أيضا ليست دولة سهلة الانهيار. فهي دولة بنيت على هاجس البقاء لا على منطق الإدارة التقليدية. ولفهم هذا التناقض الظاهري، لا بد من التوقف عند طبيعة النظام الأمني الإيراني نفسه، الذي يعد من أعقد أنظمة الحكم في العالم، لا بسبب قوته العسكرية فحسب، بل بسبب طريقة تصميمه.
تلعب قوات الباسيج (منظمة حشد المستضعفين) دورا مركزيا بوصفها قوة شعبية عقائدية واسعة الانتشار، تضم ملايين المتطوعين، وتعمل على ضبط الشارع والمراقبة الاجتماعية، ودعم الحرس في أوقات الأزمات
فالنظام الإيراني الحالي (الجمهورية الإسلامية) ولد من رحم ثورة عام 1979، وقد صمم منذ يومه الأول على ألا يعيد خطأ الشاه. فلم يُبنَ كنموذج لـ"حكومة تدير دولة"، بل كنظام يحمي نفسه. والنتيجة كانت دولة موحدة شكليا، لكنها تحتوي في داخلها شبكة معقدة من مراكز القوة المتداخلة، يحمي بعضها بعضا ويراقب بعضها بعضا، وتمنع احتكار القرار أو السلاح بيد جهة واحدة.
فالقاعدة الذهبية في التفكير الأمني الإيراني بسيطة لكنها حاسمة: "لا تضع القوة كلها في يد جهاز واحد، ولا تسمح لجهاز واحد أن يكون هو الدولة". لهذا السبب، بُني النظام العسكري والأمني الإيراني على تعددية متعمدة.
فالجيش النظامي (آرتش) يتولى الدفاع عن الحوزة الترابية، بعقيدة وطنية تركز على حماية الدولة لا النظام، مع بعد نسبي عن السياسة. وفي المقابل، يشكل الحرس الثوري (سپاه پاسداران) الذراع الأيديولوجية والأمنية للنظام، ومهمته حماية الثورة وبنية الحكم، ويمتلك قدرات عسكرية هائلة ونفوذا اقتصاديا واسعا، ويدير الحروب غير المباشرة في الإقليم، ويتفرع عنه فيلق القدس، بوصفه الذراع الخارجية المسؤولة عن إدارة الشبكات والعلاقات مع "حلفاء إيران في المنطقة".
إلى جانب ذلك، تلعب قوات الباسيج (منظمة حشد المستضعفين) دورا مركزيا بوصفها قوة شعبية عقائدية واسعة الانتشار، تضم ملايين المتطوعين، وتعمل على ضبط الشارع والمراقبة الاجتماعية، ودعم الحرس في أوقات الأزمات.
أما وزارة الاستخبارات (اطّلاعات)، فهي جهاز مدني يتبع الحكومة شكليا، وتركز على الأمن الداخلي والإعلام والمعارضة، لكنها أقل نفوذا من استخبارات الحرس الثوري، التي تعد اللاعب الأقوى فعليا، وتتبع عمليا للقائد الأعلى، وتتولى تفكيك الاحتجاجات والعمليات الداخلية والاختراق الخارجي. ويكمل هذه الشبكة جهاز استخبارات الباسيج، الذي يعمل داخل الأحياء بوصفه "عين النظام" في المجتمع.
وعلى قمة هذا الهرم تقف مؤسسة القيادة العليا (بيت رهبري)، فالولي الفقيه (جامع الشرائط) هو القائد العام للقوات المسلحة وصاحب الكلمة النهائية في الملفات الأمنية والعسكرية والإستراتيجية، بينما تقتصر مهمة الحكومة المنتخبة على الإدارة اليومية دون أن تكون مركز القرار السيادي.
هذا التعقيد البنيوي يفسر لنا سبب فشل معظم محاولات إسقاط النظام الإيراني من الداخل عبر الاحتجاجات وحدها؛ ففي إيران لا يوجد مركز واحد يمكن شله، ولا جهاز واحد يؤدي تعطيله إلى انهيار المنظومة. كما أن النظام صمم منذ النشأة الأولى للعيش تحت العقوبات والضغط الطويل. غير أن ذلك لا يعني غياب نقاط الضعف، بل يعني أن الضعف الإيراني مختلف في طبيعته وإيقاعه.
إيران باختصار ليست دولة طبيعية، كما أنها أيضا ليست دولة على وشك السقوط؛ فهي نظام صمم للبقاء تحت الضغط لا للراحة في الاستقرار
فالضعف اليوم ليس عسكريا بقدر ما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي؛ فمنذ عام 2019 تعيش إيران حالة هشاشة متراكمة. فالاقتصاد مرهق بسبب العقوبات الأمريكية بعد انسحاب دونالد ترمب من الاتفاق النووي، وجيل الشباب أقل ارتباطا أيديولوجيا بالنظام، وهناك تآكل تدريجي في الشرعية الاجتماعية، ما أدى إلى إرهاق طويل أصاب الدولة والمجتمع معا.
وهذه الخلطة هي البيئة المثالية لنشاط الاستخبارات الخارجية، لا لأنها خلقت الأزمة، بل لأنها تستثمر فيها.
ومن هنا يمكن فهم تصريحات كوهين في سياقها الواقعي؛ فإسرائيل، كما في تجاربها السابقة في لبنان وسوريا وغزة، لا تعمل في "قلب الدولة" بقدر ما تتحرك في الجيوب الضعيفة (المناطق الفقيرة أو المهمشة، أماكن التوترات الإثنية أو القومية)، ويضاف إلى هذا وجود تضاريس جبلية وعرة وغابات تسمح بالاختباء وتخزين الخلايا والعتاد، وغضب اجتماعي قابل للتسييس. لذلك كانت بعض عمليات الاغتيال والتخريب والتفجيرات ممكنة، لا باعتبارها دليل انهيار، وإنما هي مؤشر على وجود فجوات أمنية مزمنة.
فإيران باختصار ليست دولة طبيعية، كما أنها أيضا ليست دولة على وشك السقوط؛ فهي نظام صمم للبقاء تحت الضغط لا للراحة في الاستقرار.
كما أن سهولة الاختراق داخل إيران ليست بسبب عبقرية خارقة للموساد، بل بسبب تراكم نقاط ضعف داخلية بطيئة. وأي تحليل يتجاهل مركزية المرشد، ودور الحرس الثوري، وتداخل أجهزة الدولة، وطبيعة الهندسة الأمنية للنظام، يظل تحليلا ناقصا يخطئ في تقدير إيران كما يخطئ في توقع نهايتها.
فالصراع مع إيران لا يحسم بضربة استخباراتية ولا باختراق أمني معزول، بل هو صراع طويل النفس بين نظام بني على منطق الصمود ومجتمع تتسع فيه فجوات التآكل البطيء. وبين هذين الحدين، ستظل إيران ساحة مفتوحة للاختراق.. لكنها بعيدة، حتى الآن، عن لحظة الانهيار.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

