لماذا تتفق السلطة والمعارضة في بولندا على دعم إسرائيل رغم الخلاف؟

Poland's Minister of Foreign Afairs Radoslaw Sikorski (R) presents the main points of the Polish government's foreign policy to delegates of the Polish Parliament in Warsaw on February 26, 2026. (Photo by Wojtek RADWANSKI / AFP)
الكاتب: الأولوية -عند أحزاب بولندا- تبقى للحفاظ على التحالفات حتى لو جاء ذلك على حساب مبادئ مثل احترام القانون الدولي أو الدفاع عن حقوق الإنسان (الفرنسية)
  • سياسة واحدة بلغتين: السلطة والمعارضة في بولندا تجاه غزة وإيران ولبنان

للوهلة الأولى، تبدو الساحة السياسية في بولندا وكأنها ساحة صراع حاد بين معسكرين متناقضين: حزب «الائتلاف المدني» (PO) الذي يقود الحكومة حاليا، وحزب «القانون والعدالة» (PiS) الذي يمثل المعارضة.

هذا الصراع يملأ وسائل الإعلام، ويهيمن على النقاش العام، ويقدم للجمهور باعتباره صراعا حاسما حول القيم والهوية ومستقبل الدولة؛ غير أن هذا الانقسام الحاد يتلاشى بشكل لافت عندما ننتقل إلى القضايا الدولية الكبرى، وخاصة تلك المتعلقة بالشرق الأوسط.

فهنا لا نرى اختلافا جوهريا بقدر ما نرى توافقا عميقا، وإن تم التعبير عنه بأساليب مختلفة.

الفارق بين الطرفين لم يكن في تقييم الحدث نفسه، بل في طريقة صياغته: أحدهما يتحدث بلغة مباشرة، والآخر بلغة مخففة، لكن كلاهما يصل إلى نفس النتيجة

في قضايا غزة وإيران ولبنان، يتبنى الحزبان، رغم خلافاتهما الداخلية، رؤية متقاربة إلى حد كبير، ويمكن القول إننا أمام سياسة واحدة تقدَّم بلغتين مختلفتين: لغة مباشرة وحادة لدى «القانون والعدالة»، ولغة أكثر دبلوماسية ومرونة لدى «الائتلاف المدني»، لكن الجوهر يبقى واحدا.

بعد أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، تبنى الطرفان نفس المنطلق الأساسي: لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها.

هذا المبدأ تم طرحه وكأنه حقيقة مطلقة، دون التطرق بجدية إلى السياق الأوسع، بما في ذلك سنوات طويلة من الاحتلال والحصار والتوترات المتراكمة.

بالنسبة لحزب «القانون والعدالة»، جاء هذا الموقف في إطار خطاب واضح يركز على «محاربة الإرهاب»، وهو خطاب ينسجم مع رؤيته العامة للعلاقات الدولية التي تقوم على التحالفات الأمنية والاصطفاف الواضح.

لم يترك هذا الخطاب مساحة تذكر لانتقاد جوهري لأفعال إسرائيل، بل اكتفى في أفضل الأحوال بإشارات عامة إلى المعاناة الإنسانية دون أن تتحول إلى موقف سياسي ملزم.

إعلان

أما «الائتلاف المدني»، فقد اختار أسلوبا مختلفا في التعبير، أكثر قربا من اللغة الأوروبية التقليدية التي تحاول الجمع بين التعاطف الإنساني والدعم السياسي.

تحدث عن «مأساة» و«أعمال غير مقبولة»، لكنه في الوقت نفسه شدد على تفهمه للموقف الإسرائيلي، ورفض توصيف ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية».

وهكذا، فإن الفارق بين الطرفين لم يكن في تقييم الحدث نفسه، بل في طريقة صياغته: أحدهما يتحدث بلغة مباشرة، والآخر بلغة مخففة، لكن كلاهما يصل إلى نفس النتيجة.

هذا التوافق يعكس حقيقة أعمق: عندما يتعلق الأمر بإسرائيل أو بالعلاقات مع الولايات المتحدة، فإن حدود الخلاف الداخلي تضيق إلى حد كبير

تتجلى وحدة الموقف بشكل أكثر وضوحا في قضية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية.

هذا الحدث كان اختبارا حقيقيا لمدى التزام بولندا بالقانون الدولي، خاصة أنها دولة عضو في المحكمة، لكن ما حدث كشف عن أولويات مختلفة تماما.

فقد قررت الحكومة البولندية ضمان أمن نتنياهو في حال زيارته، وهو ما يعني عمليا تجاهل التزاماتها القانونية الدولية.

هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء دبلوماسي، بل رسالة سياسية واضحة بأن التحالفات تتقدم على القانون.

الأهم من ذلك أن هذا القرار لم يواجه معارضة من حزب «القانون والعدالة»، بل حظي بدعمه.

في هذه اللحظة، اختفى الانقسام السياسي الداخلي، وظهر توافق كامل بين الحزبين حول كيفية التعامل مع هذه القضية.

هذا التوافق يعكس حقيقة أعمق: عندما يتعلق الأمر بإسرائيل أو بالعلاقات مع الولايات المتحدة، فإن حدود الخلاف الداخلي تضيق إلى حد كبير.

هذا النمط يتكرر أيضا في التعامل مع التصعيد الإسرائيلي تجاه إيران ولبنان.

فعندما اتسعت رقعة العمليات العسكرية لتشمل أهدافا في إيران، وترافقت مع ضربات في لبنان، كان من المتوقع أن يصدر عن دولة مثل بولندا موقف واضح يستند إلى مبادئ القانون الدولي، لكن ما حدث كان مختلفا.

فقد اكتفت الحكومة بردود فعل تقنية، ركزت على سلامة المواطنين والمصالح البولندية، دون إصدار إدانة سياسية صريحة.

يتبنى «الائتلاف المدني» أسلوبا أكثر دبلوماسية، لكنه لا يشكك في نفس الإطار الإستراتيجي، ولا يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة أو دورها في الشرق الأوسط

أما المعارضة، فلم تتخذ موقفا مختلفا، ولم تدفع باتجاه نقاش سياسي جاد أو تحرك دبلوماسي فعال.

هذا الصمت لا يمكن اعتباره مجرد تقصير أو تردد، بل هو في حد ذاته موقف؛ إذ يعكس رؤية مشتركة تعتبر هذه الأحداث جزءا من صراع جيوسياسي معقد، لا ينبغي لبولندا أن تتدخل فيه بشكل قد يؤثر على علاقاتها الإستراتيجية.

وبذلك، يصبح غياب الموقف الواضح شكلا من أشكال الانحياز غير المعلن.

العامل الحاسم الذي يفسر هذا التقارب هو العلاقة مع الولايات المتحدة؛ فبالنسبة لكلا الحزبين، تشكل هذه العلاقة حجر الأساس في سياسة بولندا الخارجية والأمنية.

«القانون والعدالة» بنى خلال سنوات حكمه علاقات وثيقة مع إدارة دونالد ترمب، واعتبر هذا التحالف ضمانة أساسية لأمن البلاد.

إعلان

ورغم تغير الحكومة، لم يتغير هذا التوجه بشكل جذري؛ إذ يتبنى «الائتلاف المدني» أسلوبا أكثر دبلوماسية، لكنه لا يشكك في نفس الإطار الإستراتيجي، ولا يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة أو دورها في الشرق الأوسط.

في هذا السياق، يصبح من الصعب على أي من الحزبين اتخاذ مواقف تتعارض بشكل واضح مع السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية، حتى عندما تثير هذه السياسات جدلا واسعا على المستوى الدولي.

فالأولوية تبقى للحفاظ على التحالفات، حتى لو جاء ذلك على حساب مبادئ مثل احترام القانون الدولي أو الدفاع عن حقوق الإنسان.

أيعكس الخلاف السياسي في بولندا فعلا اختلافا في الرؤى، أم إنه في بعض الملفات الأساسية مجرد اختلاف في الأسلوب؟

في المحصلة، يتبين أن الخلاف بين الحزب الحاكم والمعارضة في بولندا بشأن قضايا الشرق الأوسط هو خلاف في الشكل لا في الجوهر.

فكلاهما يتبنى نفس الأسس العامة: اعتبار أفعال إسرائيل جزءا من «محاربة الإرهاب»، وتجنب استخدام توصيفات قانونية حادة مثل «الإبادة الجماعية»، والتقليل من أهمية قرارات المؤسسات الدولية عندما تتعارض مع المصالح السياسية، والقبول بالدور المهيمن للولايات المتحدة في تحديد مسار الأحداث في المنطقة.

من هذا المنظور، فإن التغيير السياسي داخل بولندا، سواء من خلال الانتخابات أو تبدل الحكومات، لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير في السياسة الخارجية تجاه هذه القضايا.

فالإطار العام يبقى ثابتا، والتوجهات الأساسية لا تتغير.

وهنا تبرز المفارقة: في الداخل صراع سياسي محتدم وخطاب مليء بالاتهامات المتبادلة، أما في الخارج، وخاصة في القضايا الحساسة مثل الشرق الأوسط، فنجد قدرا كبيرا من الانسجام والتوافق.

هذه الحقيقة تطرح سؤالا جوهريا: أيعكس الخلاف السياسي في بولندا فعلا اختلافا في الرؤى، أم إنه في بعض الملفات الأساسية مجرد اختلاف في الأسلوب؟

الإجابة، في ضوء ما سبق، تبدو واضحة: سياسة واحدة بلغتين.. ومسؤولية واحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان