اليوم، لم يعد النقاش في لبنان يدور فقط حول مآلات الحرب، بل حول ما سيأتي بعدها؛ فالحروب في هذا البلد لا تنتهي عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ فعليا عند ترجمة نتائجها إلى توازنات سياسية جديدة.
وفي هذا السياق، عاد إلى الواجهة بعد بداية هذه الحرب خطاب قديم جديد، خصوصا عن طريق الكتاب والمحللين الذين يدورون في فلك "حزب الله"، مضمونه الحديث عن إعادة توزيع التوازنات داخل النظام اللبناني، أو حتى إعادة صياغته بالكامل.
لكن هذا النقاش ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لمسار طويل بدأ منذ ما بعد عام 2005، ويجد اليوم في الحرب الجارية فرصة جديدة للطرح.
بعد انسحاب النظام السوري عام 2005، الذي كان يلعب دور المايسترو في السياسة اللبنانية، لعب سلاح حزب الله دورا مركزيا في موازنة النظام السياسي
لبنان كنظام توازنات.. لماذا أي تعديل ليس تفصيلا؟
لبنان ليس دولة تقليدية تقوم على منطق الأكثرية والأقلية، بل هو نظام مبني بالكامل على توازنات دقيقة صاغها اتفاق الطائف عام 1990، بعد حرب أهلية استمرت خمسة عشر عاما. الجوهر الأساسي لنظام الحكم اللبناني يدور حول مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في السلطة.
هذه التوازنات لم تكن مجرد تسوية سياسية، بل كانت صيغة لوقف الحرب الأهلية عام 1990 ومنع عودتها. لذلك، فإن أي مساس بها، ولو كان محدودا، لا يُقرأ كإصلاح تقني، بل كإعادة فتح للأسئلة الوجودية التي أُغلقت مع نهاية الحرب.
بل إن التجربة اللبنانية أثبتت أن أي محاولة لتعديل جزئي كفيلة بإعادة توحيد الطوائف سياسيا، حتى لو كانت منقسمة داخليا؛ فالنظام اللبناني مترابط بشكل يجعل أي تغيير في جزء منه ينعكس على كامل البنية.
من الطائف إلى المثالثة.. سردية تتجدد منذ 2005
بعد الانسحاب السوري عام 2005، دخل لبنان مرحلة سياسية جديدة أعادت فتح النقاش حول طبيعة النظام. ومنذ ذلك الحين، بدأت تظهر بشكل تدريجي مطالب بإعادة توزيع السلطة، خصوصا من قبل قوى سياسية شيعية.
بلغ هذا الطرح ذروته في منتصف العقد الأول من الألفية، عندما طُرح لأول مرة مبدأ "المثالثة"، أي توزيع السلطة بين السنة والشيعة والمسيحيين، بدل المناصفة التي أقرها الطائف. هذا الطرح جاء أولا بالمواربة في مؤتمر الحوار اللبناني (سان كلو- فرنسا)، عام 2007.
وقد قوبل هذا الطرح برفض واسع، خاصة من قوى (14 آذار)، التي رأت فيه محاولة لتغيير فلسفة النظام وليس فقط تعديل آلياته. لكن رغم تراجع الطرح بصيغته المباشرة، بقيت روحه حاضرة في الخطاب السياسي بشكل مباشر وبشكل غير مباشر.
التعداد كأداة سياسية.. من التلميح إلى السردية
في السنوات اللاحقة تغير شكل الطرح؛ فبدل الحديث المباشر عن تغيير النظام، لجأت شخصيات سياسية من البيئة الشيعية إلى التلميح المستمر إلى "التعداد" و"الواقع الديمغرافي"، الذي تغير في لبنان منذ تأسيسه بواقع الحروب والهجرة للعديد من أبناء لبنان.
في كل استحقاق سياسي، كان هذا الخطاب يعود، مشيرا إلى أن التوازن الحالي لا يعكس الحجم الحقيقي لكل مكون، وتحول تدريجيا من خطاب نخبوي إلى سردية يتبناها جزء من الشارع والإعلام المحسوب على هذه القوى.
لم تعد الحرب تقرأ فقط كصراع عسكري، بل كأداة لتحسين موقع إيران في التفاوض الإقليمي ولإعادة تثبيت التوازن السياسي داخل لبنان
السلاح كبديل عن تعديل النظام
لكن الأهم في هذه المعادلة لم يكن الخطاب، بل الواقع… بعد انسحاب النظام السوري عام 2005، الذي كان يلعب دور المايسترو في السياسة اللبنانية، لعب سلاح حزب الله دورا مركزيا في موازنة النظام السياسي، ليس فقط في مواجهة إسرائيل، بل داخل الحياة السياسية اللبنانية.
فقد أنتج هذا السلاح ما يمكن وصفه بـ"قوة تعطيلية"، تجلت في: فراغات رئاسية طويلة، تعطيل تشكيل الحكومات، شلل متكرر في المؤسسات. وفي معظم الحالات، كان التعطيل مرتبطا بمطالب سياسية محددة لحزب الله أو أحد حلفائه، بغض النظر عن الأكثرية النيابية التي كانت عكس توجهات الحزب.
وهكذا نشأت معادلة غير مكتوبة: السلاح وقوته الباطنية مقابل عدم إثارة تغيير النظام؛ أي إن النفوذ الفعلي الذي وفره السلاح كان العوض عن أي نقص في التمثيل الدستوري، ما جعل المطالبة بتعديل النظام أقل إلحاحا.
مفاتيح السلطة.. أين تكمن الإشكالية؟
لفهم هذا النقاش بعمق، لا بد من النظر إلى توزيع السلطة الفعلي داخل الدولة. فتوزع المناصب الأساسية في لبنان طائفيا يأتي على النحو التالي:
- الرئاسات الثلاث: رئيس الجمهورية: ماروني | رئيس مجلس النواب: شيعي | رئيس مجلس الوزراء: سني.
- الأجهزة الأمنية: قائد الجيش: ماروني | قوى الأمن الداخلي: سني | الأمن العام: شيعي | أمن الدولة: ماروني.
- المفاصل المالية والقضائية: حاكم مصرف لبنان: ماروني | رئيس مجلس القضاء الأعلى: ماروني | المدعي العام التمييزي: سني | المدعي العام المالي: شيعي.
في هذا التوزيع، تمتلك الطائفة الشيعية 3 مواقع أساسية فقط، مقابل هيمنة أوسع للطوائف الأخرى على مواقع ذات طابع تنفيذي وأمني ومالي. وبحسب الطرح الذي يتكرر في بعض الأوساط، فإن المشكلة ليست فقط في العدد، بل في طبيعة الصلاحيات، حيث تعتبر المواقع الأخرى أكثر تأثيرا في القرار السيادي للدولة.
من الواضح أن القرارات المتعلقة بسلاح حزب الله، وسيادة الدولة على كامل أراضيها، وطرد القائم بالأعمال الإيراني، ستسقط بالسياسة وبالشارع، كما كامل حكومة نواف سلام، بإعادة لما حدث بحكومة الحريري عام 2011
الحرب كأداة تفاوض.. تبدل في الخطاب
مع الحرب الحالية، بدأ يظهر تحول في الخطاب داخل بعض الأوساط القريبة من محور حزب الله. كذلك، هناك اعتراف متزايد، وإن كان غير مباشر، بأن حرب 2024 لم تحقق نتائج ميدانية حاسمة لصالح حزب الله، وأن حرب 2026 هي فرصة لتحسين الموقع والواقع السياسي للحزب والمحور ككل، وهذا دفع إلى إعادة تفسير دور الحرب نفسها.
لم تعد الحرب تُقرأ فقط كصراع عسكري، بل كأداة لتحسين موقع إيران في التفاوض الإقليمي ولإعادة تثبيت التوازن السياسي داخل لبنان بل إن بعض الأطروحات ذهبت أبعد، لتتحدث عن التحضير لمرحلة قد يتغير فيها دور السلاح نفسه.
سيناريوهان: بين فرض التوازن أو تغييره
في ضوء ذلك، يمكن رسم مسارين محتملين:
سيناريو "الانتصار"
في حال تم تسويق نتيجة الحرب كنجاح لحزب الله، حتى بالحد الأدنى، قد نشهد إعادة فرض التوازن السياسي بالقوة، وتكرار نماذج سابقة مثل أحداث بيروت في مايو/أيار 2008، أو تحولات القمصان السود عام 2011.
هنا، من الواضح أن القرارات المتعلقة بسلاح حزب الله، وسيادة الدولة على كامل أراضيها، وطرد القائم بالأعمال الإيراني، ستسقط بالسياسة وبالشارع، كما كامل حكومة نواف سلام، بإعادة لما حدث بحكومة الحريري عام 2011.
سيناريو الخسارة أو الغموض
أما في حال الخسارة وتراجع دور السلاح وفرض صيغة دولية لنهايته، فسيُطرح بديل واضح: تعديل النظام بما يتناسب مع المتغيرات الديمغرافية وأحجام الطوائف في لبنان. وقد يشمل ذلك:
- قانونا انتخابيا جديدا، مقنعا بغطاء إصلاحي كما نص اتفاق الطائف، بعيدا عن الطائفية السياسية.
- إعادة توزيع الصلاحيات والمناصب الكبيرة بالدولة، كتثبيت حصة وزير المال للطائفة الشيعية.
- أو طرح صيغ قريبة من المثالثة بالمعنى الواسع للكلمة، مع كامل المندرجات لهذا التقسيم في كافة السلطات.
لا يدور النقاش اليوم حول إصلاح جزئي، بل حول سؤال أكبر: هل يمكن للبنان أن يبقى على صيغة الطائف في ظل تغير ميزان القوى الديمغرافي والسياسي، خصوصا في ظل ترقب الأفرقاء لانعكاس نتائج الحرب الحالية في السياسة لاحقا؟
نافذة التغيير.. دور العامل الخارجي
يتقاطع هذا النقاش مع ما طرحته اللجنة الخماسية (سفراء مجموعة الدول الخمس: الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، قطر، ومصر)، عقب اندلاع الحرب مباشرة، وكان اجتماع مجلس النواب لتأجيل الانتخابات لعامين كاملين، بغض النظر عن وقت انتهاء الحرب. شكل هذا الاقتراح يمكن بلورته كالتالي:
تأجيل الانتخابات لعامين، وهي فترة مناسبة لتحقيق الأمور التالية: معالجة مسألة السلاح إدخال إصلاحات سياسية وهيكلية للنظام، تتناسب مع مرحلة ما بعد السلاح، أول توجهاتها قانون الانتخابات الحالي.
وهذا يعني أن إعادة تشكيل النظام قد لا تكون فقط نتاج توازنات داخلية، بل أيضا نتيجة تسوية دولية.
ما بعد الطائف؟
في النهاية، لا يدور النقاش اليوم حول إصلاح جزئي، بل حول سؤال أكبر: هل يمكن للبنان أن يبقى على صيغة الطائف في ظل تغير ميزان القوى الديمغرافي والسياسي، خصوصا في ظل ترقب الأفرقاء لانعكاس نتائج الحرب الحالية في السياسة لاحقا؟ السؤال الأكبر هو: هل تفتح الحرب الحالية الباب أمام مرحلة "ما بعد الطائف"؟
في كلتا الحالتين، يبدو واضحا أن النظام اللبناني دخل مرحلة إعادة تعريف؛ إما أن يعاد تثبيته بالقوة، أو يعاد تشكيله عبر التفاوض. لكن الأخطر من الخيارين هو أن يتم ذلك دون صيغة اتفاق تجمع كل المكونات… عندها، لا تكون النتيجة إصلاحا، بل بداية أزمة جديدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
