تعتبر الكوميديا ومسلسلاتها أحد أهم أنواع المسلسلات التي حجزت مكانة رفيعة في قلوب المشاهدين.
فهذا الخط في إنتاج المسلسلات التلفزيونية العربية ليس بجديد، بل نرى أعمالا كوميدية ذات تاريخ، وحازت مبكرا مكانة بين أنواع المسلسلات والدراما المختلفة. فما هي أبرز محطات الكوميديا العربية؟
على صعيد الدراما السورية تم إنتاج أعمال كوميدية في عقد الثمانينيات، تركت أثرا بالغا وعميقا أكثر من أي دراما أخرى، خاصة مع تقديمها سنة 1984 سلسلة "مرايا" لأول مرة
الكوميديا العربية في مسلسلات السبعينيات
بعد إنشاء التلفزيونين المصري والسوري في ستينيات القرن الماضي، تم البدء بإنتاج أعمال كوميدية حقيقية. ففي هذه الفترة تم إنتاج أعمال كوميديا مميزة باختلاف جنسياتها. فمثلا، في الدراما المصرية نرى "أحلام الفتى الطائر" (سنة 1978)، وهو من بطولة الفنان عادل إمام، وفي سوريا برزت مسلسلات لدريد لحام، ونهاد قلعي، ورفيق سبيعي مثل "مقالب غوار"، "حمام الهنا"، وغيرها.
واتسمت كوميديا السبعينيات بوجود عدد لا بأس به من أعمال الكوميديا السوداء، التي تم استقاؤها من الواقع، وتمت من خلالها مناقشة الواقع دون إغفال أي جانب، فكانت كوميديا تلامس الجوانب السياسية والاجتماعية بصورة واقعية دون إسفاف أو مبالغة، بحيث أخرجت كوميديا ذات طابع مؤثر وهادئ في نفس الوقت، إلى جانب كونها محط اهتمام المشاهد. وأنتجت الدراما الخليجية مسلسلات ما زالت حاضرة مثل "درب الزلق".
الكوميديا العربية في الثمانينيات
في الثمانينيات ارتفعت مكانة الكوميديا بين الأنواع الدرامية المختلفة، وكانت ذات شهرة. فعلى صعيد الدراما السورية تم إنتاج أعمال كوميدية في عقد الثمانينيات، تركت أثرا بالغا وعميقا أكثر من أي دراما أخرى، خاصة مع تقديمها سنة 1984 سلسلة "مرايا" لأول مرة.
هذه السلسلة الشهيرة، التي قام ببطولتها الفنان القدير ياسر العظمة، شكلت انعطافا في تاريخ الكوميديا السورية والعربية ككل لأسباب عديدة، أهمها الشكل الجديد (اللوحات الكوميدية التي قدم من خلالها هذا العمل الكوميدي)، واستمراريته لسنوات طويلة لاحقة، وكان في كل مرة يأتي بجديد تتجلى فيه عبقرية المؤلفين.
فعلى الرغم من سنوات العرض الطويلة، لم تقع هذه السلسلة في فخ التكرار، ولم يقع المشاهد بالتالي في مصيدة الملل، فظلت رغبة متابعة العمل سائدة.
وإلى جانب كل هذه الأسباب، كان تقاطع أكثر من نوع من أنواع الكوميديا في هذا العمل، ما بين كوميديا نقدية وكوميديا اجتماعية وكوميديا الموقف.
أما على صعيد الكوميديا المصرية، ففي مجال المسلسلات تم إنتاج عدد من المسلسلات الكوميدية مثل "عائلة الأستاذ شلش" و"بكيزة وزغلول". وكانت ريادة السينما المصرية لا في مجال الأفلام الكوميدية فقط، بل في السينما بشكل عام، لأسباب عديدة.
اتجهت الكوميديا المصرية بقوة أكثر من ذي قبل إلى أعمال كوميديا هادفة، ظلت خالدة إلى يومنا هذا، وأهمها مسلسل "يوميات ونيس"، الذي ألقى الضوء على الكثير من المظاهر الاجتماعية
المسلسلات الكوميدية في التسعينيات
قدمت الكوميديا العربية، سواء أكانت مصرية أم سورية، إنتاجات كوميدية مهمة جدا في عقد التسعينيات، واللافت في كوميديا هذا العقد أنها كانت مختلفة من حيث الطرح والمعالجة.
فقد قدمت الكوميديا على اختلافها طرحا جديدا ومعالجة عميقة، تعدت في هدفها الإضحاك وتقديم وجبة كوميدية دسمة للمشاهد إلى إثارة أسئلة كبرى، ولفت النظر إلى قضايا مهمة.
فكانت سلسلة "مرايا"، وهي امتداد لعقد الثمانينيات، وإلى جانبها نرى للكوميديا السورية حضورا مميزا في التسعينيات، مثل "أحلام أبو الهنا"، ومسلسل "دنيا"، ومسلسل "يوميات مدير عام"، الذي يعتبر من أهم أعمال الكوميديا النقدية في تسعينيات القرن الماضي.
أما الكوميديا المصرية في نفس الفترة الزمنية، فقد قدمت أعمالا لا تنسى، فنجد عددا من الأعمال ذات الطابع الدرامي، إلا أن شخصيات فيها راوحت بين الدراما والكوميديا، مثل شخصية سليمان غانم في مسلسل "ليالي الحلمية"، التي أداها الفنان صلاح السعدني.
أما عن الأعمال الكوميدية الخالصة، فقد اتجهت الكوميديا المصرية بقوة أكثر من ذي قبل إلى أعمال كوميديا هادفة، ظلت خالدة إلى يومنا هذا، وأهمها مسلسل "يوميات ونيس"، الذي ألقى الضوء على الكثير من المظاهر الاجتماعية عن طريق هذه العائلة (عائلة ونيس). فقدم المسلسل وجبة كوميدية هادفة بامتياز، وقد تبنى هذا الخط في التلفزيون والمسرح على حد سواء الفنان محمد صبحي. وإلى جانب ذلك كانت مسلسلات كوميدية أخرى مثل "البخيل وأنا"، وغيره.
مرت الكوميديا العربية، مصرية كانت أم سورية، بمحطات ومراحل عديدة، كانت تعطي وتقدم لكل مرحلة ما تقتضيه هذه المرحلة، بحيث كانت الكوميديا، وما زالت، وستظل أداة للتنفيس والتعبير عن المشاكل اليومية التي تقف عثرة في طريق المواطن البسيط
الكوميديا في الألفية الجديدة
في هذه الفترة جادت الكوميديا العربية في مجال مسلسلات الشاشة الصغيرة بأكثر من عمل من نوعية الـ"سيت كوم"، بحيث كانت كوميديا قصيرة وعائلية ممزوجة بالواقعية، مثل "راجل وست ستات" و"تامر وشوقية"، وغيرها.
هذه الفترة امتازت أيضا بالجدة، عدا بعض الأعمال التي كانت امتدادا لما تم عرضه في عقد التسعينيات، إذ إن العديد من الأعمال جاء بأطروحات جديدة تناسب المتغيرات الحياتية الاجتماعية والسياسية، مثل دخول التكنولوجيا في حياتنا، والتغيرات المرتبطة بالأحداث السياسية. فقد قدمت الكوميديا المصرية، بالإضافة إلى ما سبق، مسلسل "الكبير" بأجزائه.
وعلى صعيد الكوميديا السورية، يمكن تقسيم ما قدمته إلى ما قبل الحرب وما بعدها. ففي فترة ما قبل الحرب قدمت عددا من الأعمال الكوميدية مثل "أبو جانتي"، وهو مسلسل كوميدي يرصد عددا من الظواهر الاجتماعية عن طريق البطل سائق التاكسي (أبو جانتي)، وأدى هذا الدور سامر المصري ببساطة وقوة وعمق، على الرغم من أنه مقل في أداء الشخصيات الكوميدية.
تبقى الأعمال الكوميدية، على اختلاف شكلها، لونا من ألوان المسلسلات التلفزيونية، لها جمهور واسع يتابعها
وهناك أيضا عمل كوميدي من أهم الأعمال الكوميدية السورية، إذ تم عرضه طوال 15 عاما، وهو مسلسل "بقعة ضوء"، وقد رصد التغيرات قبل الحرب وبعدها عن طريق لوحات منفصلة بأيدي عدد من المخرجين والمؤلفين، ومشاركة عدد كبير من نجوم الدراما السورية.
وهناك أيضا مسلسل "أزمة عائلية"، حيث عرض المسلسل المصاعب التي تعيشها عائلة سورية بسبب الحرب، إلى جانب أعمال كوميدية نقدية، تعتبر مثالا على الكوميديا السوداء، مثل مسلسل "ضبوا الشناتي".
لقد مرت الكوميديا العربية، مصرية كانت أم سورية، بمحطات ومراحل عديدة، كانت تعطي وتقدم لكل مرحلة ما تقتضيه هذه المرحلة، بحيث كانت الكوميديا، وما زالت، وستظل أداة للتنفيس والتعبير عن المشاكل اليومية التي تقف عثرة في طريق المواطن البسيط.
وتبقى الأعمال الكوميدية، على اختلاف شكلها، لونا من ألوان المسلسلات التلفزيونية، لها جمهور واسع يتابعها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

