الأعلام في سوريا.. من التنوع إلى صراع على الهوية والسيادة!

سوريات يرفعن أعلام الثورة السورية - تعليم العربية
الكاتبة: استعادة "المعنى" للعلم السوري تتطلب الانتقال من مرحلة "الاحتواء" إلى مرحلة "الحزم السيادي" (وكالة الأنباء الأوروبية)
  • الرايات المتقابلة في سوريا.. حين يتحول "التسامح" إلى ثغرة في جدار الوطنية
  • حين تتزاحم الرايات.. ماذا يتبقى من الدولة؟

في المشهد السوري اليوم، لم يعد تعدد الأعلام مجرد تفصيل بصري يمكن إدراجه ضمن التنوع الثقافي، بل تحول إلى صراع بصري يعكس عمق الأزمة السيادية.

في أكثر من مدينة، يتكرر مشهد لم يكن مألوفا: أعلام انفصالية، رايات ذات طابع ديني أو مناطقي، رموز تاريخية عابرة للحدود، وأحيانا أعلام لدول أخرى معادية، ترفع في الفضاء العام، مقابل حوادث متكررة لإنزال العلم السوري أو استبداله قسرا.

هذا الإحلال الرمزي ليس احتجاجا سياسيا عابرا، بل هو إعلان صريح عن تآكل المظلة الوطنية لصالح هويات موازية، بدأت تسحب الشرعية من الرمز الجامع لتضعه في يد القوى المحلية.

في أدبيات الهوية السياسية، ينظر إلى العلم باعتباره الإطار الذي يجمع المختلفين، لا بوصفه طرفا في الصراع. أما حين يصبح هذا الرمز قابلا للاستبدال أو الإقصاء، فإن ذلك يعد مؤشرا مبكرا على تفكك الإطار الجامع، لأن العلَم ليس تفصيلا، بل مرجعية سيادية تختصر العقد الاجتماعي، ما يعني أن فكرة الدولة نفسها باتت موضع إعادة تعريف.

هذه الرايات لا تخلق تنوعا، بل ترسم حدودا نفسية وسياسية بين السوريين، وتستبدل بمنظومات الولاء الوطني منظومات "وكالة"، يصعب إعادة جمعها لاحقا

من التعدد إلى التنازع الرمزي

في السياقات الطبيعية، لا يشكل تعدد الرموز خطرا بحد ذاته، ما دامت تحت سقف الهوية الأم. لكن في الحالة السورية، تجاوزت الظاهرة هذا الحد، لتتحول الرايات إلى تعبير عن هويات سياسية موازية، لا مجرد خصوصيات اجتماعية؛ فكل علم يحمل سردية إقصائية تلمح، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى تصور خاص للسلطة والانتماء.

وفي بعض الحالات، تتجاوز هذه الرموز بعدها الثقافي لتقترب من مشاريع سياسية موازية، سواء كانت فئوية أو ذات طابع انفصالي، تعيد تعريف الانتماء خارج الإطار الوطني. هنا، لا يعود السؤال ثقافيا، بل وجوديا: أنحن أمام تعبير عن خصوصية اجتماعية، أم إعادة تعريف جذرية للولاء الوطني؟

إعلان

إن إنزال رمز الدولة لرفع رمز الفئة هو المؤشر المبكر على تفكك العقد الاجتماعي، حيث يصبح العلم الوطني طرفا في الصراع بدلا من أن يكون الحاضن لكل الأطراف.

بين الهوية والارتهان.. ماذا تقول الرايات؟

لا يمكن قراءة رفع هذه الرايات بمعزل عن دلالاتها السياسية. ففي حالات معينة، لا يرتبط رفعها فقط بالتعبير عن خصوصية ثقافية، بل يتقاطع مع مشاريع سياسية أوسع، أو مع أشكال من الاستقواء الخارجي. وفي السياقات الأكثر حساسية، حين ترفع أعلام لدول أخرى، أو يطرَح تدخل خارجي كخيار، فإن المسألة تتجاوز الرمزية لتلامس مفهوم السيادة ذاته.

هذا لا يعني بالضرورة أن جميع هذه التعبيرات تنطلق من نوايا واحدة، لكنه يكشف عن واقع معقد: تعدد في المرجعيات والولاءات، وتباين في تعريف الانتماء، وغياب إطار جامع قادر على استيعاب هذا التنوع.

هذه الرايات لا تخلق تنوعا، بل ترسم حدودا نفسية وسياسية بين السوريين، وتستبدل بمنظومات الولاء الوطني منظومات "وكالة"، يصعب إعادة جمعها لاحقا.

فخ التسامح وتآكل السيادة: المفارقة السورية

في مرحلة ما بعد الحرب، بذلت الحكومة، عبر خطاب السلم الأهلي، جهودا استثنائية لحماية المدنيين ومنع الانفجار الداخلي، لكن المفارقة أن هذا الهامش من الاستقرار تحول إلى ثغرة استغلتها بعض المكونات لرفع رايات التمرد.

لقد بات واضحا أن الدولة تحاول احتواء الانقسامات بروح الأبوة، بينما ترد بعض الأطراف بجحود سياسي يرى السيادة الرمزية مجرد خيار خاضع للمساومة.

الدول لا تتفكك فقط عندما تنقسم جغرافيا، بل أيضا حين تفقد قدرتها على توحيد المعنى. فتزاحم الرايات ليس مجرد مشهد عابر، بل هو تعبير عن أزمة أعمق في مفهوم الدولة والهوية

استعادة الرمز.. من الشعارات إلى الحزم القانوني

إن استعادة "المعنى" للعلم السوري تتطلب الانتقال من مرحلة "الاحتواء" إلى مرحلة "الحزم السيادي"، حيث لا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل "زحام الرايات". لذا فإن الحل يبدأ من:

قانون سيادي صارم: يجرم رفع أي علم يطالب بالانفصال أو الارتهان للخارج، ويعيد للعلم الواحد هيبته كمرجع وحيد.

كشف الأجندات: مواجهة خطاب "المظلومية" الزائفة بحقائق الواقع التي تثبت أن الدولة هي الحامي الوحيد، وأن البدائل هي مشاريع تفتيت.

ربط الحقوق بالولاء: التأكيد على أن حماية المواطنين حقوقيا لا تبرر رفع أعلام بديلة، وأن الانتماء للهوية السورية التزام وليس وجهة نظر.

وهنا، المسألة لا تتعلق برمز بحد ذاته، بل بقدرة هذا الرمز على تمثيل جميع مكونات المجتمع دون استثناء، وعلى استعادة الثقة به كتعبير عن كيان جامع، لا عن طرف دون آخر.

ما الذي يبقى حين تتعدد الرايات؟

الدول لا تتفكك فقط عندما تنقسم جغرافيا، بل أيضا حين تفقد قدرتها على توحيد المعنى. فتزاحم الرايات ليس مجرد مشهد عابر، بل هو تعبير عن أزمة أعمق في مفهوم الدولة والهوية.

في لحظة كهذه، لا يصبح الخطر في تعدد الرموز بحد ذاته، بل في غياب رمز واحد قادر على أن يكون مظلة للجميع. وحين يغيب هذا الرمز، لا تتكاثر الرايات فقط، بل تتكاثر الدول داخل الدولة الواحدة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان