هندسة السيادة بعد هرمز.. كيف يعيد الخليج بناء أمن الطاقة؟

مضيق هرمز الشريان الحيوي لحركة التجارة (صورة من AFP)
مضيق هرمز الشريان الحيوي لحركة التجارة (الفرنسية)

أزمة مضيق هرمز لم تكشف خطر الممر وحده، بل كشفت خللا أعمق من ثروة وماء وكهرباء وصناعة لا تزال معلقة على عنق زجاجة واحد.

والخليج العربي لا يخسر حين يُغلق مضيق هرمز فحسب، بل يخسر كلما ظل نظامه الطاقوي واللوجيستي مبنيا على فرضية واحدة، بأن هذا الشريان سيبقى مفتوحا ورخيص الكلفة ومطواعا لكل طارئ.

فالمأزق الذي كشفته حرب 2026 ليس مأزق عبور بحري عابر، ولا عثرة عسكرية ترمم ببيان ردع أو دورية إضافية، إنه انكشاف في أصل المعمار. فحين تعلَّق صادرات النفط والغاز، وإمدادات الماء، وكلفة الكهرباء، وسلامة السلاسل الصناعية على عنق زجاجة جيو-اقتصادي واحد، تصبح المشكلة في تصميم المنظومة ذاتها قبل أن تكون في سلوك الخصم.

الأرقام تفضح هذا الخلل بصرامة لا تجامل، فقد مر عبر هرمز في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميا من النفط والسوائل، أي قرابة خُمس الاستهلاك العالمي، فيما قدرت وكالة الطاقة الدولية أن ما عبره في 2025 قارب 20 مليون برميل يوميا، مع مرور حصة وازنة من تجارة الغاز الطبيعي المسال أيضا.

ومعنى ذلك أن الخليج العربي لا يصدر مادة خاما فحسب؛ إنه يصدر ثروته عبر نقطة ضيقة، فإذا اختنقت النقطة اختنق معها الإقليم والأسواق الآسيوية وسلاسل التسعير والتمويل في آن واحد.

ولهذا فهرمز ليس ممرا مهما فقط، بل هو مركز ثقل اختل توزيع المخاطر حوله على نحو بالغ الخطورة. ولذلك، لم تكن القفزة في أسعار النفط والشحن والتأمين مجرد أثر نفسي للحرب، وإنما كانت ترجمة مالية لخلل بنيوي.

رفعت السعودية في مارس/آذار 2026 صادرات ينبع على البحر الأحمر إلى 3.8 ملايين برميل يوميا، مستفيدة من خط الشرق-الغرب، الذي تبلغ طاقته نحو 7 ملايين برميل يوميا

نقلت رويترز في مارس/آذار 2026 أن أقساط التأمين الحربي على الشحن في الخليج قفزت في بعض الحالات بأكثر من ألف في المئة، وأن الولايات المتحدة الأمريكية دفعت إلى إنشاء آلية لإعادة التأمين البحري تصل إلى 20 مليار دولار لاستعادة قدر من الثقة في المرور.

إعلان

وفي الوقت نفسه تجاوزت أجور ناقلات الخام العملاقة على مسار الشرق الأوسط-الصين 400 ألف دولار يوميا، بينما صعدت أجور ناقلات الغاز المسال بأكثر من 40%.

وحين تحتاج الحركة التجارية في ممر واحد إلى هذا القدر من إعادة التسعير والدعم والتأمين الاستثنائي، فالمشكلة لا تبقى في سلامة الملاحة وحدها، وإنما في هشاشة البنية التي راهنت طويلا على أن المخاطر ستظل هامشية.

غير أن الأهم هو أن البدائل القائمة، على ضرورتها، لا تزال دون مستوى الفجوة؛ فوكالة الطاقة الدولية تقدر القدرة المتاحة لتجاوز هرمز عبر المسارات السعودية والإماراتية بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يوميا، بينما قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في 2025 أن الطاقة المتاحة فعليا للالتفاف قد لا تتجاوز 2.6 مليون برميل يوميا.

وقد رفعت السعودية في مارس/آذار 2026 صادرات ينبع على البحر الأحمر إلى 3.8 ملايين برميل يوميا، مستفيدة من خط الشرق-الغرب، الذي تبلغ طاقته الاسمية نحو 7 ملايين برميل يوميا، مع قرابة 5 ملايين مخصصة للتصدير.

ومع ذلك يبقى هذا النجاح السعودي جزئيا، لأنه لا يحل معضلة الإقليم كله. وقد ظهر ذلك بوضوح حين اضطر العراق إلى إعلان القوة القاهرة على بعض الحقول، بعد تعطل الصادرات عبر الجنوب وتراجع إنتاج البصرة من 3.3 ملايين برميل يوميا إلى 900 ألف فقط موجهة للتكرير المحلي.

والمعنى الصريح: الخطوط البديلة تخفف الصدمة، غير أنها لا تنهي بنية الاختناق. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى نقلة في العقيدة، لا إلى زيادة في الحراسة فقط؛ فحماية الممر مطلوبة، لكنها تعالج الأعراض وتترك أصل العلة على حاله.

اختناق الممر لا يهدد البنزين ووقود الطائرات وحدهما، بل يمتد إلى الزراعة وسلاسل الغذاء وكلفة الصناعة الثقيلة ومراكز البيانات التي تبحث عن كهرباء مستقرة ومياه مضمونة وسلاسل توريد يمكن الوثوق بها

العقيدة الأجدى تبدأ من تفكيك قابلية الابتزاز نفسها، عبر توسيع الاستخدام الفعلي للمسارات الغربية إلى البحر الأحمر وخليج عمان، ونقل جزء من ثقل المخزون إلى خزانات تجارية وسيادية قرب مراكز الطلب في آسيا وشرق أفريقيا والبحر المتوسط، وبناء أدوات تأمين وإعادة تأمين إقليمية للطاقة تقلل الارتهان الكامل لتسعير المخاطر في أسواق الخارج، ورفع الحصة المصدرة من المنتجات المكررة والبتروكيماويات وسلاسل القيمة الأعلى تصنيعا.

وذلك لأن الخام الأكثر تعرضا للاختناق هو الخام الأقل تحصنا بالقيمة المضافة، والدولة التي تعيد توزيع صادراتها ومخزونها وتمويلها وتأمينها لا تحرس الممر فحسب، بل تعيد تصميم وزن الممر داخل اقتصادها.

والخطورة تتجاوز النفط إلى ما هو أعمق، وهو الماء والكهرباء والغذاء؛ فالخليج العربي يضم نحو 44% من طاقة التحلية العالمية، والتحلية في عدد من دوله تلتهم حصصا كبيرة من الكهرباء، ما يجعل أي صدمة طاقوية أو لوجيستية صدمة مائية أيضا. ومع اتساع الحرب في مارس/آذار 2026، ربطت رويترز بين اضطراب هرمز وارتفاع أسعار الأسمدة النيتروجينية بنسبة 30-40%.

هذا يكشف أن اختناق الممر لا يهدد البنزين ووقود الطائرات وحدهما، بل يمتد إلى الزراعة وسلاسل الغذاء وكلفة الصناعة الثقيلة ومراكز البيانات التي تبحث عن كهرباء مستقرة ومياه مضمونة وسلاسل توريد يمكن الوثوق بها. وعند هذه النقطة يتبدد الوهم القائل إن هرمز شأن نفطي صرف؛ فهرمز، في الحقيقة، ملف دولة كاملة.

إعلان

لهذا كله، لا تكمن المسألة في السؤال: كيف نعيد فتح المضيق إذا أغلق؟ فالسؤال الأشد رجاحة هو: كيف نمنع أن يبقى المضيق وحده هو الشرط الطبيعي لاستمرار الثروة؟ تلك هي العقيدة الطاقوية الجديدة التي يحتاجها الخليج: أمن البدائل، وأمن التخزين، وأمن التأمين، وأمن الماء والكهرباء، وأمن القيمة المضافة، وأمن الاستمرارية التشغيلية.

فالجغرافيا لا تهزم بالشعارات، ولا تروض بردود الفعل المتأخرة. الجغرافيا تهندس. والخليج العربي لن يربح من نفطه على الوجه الأكمل ما دام يترك أهم ثرواته معلقة في رقبة ممر واحد، يتسع كلما اتسعت الدولة، ويضيق كلما ضاقت رؤيتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان