مع حلول شهر رمضان الكريم، تتغير موازين النفس، وينقلب الزمان نحو الاختصار، حيث تكون ساعات العمل أقل مما جرت به عادة الناس؛ إذ تغدو المدارس خالية على عروشها من المتعلمين والمعلمين عند حلول مواقيت العصر، بينما تكتظ الأسواق بالذين يرسمون لوحة استهلاكية لشهر الله، ويعتكف آخرون في منازل ضيعت مفاتيحها.
لكننا ننظر إلى أمر على قدر كبير من الاجتهاد، وصعوبة نراها نحن سهلة المرام، لكنها في الحقيقة عمل شاق ومتعب لطفل لم يفقه العورات الثلاث: أن يقرر صيام أيام معدودات، لا تكليفا بل امتثالا لأعظم الأوامر اختيارا.
حين يختار الطفل الصيام وهو بعدُ يزاول دراسته، فإن قراره- وإن كان اختياريا وقد لاقى تشجيعا من عائلته- إنما يعكس رغبته في أن يصبح جزءا من ذلك النسيج الذي تتكامل وظائفه الاجتماعية في صورتها الحضارية؛ إذ يكون الاحتفاء بصومه، ولو ليوم، مقترنا بمدى استجابتنا لرغبة الطفل في أن ينال الاهتمام اللازم، والتكفل باحتياجاته قبل تسليط الأوامر عليه عقوبة له.
فليس الطفل مكلفا أن يكون خادما يرتمي بين جلب الأشياء أو فتح الأبواب، بل هو عالم متكامل من الرغبات يسعى إلى تحقيق ذاته.
لكننا سنفارق دائرة العائلة نحو مجتمع تعليمي يمثل الفضاء الآخر للطفل، أو بالأحرى عائلة مكتظة عن آخرها بالمتشابه والمختلف، والمشاغب والذكي، لنفهم حاجات المتمدرسين للاعتراف، الذين يتركون طعامهم بين السحور وأذان المغرب. أفيكتشف الأطفال عالما مغايرا، أم إن شهر رمضان مدرسة للصغار لاستكشاف معنى العالم؟
يمثل رمضان مدرسة فريدة من نوعها للأطفال؛ إنه يمنحهم تجربة في غاية الحضور والمسؤولية، فهم غير ملزمين بشيء من التكليف، لكنهم اختاروا طوعا أن يعاينوا بذواتهم ماهية الصيام
المحفزات الثلاثة للطفل
ربما تتلخص حياة الطفل في ثلاثة أشياء مهمة، تكون بمثابة عالمه الخاص، الذي لا يمكن أن يتنازل عنه إلا لضرورة تقتضي الامتثال لمن هو أعلى سلطة منه؛ حيث تأتي القوة عنوانا لسلطة الآباء، مرفقة بهيمنة العائلة والمجتمع.
لكنه، في كثير من الأحيان، لا يخضع للطقوس والتقاليد بقدر ما يرفض- وفق ما يعتقده صحيحا- مجموعة الأوامر والخطابات الصادرة عن الوالدين، حيث يمكنهما كتابة فصول تحت عنوان الحياة الطفولية.
يستجيب الطفل للمحفزات الثلاثة الفاعلة والمؤثرة في سلوكياته مباشرة، والمتمثلة في: الانتماء العائلي والاجتماعي، وحاجة اللعب، وفضول الاكتشاف.
إذ تكون العائلة كمفهوم لا يُختصر في الوالدين فحسب، بل ثمة فضاءات أخرى تمثل عائلة الطفل؛ فالمجتمع والمدرسة يضعان النقاط على سلوك الصغار، ويرسمان ملمحا مربكا لتعريفات العائلة الحقيقية، وبدل الاهتمام بالمدرسة كفضاء يشغل الحيز الأكبر لتنشئة المتعلمين، كونهم يملكون الخصوصية في تقديم ذواتهم والتمتع بفروقاتهم الفردية، يتم اختزال أطوار التعليم الثلاثة في مناهج مثقلة بالمفاهيم، وفاقدة للحس الإبداعي والفني.
إن الطفل يرغب في أن يتمرغ في التراب، وأن يلقي حذاءه ليركض مسرعا حافيا، يعانق الأشجار ويتشاجر مع أقرانه؛ إذ يعشق اللعب كونه المحفز الثاني له للبقاء على حيويته، فهو منغمس في عالمه الطفولي، لا يريد الخروج منه، بل هو غير آبه بذلك العالم الكبير، الذي تترامى أطرافه بين القهر والاستغلال، والفن والجمال، فيكفيه صراخ أقرانه في الشارع عن كل اهتمام داخل البيت.
أما الأمر الثالث، فيبدو مربكا لنا، لكنه محفز للاستجابة لرغبات الطفل؛ فالفضول والهوس بمعرفة العالم لا يقتصران على تعريفاته عند الآخرين، فالأطفال يعيدون شرح العالم ضمن رؤيتهم الفردية.
أعني أن بإمكان الطفل أن يفسر الشجرة كونها صديقا له، أو أن يصوم يوما من رمضان لفتح مسار تحدٍ نحو الكبار، إذ تنطلق محاولاته لاستكشاف ما حوله من قدرته على ابتكار نموذجه الخاص، ذاك الذي يسأل بكثرة، ويلعب بمرح، ويتشاجر لنيل ما يريده، ويسعى جاهدا لفهم العالم، حين يُخرج لسانه ليرينا أنه صائم.
قد يؤثر الصوم في التحصيل الدراسي لدى المتعلمين الصغار الذين لم يبلغوا الحلم بعد، إلا أن اختيارهم ذاك يصقل مواهبهم، ويفتح لهم أفقا نحو معرفة الأشياء من قرب
مدرسة رمضان
يمثل رمضان مدرسة فريدة من نوعها للأطفال؛ إنه يمنحهم تجربة في غاية الحضور والمسؤولية، فهم غير ملزمين بشيء من التكليف، لكنهم اختاروا طوعا أن يعاينوا بذواتهم ماهية الصيام، وكيف أن فلسفة الإمساك ليست مختزلة في ترك الطعام والشراب لدى الكبار، بل إنها تدريب نفسي نحو الانضباط، ومتعة تفتح مسارات مغايرة لفهم العالم.
ربما علينا أن نسأل أنفسنا، نحن الذين خضنا غمار المسؤولية والتكليف، عن الذي يريده الطفل حين يتبنى شيئا يختص به الكبار، ذاك الذي يعيد تعريف الطفولة في جوانب إبداعية وجمالية؛ فالنفس تكره ترك الأشياء، وتتعلق بما لا تملكه، بل إنها ترغب في المزيد حينما تجتاحها ثقافة سريعة الاستهلاك.
وهذا العالم الصغير المكتنز باللعب واللامسؤولية يرغب في أن يخبرنا نحن، الذين نراهم غير واعين ولا يملكون القدرة على تنمية قدرات ذواتهم، بأن بإمكانهم أن يرسموا لوحة فنية عنوانها الصيام، بكثير من الانتباه، والمساعدة في تجهيز مائدة الفَطور، وانتظار صدقات ليلة القدر المباركة.
قد يؤثر الصوم في التحصيل الدراسي لدى المتعلمين الصغار الذين لم يبلغوا الحلم بعد، إلا أن اختيارهم ذاك يصقل مواهبهم، ويفتح لهم أفقا نحو معرفة الأشياء من قرب، حتى لو تفاضلوا في ساعات الصيام؛ فيكفي أن يعلنوا انضمامهم إلينا، حتى يصوغوا معنى آخر لمفهوم المراقبة، ذلك الذي يلغيه رمضان من قواميس الترصد والتتبع، نحو معالجة الذات وتنميتها.
إن تجربة الصيام لا تؤتي أكلها في الحين، إذ تقطف ثمارها عندما تجتاح اللحظات الاستثنائية جيلا نشأ على مفهوم الاختيار بوصفه مسؤولية قبل أن يكون اندفاعا.
لا يشكل شهر رمضان مدرسة وعظية ولا برنامجا طقوسيا؛ فنحن، صغارا كنا أم كبارا، على عتبات التغيير التي توقظ مآذنها صوت الحرية بداخلنا
ورمضان، على قدر الدروس المستقاة منه، إثبات وجودي للذات على قدرتها على تحمل تبعات اختيارها.
فالمسألة لا تنطلق من مركزية وعينا بالعالم بقدر ما تسهم تجربة الأطفال الرمضانية في تلبية حاجتنا إلى تنمية الوعي لحظة الاختيار، حيث لا يكون الامتياز للذات أنانية، بل إسهاما في التغيير الاجتماعي والانتماء الحضاري.
لا يشكل شهر رمضان مدرسة وعظية ولا برنامجا طقوسيا؛ فنحن، صغارا كنا أم كبارا، على عتبات التغيير التي توقظ مآذنها صوت الحرية بداخلنا، قبل أن ترفع الشعارات، وتنسج الملاحم، وتروى قصص المنفيين.
فلِم لا نفرح بصوم الأطفال، ونهب لهم الهدايا، ونعدهم بالمكافآت؟ فثمة صور أخرى في عالم يتنافس على أصغر الأشياء تملكا، ليزيح عن المهمشين حق الاختيار.
علينا إكرام الأطفال لصومهم أياما معدودات، وقبل أن تكون المكافأة مادية ومحفزة، وجب أن «نعترف» لهم بالقدرة على الاختيار؛ إذ إنهم ليسوا بحاجة إلى الكلام للتعبير عن انتمائهم، فيكفي أن يخوضوا تجربة وجودية تخالف صورة عالم يكتنز اللعب واللامبالاة، نحو امتحان قاسٍ من المسؤولية، ليجدد فينا سؤال الاعتراف بالآخر، كونه طفلا يرفض التهميش. فهل نعي أن رغبة الطفل الحقيقية تكمن في اكتشاف العالم؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

