- ما وراء المشهد الجيوسياسي
تشير القراءة المعمقة للمشهد الإقليمي الراهن إلى أن السقوط المحتمل للدور الإيراني، أو على الأقل «تقليم أظافره» في المدى المنظور، يمثل هزة كبرى للاستقرار الإقليمي، غير أن هذه الهزة، رغم قسوتها، تحمل في طياتها بذور تحول بنيوي يصب في صالح المشروع الإستراتيجي للأمة.
إنها لحظة قدرية تعيد ترتيب الأولويات، وتنهي حقبة الاستقطاب الثانوي لصالح الصراع الوجودي الأساسي، الذي يجمع الصفوف بدلا من تشتيتها.
إن الضغط الإمبريالي الحالي، رغم قسوته الظاهرة، هو المحرك الأساسي لاستعادة فكرة «المصير الواحد»، ومن ثم استعادة الدور الحضاري للأمة
خطورة الموقف في المدى المنظور (التحديات الراهنة)
تكمن خطورة هذه المرحلة في محاولة فرض واقع «القطب الواحد» إقليميا، ويمكن تلخيص ملامح هذا الواقع في ثلاثة محاور رئيسية:
- بروز الهيمنة المطلقة
يظهر التحالف الصهيو-أمريكي كقوة إمبريالية غاشمة، تسعى إلى فرض سيادة مطلقة تتجاوز حدود الدول الوطنية، بهدف ضمان البقاء والاستتباع الدائم للمنطقة بأسرها.
- مشروع «يهودا الكبرى»
يستغل الكيان الصهيوني لحظة الانكفاء الإيراني لتمرير طموحاته العقائدية الدينية، الرامية إلى تغيير جغرافيا المنطقة، وتفتيت الدول المركزية السنية إلى كانتونات ممزقة تفتقر إلى السيادة الحقيقية.
- حالة «الغربلة» الإقليمية
تدخل المنطقة نفقا من عدم الاستقرار الأمني والسياسي، نتيجة محاولات إعادة رسم الخرائط وفق رؤية «الشرق الأوسط الجديد»، التي تستهدف إعادة تشكيل التوازنات على أسس طائفية وإثنية ضيقة.
يزول التهديد الإيراني فيُسحب البساط من تحت مشاريع التفتيت المذهبي (سني-شيعي)؛ وحينها سيدرك الجميع أن الاستهداف يتجاوز المذهب ليطول الهوية الوجودية ذاتها
الإيجابيات الاستشرافية (الفرص الإستراتيجية الكبرى)
خلف غبار المعارك الراهنة، تتشكل ملامح نهضة جديدة تنبع من «وحدة المصير»، وتتجلى في خمسة مسارات إستراتيجية حاسمة:
- إنهاء إستراتيجية «تشتيت العداء»
كان الوجود الإيراني يُستخدم- بقصد أو بغير قصد- ذريعة لتقسيم الصفوف بين «عداء لإيران» و«تحالف معها»؛ وسقوط هذا المتغير سيعيد توجيه كل البوصلات نحو العدو المركزي الواضح والمجمع عليه، دينيا وسياسيا واقتصاديا، مما ينهي حالة الالتباس التي استمرت عقودا.
- وأد الفتنة الطائفية واستعادة المركزية
يزول التهديد الإيراني فيُسحب البساط من تحت مشاريع التفتيت المذهبي (سني-شيعي)؛ وحينها سيدرك الجميع أن الاستهداف يتجاوز المذهب ليطول الهوية الوجودية ذاتها، مما يمهد لظهور «الرمز المقدس» والراية العقيدية الموحدة، التي تضع حدا لفكرة «الدولة التابعة».
- تآكل الدعم المطلق وتصدع الجبهة الداخلية الأمريكية
بفضل تداعيات «طوفان الأقصى»، تحول الدعم الأمريكي لإسرائيل من «ثابت إستراتيجي» إلى «عبء سياسي وانتخابي»، وبرز وعي أمريكي جديد يرى في إسرائيل خطرا على المصالح العليا لواشنطن، مما أحدث انقساما غير مسبوق داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.
- سقوط «السردية الصهيونية» عالميا
انكشف الوجه الإمبريالي غير الإنساني للكيان أمام الشعوب الغربية، مما أدى إلى عزلته أخلاقيا وسياسيا. وفتح ذلك الباب واسعا أمام تباين المواقف بين واشنطن والعواصم الأوروبية، خاصة مع بروز الشخصيات الاستعلائية في الإدارة الأمريكية، التي تسرّع من وتيرة هذا الشرخ.
- ملء «الفراغ الإستراتيجي» ببدائل حضارية
ستخلق الصراعات الدولية المتعددة (روسيا-أوروبا، الصين-أمريكا، والخلافات البينية داخل الناتو) فراغا في القوى الإقليمية.
وهذا الفراغ يمثل فرصة تاريخية لنشوء «تحالف حضاري إسلامي» قائم على وحدة اللغة والتاريخ والعقيدة، وربما الدخول في تحالفات «كونفوشيوسية-إسلامية» مع الصين لكسر الهيمنة الغربية الاحتكارية.
الخلاصة الإستراتيجية
ما يمر به الإقليم اليوم ليس سوى «مخاض عسير»؛ فالمكر الإلهي يهيئ الظروف لاستعادة دور الأمة، ويضعها أمام مسؤوليتها التاريخية.
إن الضغط الإمبريالي الحالي، رغم قسوته الظاهرة، هو المحرك الأساسي لاستعادة فكرة «المصير الواحد»، ومن ثم استعادة الدور الحضاري للأمة في نظام عالمي متعدد الأقطاب قيد التشكل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

