هكذا هي الحرب: تبدأ بذريعة وتكلف فاتورة يؤديها الجميع

المصدر: حساب @sawtkellebne على إكس موقع الغارة الإسرائيلية على مخيم عين الحلوة في لبنان https://x.com/sawtkellebnen/status/2024874075764518914?s=20
غارة إسرائيلية على مخيم عين الحلوة في لبنان (حساب @sawtkellebne على إكس)

كل الحروب تبدأ بذريعة، وتستمر بحسابات، وتنتهي -إن انتهت- بفاتورة لا يجرؤ أحد على قراءتها كاملة، يؤديها المعنيون وغير المعنيين.

فالحرب، مهما تغيرت شعاراتها وتعددت أطرافها، تبقى فعلا عبثيا لا ينتج نصرا حقيقيا، بل يؤجل الخسارة ويراكمها. وما يقدم للرأي العام على أنه "حسم" أو "تفوق"، لا يكون في جوهره سوى إدارة مؤقتة للخراب.

في بدايات النزاعات، يتوهم كل طرف أنه قادر على تحقيق مكاسب سياسية أو أمنية أو جغرافية أو غير ذلك. ترفع رايات السيادة، ويستحضر خطاب الدفاع عن المصالح العليا، غير أن الواقع سرعان ما يكشف أن الثمن المدفوع يفوق بكثير ما يراد تحقيقه.

الأرواح التي تزهق لا تعوض، والبنية التحتية التي تدمر لا تبنى بسرعة الشعارات، والمجتمعات التي تتصدع لا تعود إلى ما كانت عليه حتى بعد توقف القتال. وكلما طال أمد الحرب اتسعت دائرتها، فلم تعد تستنزف أطرافها المباشرين فقط، بل تمتد إلى كل من له علاقة بها، مباشرة أو غير مباشرة.

في قلب كل هذا الخراب، يبقى الإنسان هو الخاسر الأكبر، لا بوصفه رقما في نشرات الأخبار، بل ككائن يستنزف حتى آخر ما فيه. فالحرب، حين تطول، تستنزف السيول البشرية، وتتحول إلى نزيف دم مفتوح

تستنزف الثروات في دوامة التسلح والتهريب، وتعطل عجلة الإنتاج، وتشل التجارة، وتقايض التنمية بالأمن، وكأن الشعوب مطالبة بالعيش المؤجل إلى أجل غير مسمى. ومع الزمن، تتحول الحرب إلى اقتصاد قائم بذاته، تستفيد منه قلة، بينما تدفع الأكثرية كلفة لا تحتمل.

ولا تقف الخسائر عند حدود المال والسلاح، بل تتجاوزها إلى ما هو أعمق وأخطر. فالحروب الطويلة تستعمل، في غير ما سياق، ذريعة لتعليق المطالب الشعبية، وتبرير القمع، وتصفية المعارضين، وتكميم الأصوات باسم "الظرف الاستثنائي".

وهكذا لا تعود الحرب مجرد صراع خارجي، بل تتحول إلى أداة داخلية لإدارة الحكم بالخوف، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي على قاعدة الطاعة والاصطفاف القسري.

إعلان

أما الدول البعيدة عن ساحات القتال، فليست بمنأى عن الأثر؛ قد يستفيد بعضها تجاريا أو سياسيا على المدى القصير، لكنها سرعان ما تكتشف أن الفوضى لا تعترف بالحدود.

ارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل التوريد، وموجات الهجرة، وتآكل منظومة القانون الدولي، كلها ارتدادات لحروب لم تشارك فيها بالسلاح، لكنها ساهمت في إطالة عمرها بالصمت أو المصالح.

وفي قلب كل هذا الخراب، يبقى الإنسان هو الخاسر الأكبر، لا بوصفه رقما في نشرات الأخبار، بل ككائن يستنزف حتى آخر ما فيه.

فالحرب، حين تطول، تستنزف السيول البشرية، وتتحول إلى نزيف دم مفتوح: دماء الشهداء الذين سقطوا وهم يظنون أنهم يدافعون عن وطن أو كرامة، ودماء الضحايا الأبرياء الذين لم يختاروا الحرب يوما، بل فرضت عليهم وهم في بيوتهم، في مدارسهم، في حقولهم، وفي طرقات بحثهم عن لقمة العيش.

ثم هناك دماء أخرى، أكثر وجعا وصمتا: دماء من كانوا سبب اندلاع الحرب نفسها، حين ترتد عليهم آلة العنف التي أطلقوها. ولا ننسى الدماء المغدورة التي لا تراق في ساحات القتال، بل في الزنازين، وفي الأزقة الخلفية، وفي لحظات الخوف المعتمة… دماء يريقها غادر ليس عدوا في الحرب، بل صديقا أو شقيقا، يستغل الفوضى، ويختبئ خلف ضجيج المدافع، ليتخلص من معارضين، أو يصفي حسابات مؤجلة، أو يفرض صمتا بالقوة حين يعجز عن الإقناع.

لنا في التاريخ القريب والبعيد نماذج صارخة لحروب نشبت بين دول متجاورة، ساقها العناد السياسي وسوء التقدير إلى القتال بدل الاحتكام إلى الحوار والعقل. حروب اندلعت بين جيران جمعتهم الجغرافيا وفرقتهم الحسابات الضيقة، فكانت النتيجة دمارا متبادلا واستنزافا طويل الأمد

وإلى جانب نزيف الدم، يتواصل نزيف آخر لا يقل قسوة: نزيف الدموع في البيوت المكلومة، حيث تتحول الأمومة إلى انتظار دائم، والأبوة إلى عجز ثقيل، والطفولة إلى شيخوخة مبكرة. نزيف العرق في حياة يومية أثقلها الفقر، وكسرتها البطالة، وربطتها بوعود مؤجلة باسم "ما بعد الحرب". ونزيف الماء حين تقصف منابع الحياة، وتعطل الشبكات، ويستعمل العطش سلاحا صامتا لا يقل فتكا عن الرصاص.

لكن أخطر أنواع النزيف هو نزيف الأمل؛ حين يعتاد الناس على الحرب، ويتكيفون مع الخراب، ويصبح الاستثناء هو السلام، والهدوء أمرا مشكوكا فيه. عندها لا تقتل الحرب الأجساد فقط، بل تنهك المعنى، وتفرغ الوطن من قدرته على الحلم، وتحول البقاء إلى غاية وحيدة، بلا أفق وبلا وعد.

لهذا، لا يمكن الحديث عن حرب رابحة، ولا عن نصر نظيف؛ قد تتغير موازين القوى، وقد يعاد رسم الخرائط، لكن الحقيقة تبقى واحدة: الحرب فشل في السياسة، وسقوط في الأخلاق، وهزيمة للإنسان قبل أي شيء آخر. وكل من يراهن على إطالتها إنما يؤجل لحظة الاعتراف بالخسارة لا أكثر.

ولنا في التاريخ القريب والبعيد نماذج صارخة لحروب نشبت بين دول متجاورة، ساقها العناد السياسي وسوء التقدير إلى القتال بدل الاحتكام إلى الحوار والعقل.

حروب اندلعت بين جيران جمعتهم الجغرافيا وفرقتهم الحسابات الضيقة، فكانت النتيجة دمارا متبادلا واستنزافا طويل الأمد، دون منتصر حقيقي.

إعلان

وهي نماذج كثيرة تؤكد أن الحروب التي تولد من العناد لا تنهي الخلاف، بل تعمقه، وتورثه لأجيال لاحقة في شكل أحقاد مزمنة وحدود ملتهبة.

وفي المقابل، شهد العالم حروبا أشد قسوة شنتها قوى عظمى ضد دول أضعف منها، تحت عناوين مختلفة: "نشر الديمقراطية"، و"مكافحة الإرهاب"، أو "حماية المصالح الدولية". كانت حروبا غير متكافئة، حسمت عسكريا في زمن قصير، لكنها خلفت كوارث إنسانية وسياسية لا تزال آثارها قائمة إلى اليوم في دول أسقطت أنظمتها بالقوة، دون أن يبنى بعدها استقرار حقيقي. فغابت الدولة، وتفككت المؤسسات، وتحولت السيادة إلى شعار فارغ، والقرار الوطني إلى ورقة بيد الخارج.

والمحصلة واحدة في الحالتين: شعوب دفعت ثمنا باهظا ولا تزال تدفعه؛ فلا أنظمة قادرة على قيادة مشروع وطني جامع يحمي الوحدة الترابية، ولا اقتصاد منصفا يضمن الحد الأدنى من العيش الكريم، ولا أفق سياسيا يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع… فراغ في الحكم، واختلال في التنمية، وتعايش قسري مع الفوضى، وكأن الحرب، حتى بعد توقفها، تواصل أداء وظيفتها التخريبية بصمت.

لا تكشف الحروب عن قوة الدول بقدر ما تفضح هشاشة اختياراتها؛ فهي ليست لحظة شجاعة، بل هي اعتراف مؤجل بفشل السياسة وعجز العقل عن إيجاد بدائل أقل كلفة وأكثر إنسانية

هكذا يتبين أن أخطر ما في الحروب ليس لحظة اندلاعها، بل ما تتركه بعدها: دول بلا توازن، ومجتمعات بلا حماية، وشعوب تترك لمصير مفتوح على الهشاشة، وكأنها عوقبت مرتين: مرة بالقنابل، ومرة بسوء ما بعد الحرب.

في النهاية، لا تكشف الحروب عن قوة الدول بقدر ما تفضح هشاشة اختياراتها؛ فهي ليست لحظة شجاعة، بل هي اعتراف مؤجل بفشل السياسة وعجز العقل عن إيجاد بدائل أقل كلفة وأكثر إنسانية.

قد توقع اتفاقيات، وقد يصمت السلاح، لكن الفاتورة تبقى مفتوحة في حياة الناس، وفي ذاكرة المجتمعات، وفي مستقبل أجيال لم تختر الحرب، لكنها ولدت في ظلها.

لذلك، فإن أخطر وهم يمكن أن يروج هو وهم "الحرب الضرورية"، لأن الضرورة الوحيدة التي تثبتها التجارب كلها هي الحاجة الدائمة إلى السلام العادل، والحوار المسؤول، وبناء القوة عبر التنمية والعدالة، لا عبر المقابر والخراب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان