ما بين التشبع والفتوى التقنية: عجز الابتكار في الهواتف الذكية

حوالي 2066 شركة صينية في مصر في قطاعات متنوعة - استثمارات الصين في مصر تشمل الطاقة، الصناعة، التكنولوجيا، والزراعة المصدر: مراسل الجزيرة نت
الكاتب: مراجعة الأجهزة قبل اقتنائها أصبحت اليوم أمرا ضروريا فالعديد من الجهات الإعلامية وصناع المحتوى التقني يقدمون تجارب مهمة قبل شراء أي جهاز (الجزيرة)

عندما تنظر إلى عالم التقنية في السنوات الأخيرة، تجد الأشكال ذاتها من الأجهزة، والألوان ذاتها، والأفكار ذاتها، وحتى أسلوب العرض والمزايا يكاد يكون متشابها. وكأن قطاع التقنية، وخصوصا الهواتف الذكية، قد بلغ حده الشكلي، وأصبحت الشركات تعتمد على بث القليل من التقنيات بسبب تراجع وتيرة الابتكار.

فهل أصبحت الصدمة التي حدثت قبل تسعة عشر عاما، عندما أطلق Steve Jobs أول هاتف ذكي من Apple، مجرد ذكرى جميلة يصعب تكرارها اليوم؟ وهل أسهم الإنتاج السنوي للأجهزة في تقليص مساحة الابتكار؟ وإن كان الجواب نعم، أليس التنافس المحموم الذي امتد قرابة عقدين قد استنزف الابتكار بين المتنافسين؟

فالقطاع اليوم يبدو أشبه بمنافسة بلا جدوى؛ منافسة في الأسعار لا في المعنى، ومنافسة على المال لا على الجودة والابتكار. فالمستهلك بات يتساءل كل عام، بعد كل مؤتمر تقني، السؤال ذاته: ماذا تغير عما سبق؟ وغالبا ما يكون الجواب أن التغيير البسيط مقصود، وأن المستهلك لا يرغب في تغيير كبير كل عام.

لكن الحقيقة التي تظهر بعد سنوات أن جهازا أطلق في عام 2022 لا يزال قادرا على أداء المهام نفسها للمستهلك العادي في عام 2026، وأن الاختلافات الطفيفة لم تعد تلك الوجبات التي تسد الجوع التقني الذي يعيشه المستخدم.

فالنشوة التي رافقت إطلاق iPhone عام 2007 أصبحت ذكرى يصعب أن تتكرر كل عام. وبعد تراكم الابتكارات لم يعد هناك ما يستحق تلك المبالغ الطائلة التي تدفع مع كل هاتف ذكي جديد، ناهيك عن الأعطال المتكررة أو التجارب غير المرضية التي قد تحدث، والتي كان يفترض ألا تقع أصلا، لأن التقنية المفترضة قد خضعت لمراجعة طويلة تمتد اثني عشر شهرا.

والواقع يشير إلى أن الشركات التقنية باتت تشعر بحالة من التشبع في قطاع الهواتف الذكية، وهو تشبع أثر حتى في ابتكاراتها المستقبلية وفي تصورها لمستقبل هذا القطاع.

إن الفصل بين الابتكار والتطوير أمر مهم لكل مستهلك يقف أمام تلك الأسعار المرتفعة في المتاجر التقنية. فهذا المعيار ينبغي أن يكون أحد الأسئلة الأساسية قبل اتخاذ قرار الشراء

من ثورة 2007 إلى مرحلة التطوير

ما حدث في عام 2007 لم يغير Apple فحسب، بل غير قطاع التقنية بالكامل. ففي ذلك العام أطلق أول هاتف ذكي أعاد تعريف معايير التقنية، ورفع سقف التوقعات إلى أبعد الحدود.

إعلان

ومنذ ذلك التاريخ أسدل الستار تدريجيا على قطاع واسع من الهواتف التقليدية، لتحتل الأجهزة الذكية مكانها في الحصة السوقية، رغم ما كانت تحمله في بداياتها من فقر تقني وبصري مقارنة بما نراه اليوم. ومع ذلك، فقد أشبعت آنذاك تعطش المستخدمين للتقنية.

لكن بعد سنوات العصر الذهبي، التي ربما امتدت قرابة عقد من الزمن، بدأ العالم يلاحظ تراجع وتيرة الابتكار عاما بعد عام. فبعد أن كان الابتكار قائما على أفكار جذرية، أصبح يتمحور حول التطوير والتحسين.

والتطوير، وإن كان يحمل في طياته جانبا ابتكاريا، فإنه يختلف عن الابتكار الجذري. فالتطوير يكون في تحسين ما هو موجود أصلا، بينما الابتكار الجذري يعني خلق شيء جديد من الأساس. وبين المفهومين فرق كبير.

ورغم أهمية التطوير لأي جهاز تقني، فإن تسويقه على أنه ابتكار حقيقي يعد أمرا غير دقيق. فعلى سبيل المثال، عندما تخترع الكاميرا في الهاتف يمكن وصف ذلك بالابتكار، أما رفع دقة الكاميرا أو تحسين أدائها فهو تطوير. وما يحدث في هذا القطاع منذ سنوات طويلة هو تطوير أكثر منه ابتكارا.

الابتكار أم التطوير؟

إن الفصل بين الابتكار والتطوير أمر مهم لكل مستهلك يقف أمام تلك الأسعار المرتفعة في المتاجر التقنية. فهذا المعيار ينبغي أن يكون أحد الأسئلة الأساسية قبل اتخاذ قرار الشراء.

فهو الذي يحدد ما إذا كان استثمارك في جهاز جديد يحمل معنى حقيقيا أم لا، وهل ستحصل بالفعل على تجربة مختلفة أم مجرد تحسينات طفيفة.

وهذه الأسئلة لا تحتاج بالضرورة إلى تعمق كبير في المجال التقني أو الإبحار في تفاصيله المعقدة، بقدر ما تحتاج إلى فهم احتياجاتك الحقيقية. هل أنت بحاجة إلى ابتكار جديد؟ أم يكفيك التطوير الذي يحمله الإصدار الأحدث؟ وهل هذا التطوير يستحق أصلا الميزانية الإضافية التي تجعله أغلى من إصدار العام الماضي؟

أصبح المستهلك اليوم أكثر اعتمادا على التجربة والمراجعات، وأقل اعتمادا على المشاعر أو الولاء للعلامات التجارية. وربما يكون من الأفضل للشركات أحيانا أن تغيب عاما أو أكثر لتقديم ابتكار حقيقي

دور "المفتي التقني" في تهذيب الاستهلاك

إن مراجعة الأجهزة قبل اقتنائها أصبحت اليوم أمرا ضروريا. فالعديد من الجهات الإعلامية وصناع المحتوى التقني يقدمون تجارب مهمة قبل شراء أي جهاز جديد.

وقد أصبح الوعي التقني ضرورة في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الأجهزة الذكية، وهو ارتفاع لا يتناسب أحيانا مع مقدار التطور التقني الذي تقدمه تلك الأجهزة. ولذلك فإن الاستماع إلى آراء المختصين، أو ما يمكن تسميته مجازا "المفتي التقني"، قد يوفر آلاف الدولارات على عدد هائل من المستخدمين حول العالم.

فهذه الآراء المتخصصة تساعد على تهذيب الرغبة المتعجلة في الشراء غير الواعي، وترشد الاستهلاك التقني السنوي بما يخدم مصلحة المستخدم أولا، ثم الشركات ثانيا.

فالمستهلك يتجنب إنفاق أمواله على ما لا يحقق له الفائدة المرجوة، بينما تدرك الشركات بدورها أن السوق أصبح أكثر وعيا، مما يدفعها إلى إعادة النظر في الابتكارات الجديدة أو التطويرات التي تقدمها، وكذلك في تسعير منتجاتها.

مستقبل الهواتف الذكية

إن مستقبل التقنية في قطاع الهواتف الذكية يبدو، في نظري، مبهما حتى بالنسبة للشركات نفسها. فسياسة الإطلاق السنوي والمؤتمرات المتكررة قد تكون أسهمت، بشكل غير مباشر، في إضعاف الابتكار بدلا من تنميته.

إعلان

فالابتكار الحقيقي يحتاج إلى سنوات حتى ينضج، بينما الإيقاع السنوي للإصدارات يدفع الشركات إلى الانشغال الدائم بالهاتف القادم وما سيحمله من تحسينات وتسويق. وهذا يجعل الابتكار ينمو ببطء، وينعكس أثره في السوق ببطء أكبر.

في المقابل، أصبح المستهلك اليوم أكثر اعتمادا على التجربة والمراجعات، وأقل اعتمادا على المشاعر أو الولاء للعلامات التجارية. وربما يكون من الأفضل للشركات أحيانا أن تغيب عاما أو أكثر لتقديم ابتكار حقيقي، بدلا من الظهور كل عام بإصدار جديد لا يقدم سوى القليل.

فالابتكار يحتاج إلى عمق، وإلى النظر إلى العميل باعتباره شريكا لا مجرد مصدر للربح. وكلما نضجت نظرة الشركة إلى العميل، نضجت كذلك نظرة العميل إلى الشركة.

الابتكار ليس مجرد تحسين دقة الكاميرا أو سرعة المعالج، بل القدرة على تقديم تجربة جديدة تغير طريقة تعاملنا مع التقنية

يبقى قطاع الهواتف الذكية أمام مفترق طرق: بين الابتكار الجذري الذي يحتاج إلى وقت وصبر، والتطوير التدريجي الذي يلبي احتياجات السوق الفورية. ومع تسارع الإصدارات السنوية وارتفاع الأسعار، أصبح وعي المستهلك وحكمه على التجربة التقنية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

فالابتكار ليس مجرد تحسين دقة الكاميرا أو سرعة المعالج، بل القدرة على تقديم تجربة جديدة تغير طريقة تعاملنا مع التقنية. ومن هنا، تظل مسؤولية الشركات أن ترى عملاءها شركاء، ومسؤولية المستهلك أن يميز بين ما هو ابتكار حقيقي وما هو تطوير بسيط.

وفي نهاية المطاف، من يفهم هذا التوازن ويعتمد على المعرفة و"الفتوى التقنية" هو من يحقق أقصى استفادة من التكنولوجيا، بينما من يندفع وراء الإعلانات السنوية قد يدفع الثمن غاليا مقابل فتات الابتكار الحقيقي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان