الشرق الأوسط الجديد!

TOPSHOT - Smoke plumes rise following missile strikes in Tehran on March 1, 2026.
أعمدة الدخان تتصاعد جراء القصف الأمريكي الإسرائيلي على طهران (الفرنسية)

منذ انطلاق معركة طوفان الأقصى، عرفت المنطقة وتيرة متصاعدة من الحروب والتوترات والتحولات المتسارعة.

تجلى ذلك مع عملية 7 أكتوبر/تشرين الأول، التي شكلت ضربة نوعية غير مسبوقة في تاريخ الصراع، ورد فعل الاحتلال على العملية بارتكاب إبادة جماعية، واعتبار ما يجري معركة وجودية ستغير وجه الشرق الأوسط، مرورا بتغيير النظام في سوريا، وما لحق بمحور المقاومة من حالة استنزاف، وصولا إلى الضربة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة على إيران، واغتيال المرشد الأعلى للثورة.

هذا يعني أن المنطقة تشهد مرحلة مخاض عسير، ستفرز وضعا جديدا مغايرا لما هو واقع الآن، وإعادة رسم ملامح المنطقة. فما هي أبرز ملامح هذا التغيير؟

إن سقوط المشروع الإيراني في المنطقة بسقوط نظام ولاية الفقيه يعني صعود مشروع صهيوني، يسعى لإعادة تشكيل الإقليم وفق مصلحته

الحرب على إيران: بين الإنجاز التكتيكي والحسم الإستراتيجي

في خضم عملية التفاوض الجديدة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي كانت تأخذ منحى إيجابيا حسب تصريح وزير الخارجية العماني، قامت القوات الإسرائيلية والقوات الأمريكية صباح يوم السبت 28 فبراير/شباط الماضي بضربة استباقية واسعة ومباغتة، استهدفت عددا من المواقع الإيرانية، اعتبرها الكيان الصهيوني الكبرى في تاريخه، وأسفرت هذه العملية عن اغتيال المرشد الأعلى وعدد من أبرز القادة في البلاد.

بالنظر إلى مكانة المرشد السياسية والدينية بالنسبة للإيرانيين، وللشيعة بصفة عامة، فإن اغتياله يعد نقطة تحول مفصلية في مسار الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومرتكزات الثورة؛ فذلك إما أن يشكل عامل قوة وتحفيز لاستمرار الدفاع عن سيادة الدولة ومكتسبات الثورة، والحفاظ على النهج المعادي للهيمنة الأمريكية والصهيونية، أو سنكون أمام بداية انهيار واضطراب داخلي قد يفضي إلى إضعاف النظام القائم أو تغييره، في ظل استمرار الضربات الأمريكية الإسرائيلية.

إعلان

ويرى كل من الكيان والولايات المتحدة أن هذه الحرب تحمل طابعا وجوديا، ويطمح كل منهما وبشكل صريح إلى تهيئة الظروف من أجل إسقاط نظام ولاية الفقيه، وتغييره بنظام موالٍ لهما، مما يتيح للكيان الصهيوني إزالة آخر العقبات التي تعرقل هيمنته على المنطقة، وتحقيق ما يسمى "إسرائيل الكبرى".

وأما الجمهورية الإسلامية فتطمح للحفاظ على سيادتها خارج الهيمنة الأمريكية-الصهيونية، وعلى مكانتها كقوة إقليمية في المنطقة.

فنحن نتحدث عن صراع أيديولوجي وجيوسياسي بين مشروعين، يطمح كل منهما إلى أن يكون القوة المهيمنة في المنطقة في ظل غياب مشروع عربي موازٍ.

ورغم ما حققه الكيان الصهيوني من إنجازات خلال الضربة الاستباقية، واغتيال المرشد وعدد من القيادات العسكرية، وقدرته على توريط الولايات المتحدة للمشاركة معه في الحرب، فإن هذه الإنجازات لا يمكن أن تتحول إلى نصر إستراتيجي إلا بتغيير بنية النظام وضمان صعود نظام موالٍ له، مما يقتضي تحركا داخليا واسعا للمعارضة، أو تدخلا عسكريا مباشرا.

وباعتبار ما شاهدناه من قدرة الجمهورية الإسلامية على امتصاص الضربة الأولى، والرد بشكل أسرع وأوسع مما كان في الحرب السابقة (حرب الـ12 يوما)، وهو ما يؤكد أنها كانت مستعدة لهذا الاحتمال، يبدو أن الطرفين على استعداد لرفع سقف المواجهة، وتجاوز الخطوط الحمراء، وكسر كل قواعد الردع المتبادل.

وإذا ما تمكنت إيران من الصمود والحفاظ على تماسكها الداخلي، وملء الفراغ القيادي بسرعة وخاصة في موقع المرشد، ورفع التكلفة البشرية والمادية للعدو، فإن ذلك سيعد مكسبا ونجاحا هاما لها، في ظل الفوارق في القدرات العسكرية بينها وبين الطرف الأمريكي-الإسرائيلي.

تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق، في ظل وجود المشروع الصهيوني المدعوم أمريكيا، والذي يسعى لإعادة رسم ملامح الإقليم والهيمنة على المنطقة

رسم ملامح المنطقة بين سقوط مشروع إيراني وصعود مشروع صهيوني

إن سقوط المشروع الإيراني في المنطقة بسقوط نظام ولاية الفقيه يعني صعود مشروع صهيوني، يسعى لإعادة تشكيل الإقليم وفق مصلحته، وتشكيل محور إقليمي جديد مكون من الكيان وإيران والهند ودول أخرى، أي محور معادٍ لأغلب الدول العربية ودول المنطقة، كما صرح بذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، إذ قال إنه سيشكل محورا يواجه المحاور المعادية (المحور الشيعي والمحور السني الصاعد).

أي إننا نتحدث عن مشروع صهيوني للهيمنة على المنطقة، ومواجهة أي مشروع لا يتوافق مع رؤيته، وذلك بإخضاع دول المنطقة لنهجه باعتباره السيد الجديد للمنطقة، وإعادة صياغة الترتيبات الإقليمية على طريقته وبما يخدم مصالحه.

بالنسبة لدول المنطقة، ومن منظور براغماتي وإستراتيجي، يشكل بقاء النظام الإيراني- بغض النظر عن الخلافات معه- عنصر توازن يمنع تفرد طرف واحد بالهيمنة الكاملة، ويتيح هامشا أوسع للمناورة في بيئة إقليمية معقدة.

فإن إنهاء المشروع الإيراني قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أحادي للمنطقة، كما حدث في تجارب سابقة، وهذا سيفتح المجال أمام الكيان لإنهاء أي مشروع نهضوي منافس، الأمر الذي قد يحد من فرص صعود قوى إقليمية ومشاريع عربية وإسلامية جديدة. فكما تم إنهاء المشروع العراقي، يتم اليوم العمل على إنهاء المشروع الإيراني، والدور غدا على مشروعات أخرى.

إعلان

غير أن الإشكالية الأعمق تكمن في استمرار رسم ملامح المنطقة، عبر تفاعلات وصراعات تقودها قوى كبرى، في ظل غياب مشروع عربي أو إسلامي جامع، قادر على التأثير في مسار التحولات الجارية.

تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق، في ظل وجود المشروع الصهيوني المدعوم أمريكيا، والذي يسعى لإعادة رسم ملامح الإقليم والهيمنة على المنطقة، وتحقيق تطلعاته إلى ما يسمى "إسرائيل الكبرى".

هذه التحولات ترسم الشرق الأوسط الجديد، حيث يسعى كل طرف لتحديد مستقبل المنطقة وفق مصالحه، بينما تبقى الدول العربية أمام اختبار حقيقي: إما أن يكون لها دور فاعل في صناعة مستقبلها، أو ستظل مجرد متفرج على مصائر تحددها قوى خارجية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان