إيران.. القوة الإستراتيجية وحدها لا تكفي!

تصاعد أعمدة الدخان عقب انفجارات متواصلة في طهران (الفرنسية)

لطالما أثار الحديث عن إيران وحلفائها في المنطقة الكثير من الجدل والتساؤلات، التي تبقى إفرازا موضوعيا لموضوع شائك وحساس في منطقة، كل شيء بسيط مقترن بالسياسة فيها يأخذ الكثير من الاهتمام. والأمر هنا يتعلق بإيران، قائدة الحلف الشيعي في المنطقة، حيث تتداخل الإشكالات التاريخية والدينية مع السياسة.

ظلت إيران منذ الثورة على الشاه إلى يومنا هذا تأخذ منحى تصاعديا من حيث بناء نفوذ عسكري وسياسي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط؛ وكانت البداية من خلال ثورة أساسها ديني ذو روافد تاريخية، تعود إلى ما بعد موت الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومأزق الخلافة، الذي أفرز طائفتين، إحداهما "سنة" والأخرى "شيعة"، حيث يصطف الإيرانيون تاريخيا.

إن السلوك السياسي الإيراني مؤخرا صار يتميز بنوع من الاندفاعية والتهور الذي لن يفيد مشروعها. ولعل ما تعيشه اليوم يعتبر من أصعب المراحل في تاريخها المعاصر

لعل هذا المعطى الديني شكل أرضا خصبة لقيام إيران المعاصرة، حيث لعب الدين دورا مهما في تعبئة مجتمعية لمشروعها الذي نراه في المنطقة منذ عقود، كما جعل لها صيتا عاليا؛ فقد استطاعت تقديم دعم كبير للمقاومة الفلسطينية على طول السنوات الأخيرة، كما تمكنت من تأسيس مراكز موالية لها بشكل مطلق في لبنان، واليمن، وسوريا، وفلسطين.

هذا الأمر لم يأتِ من فراغ، بل من جهد وثورة حقيقية، تأسست على المعرفة والاهتمام بكل ما هو إستراتيجي. وبالفعل، استطاعت إيران أن تبني قوة إستراتيجية مهمة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ويشتد: هل إيران قادرة على أن تنجو مما هو قادم؟ وهل أغفلت إيران مناحي أخرى أهم مما هو إستراتيجي؟

لا شك في أن أحد أهم المحددات التي تحكم الأنظمة السياسية في عالمنا المعاصر في مختلف بقاع العالم هي "الثقافة"؛ وهنا نحدد الثقافة كنمط عيش.

إعلان

فالديناميات الثقافية التي تعرفها الشعوب بفعل نمط التوحيد القسري أمست تحكم الأفراد وتجعلهم يخضعون لها بشكل غير مباشر، وتدفعهم لاختيار النمط الحياتي النيوليبرالي، الذي يتأسس على كل ما هو تكنولوجي وحداثي محض.

أفادت تقارير أمريكية متعددة أن ترمب يدخل هذه الهجمة مرغما وبالضرورة، أو تحت تهديد اللوبي اليهودي في أمريكا، بورقة فضح تورطاته في ملف إبستين

وهنا يمكن القول إن إيران لم تحسن التعامل مع هذا الأمر، حيث إن التضييق بشكل كبير وعدم الانفتاح، والحفاظ على نمط ثقافي يتعارض مع السيرورة الثقافية التي تحكم الأفراد في مختلف بقاع العالم، جعل الداخل يرحب بهجوم من الخارج يسهل مأمورية الإطاحة بالنظام ككل.

بالإضافة إلى ذلك، هناك عدم المرونة التي كان من الممكن للنظام إبداؤها قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول في المفاوضات الدبلوماسية المتعلقة بالملف النووي، وصولا إلى الدور الفعال والقوي الذي لعبته إيران في دعم المقاومة في الحرب الأخيرة على غزة، وهذا يحسب لها.

لكن إيران لم تحسن التقدير المستقبلي، وخصوصا أن اللوبي الصهيوني لم يسمح بأن تقف الأمور عند إنهاء الحرب في غزة فقط، بل صار مقتنعا بشكل راسخ بفكرة واحدة، هي استئصال النظام الإيراني الحالي كأساس لبقاء إسرائيل، وهو الأمر الذي صعّب الوضع على النظام الإيراني.

أفادت تقارير أمريكية متعددة أن دونالد ترمب يدخل هذه الهجمة مرغما وبالضرورة، أو تحت تهديد اللوبي اليهودي في أمريكا، كما سمته هي، مهددة إياه بورقة فضح تورطاته في ملف إبستين، حيث عُنون التقرير بـ: "أيام معدودة أمام ترمب أو كرسي إعدام في انتظاره إذا لم يستجب للوبي الصهيوني".

أغفل النظام الإيراني عدة جوانب بعيدة عن القوة الإستراتيجية، ولعل أهمها- بعد الجانب الثقافي المجتمعي- هو سياق موعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول، حيث لم تعطَ مسألة استعداد حليفتها روسيا أي اهتمام.

وهنا لا نتحدث عن دعم عسكري مباشر، بل عن الدعم المتعدد الذي كان من الممكن أن يأتي من حليف قوي كروسيا، التي صارت منهكة جراء الحرب في أوكرانيا.

انطلاقا مما سبق ذكره، يمكننا القول إن السلوك السياسي الإيراني مؤخرا صار يتميز بنوع من الاندفاعية والتهور الذي لن يفيد مشروعها. ولعل ما تعيشه اليوم يعتبر من أصعب المراحل في تاريخها المعاصر، حيث أخذت الأحداث منحى الانحدار المستمر.

فبعد سقوط "حزب الله" ضمنيا باغتيال حسن نصر الله، وسقوط نظام الأسد، واستنزاف حركة حماس في الحرب الأخيرة، ها هي إيران تعيش تحت ضغط عسكري كبير، وضغط شعبي داخلي، وآخر دبلوماسي خارجي بفعل ضرباتها لبلدان الخليج.

كلها عوامل تجعلنا نفسر السلوك السياسي للنظام الإيراني مؤخرا باعتباره "الرقصة الأخيرة"، التي تسبق الموت الفعلي لرؤية محلية طموحة، صنعت تاريخية خاصة بها في قرابة نصف قرن، لكن لم تحسن تدبيرها كما ينبغي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان