- النور والحجاب: قراءة في فلسفة السهروردي على وقع التوترات الأمريكية الإيرانية
- كلمة من القلب
لطالما كانت الفلسفة واللاهوت والسياسة هي الشغف الأعمق في حياتي الفكرية. أراها دائما روافد تصب في محيط واحد من التساؤل الإنساني الكبير، وليست جزرا منعزلة كما يظن البعض. ونادرا ما تتلاقى هذه العوالم الثلاثة بهذا الوضوح الموجع في خبر واحد، أو صورة واحدة، أو رثاء واحد.
لقد هزني عميقا ذلك المشهد الذي جمع ألكسندر دوغين وعلي لاريجاني -الفيلسوف الأوراسي الروسي والمفكر السياسي الإيراني- يتحدثان لا عن الصواريخ والعقوبات، بل عن العقل العاشر والملاك الأرجواني. ذكرني هذا المشهد بالسبب الذي يجعلني أحب هذه التخصصات: لأنه تحت كل هذا الضجيج الجيوسياسي، ثمة دائما تيارات أعمق من المعنى والهوية والروح.
غير أنني أود أن أكون صريحا تماما: أنا لا أدعي أنني خبير في الشأن الإيراني، أو في الجيوسياسة، أو في الفلسفة الإسلامية. أنا طبيب وجراح بالتدريب، أنظر إلى العالم بعين عقل فضولي لا يهدأ. ما يحرك هذه المقالة ليس ادعاء الخبرة، بل الرغبة الصادقة في الفهم، في أن أسأل لماذا يسير العالم على هذا النحو، وهل لا يزال للمفكرين العظماء في الماضي ما يقولونه لنا اليوم.
لقد كانت كتابة هذا المقال باللغتين العربية والإنجليزية متعة حقيقية. إن فتحت هذه الكلمات بابا في ذهن قارئ واحد، فقد أدت غرضها.
في قلب فلسفة السهروردي، نجد فكرة بديعة: كل ما في الوجود هو نور، ينبثق من "نور الأنوار" (الله). الأشياء لا تختلف في جوهرها، بل تختلف فقط في درجة إشراقها ووعيها
أتذكر أنني رأيت اسم "السهروردي" للمرة الأولى وأنا صغير، في مكتبة والدي. كانت تلك المكتبة العامرة -التي لا يزال يقتني مجلداتها الكثيرة حتى اليوم- عالما قائما بذاته، مليئا بأسماء كنت أقرؤها دون أن أفهمها، لكنها كانت تنطوي على شيء يشبه الوعد بأسرار لم أبلغها بعد. ظل الاسم في مكان ما في ذاكرتي، كبذرة نائمة تنتظر موسمها.
وقد جاء الموسم حين استوقفتني تلك المقابلة التي جمعت بين الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين والمفكر والسياسي الإيراني الراحل علي لاريجاني. كتب دوغين ناعيا لاريجاني بعد اغتياله بكلمات لا تمحى من الذاكرة:
"لقد خضت مع علي لاريجاني حوارا فلسفيا طويلا جدا، ولم يكن حول كانط، بل كان عن السهروردي ونظريته في العقل العاشر، وعن عالم الملكوت ورئيس الملائكة الأرجواني. لقد استنزف المترجم وهو يبحث عن الكلمات الملائمة بصعوبة بالغة. كان لاريجاني حكيما وعميقا. لماذا تقتلون الفلاسفة؟ إنهم نادرون جدا.. هو الآن في الخلد، أما نحن، فلا نزال نقبع في الجحيم".
هذا الرثاء العميق دفعني للتأمل الطويل. سألت نفسي: كيف يمكن لفلسفة إشراقية تعود للقرن الثاني عشر أن تظل حية ونابضة بقوة في ذهن رجل دولة معاصر، يقف في قلب واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في عصرنا؟
نحن غالبا ما نقرأ الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران عبر عدسات جافة: الانتشار النووي، الهيمنة الإقليمية، والعقوبات الاقتصادية. لكنني أشعر أننا لكي نستوعب الأسس الحقيقية لهذا الصراع، يجب أن ننظر إلى ما هو أبعد من تحليلات العلوم السياسية الحديثة. علينا أن نغوص في الجذور الفلسفية العميقة التي تشكل رؤية إيران لنفسها وللعالم.
وقد وجدت في أعمال شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي (1154-1191)، مؤسس مدرسة الإشراق، إطارا مذهلا -وإن كان غير مألوف- لفهم هذا الصدام.
في رائعته "حكمة الإشراق"، يبني السهروردي كونا كاملا يعتمد على التفاعل بين النور والظلمة. وحين نسقط أفكاره -كأنطولوجيا الأنوار، ومفهوم الفيلسوف الملك، ورمزية الغربة الروحية- على واقعنا اليوم المليء بالضربات العسكرية والحصار الاقتصادي، نرى بوضوح تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين عقلية واشنطن وعقلية طهران.
الأنوار، والبرازخ، ومحور المقاومة
في قلب فلسفة السهروردي، نجد فكرة بديعة: كل ما في الوجود هو نور، ينبثق من "نور الأنوار" (الله). الأشياء لا تختلف في جوهرها، بل تختلف فقط في درجة إشراقها ووعيها. وفي هذا النظام، الظلام ليس مجرد غياب للنور، بل هو "حواجز ظلمانية" (برازخ) تعيق تدفق هذا الإشراق.
حين أنظر إلى الخطاب السياسي في الشرق الأوسط اليوم، أرى صدى عجيبا لهذا الإطار الميتافيزيقي. فالجمهورية الإسلامية لا تتحدث عن سياستها الخارجية كمجرد دفاع عن مصالح وطنية، بل كصراع كوني بين قوى النور والظلام. هم يطلقون على حلفائهم اسم "محور المقاومة"، وفي سرديتهم، هذا المحور يمثل قوى الإشراق الروحي التي تقف سدا منيعا أمام ظلام المادية الغربية.
في المقابل، استخدمت الولايات المتحدة خطابا مشابها ولكنه معكوس، حين أطلقت مصطلح "محور الشر". بلغة السهروردي، ترى أمريكا في تحركات إيران "أعراضا ظلمانية" تهدد نظام العالم. أما إيران، فترى في العقوبات الأمريكية والضربات العسكرية "برازخ ظلمانية" حقيقية، صممت خصوصا لخنق نور الأمة وحيويتها.
من أكثر ما يمس القلب في فلسفة السهروردي قصته الرمزية "قصة الغربة الغربية". فيها يصور الروح الإنسانية كسجين في عالم "الغرب" المادي المظلم، تتوق للعودة إلى موطنها الروحي في "الشرق"
الفيلسوف الملك وشرعية الحكم
للسهروردي رؤية سياسية عميقة تشعر وكأنها المخطط الأولي لهيكل الدولة الإيرانية الحديثة. فقد جادل بأن السلطة الحقيقية لا تأتي من القوة العسكرية أو الإجماع السياسي، بل تنتمي إلى "الإنسان الكامل" – الحكيم الذي ارتقى في درجات النور. بالنسبة له، السياسة هي "تربية روحية"، والحاكم هو الجسر بين عالم النور الإلهي وعالمنا المادي.
هذه الفكرة هي الجد الفلسفي المباشر لمبدأ "ولاية الفقيه" الذي أرساه الخميني عام 1979. فالمرشد الأعلى في إيران ليس مجرد رئيس دولة، بل هو مرشد روحي يستمد شرعيته من اتصال إلهي، لا من صندوق اقتراع.
وهذا بالضبط ما قصده دوغين في حديثه مع لاريجاني عن "العقل العاشر" وعالم "الملكوت". حين تجلس أمريكا إلى طاولة المفاوضات، فإنها تتحدث بلغة الصفقات والمكاسب. لكن طهران تجلس إلى نفس الطاولة من منطلق سيادة حضارية وروحية. بالنسبة لهم، الخضوع للتهديد العسكري ليس مجرد تنازل سياسي، بل هو خضوع ميتافيزيقي للنور أمام المادة.
القهر والمحبة في ميزان القوى
يصف السهروردي العلاقة بين الأنوار بقوتين: "القهر" (الهيمنة) من الأعلى إلى الأسفل، و"المحبة" (الشوق) من الأسفل إلى الأعلى.
في العلاقات الأمريكية الإيرانية، نرى هذه الديناميكية مقلوبة ومشتعلة. أمريكا، بقوتها العسكرية والاقتصادية الهائلة، تحاول ممارسة "القهر" عبر سياسة "الضغوط القصوى". لكن إيران ترفض تماما أن تلعب دور "النور الأدنى". من خلال تمسكها ببرنامجها النووي وتحديها في مضيق هرمز، تؤكد أنها تمتلك هيمنتها الحضارية. صمودهم يقرأ في بعض الأوساط كـ "إعادة ضبط حضارية"، حيث البقاء ليس مجرد نصر عسكري، بل هو انتصار للروح على المادة.
الغربة الغربية: قصة الروح المحاصرة
من أكثر ما يمس القلب في فلسفة السهروردي قصته الرمزية "قصة الغربة الغربية". فيها يصور الروح الإنسانية كسجين في عالم "الغرب" المادي المظلم، تتوق للعودة إلى موطنها الروحي في "الشرق".
ورغم أن السهروردي استخدم الشرق والغرب كرموز ميتافيزيقية، إلا أن الإسقاط الجغرافي اليوم لا يمكن تجاهله. إيران ترى نفسها طليعة لهذا "الشرق"، في مواجهة الإمبريالية الغربية. العقوبات القاسية والعزلة المفروضة على إيران تبدو وكأنها تجسيد حديث لهذه "الغربة الغربية"، حصار مادي يحاول خنق الروح.
وكما يجد بطل القصة طريقه للتحرر عبر الصحوة، تؤطر القيادة الإيرانية معاناتها كبوتقة ضرورية للحفاظ على استقلالها الروحي.
نحن أمام أمة تؤمن بعمق أن القوة المادية لا يمكنها إطفاء الحقيقة الروحية. وطالما بقيت واشنطن تعتمد على "البرازخ الظلمانية" من عقوبات وتهديدات، وطالما رأت طهران في صمودها واجبا كونيا، فسنبقى جميعا عالقين في هذه الغربة الفلسفية الموجعة
خاتمة: مصير الفيلسوف والصمت الذي يعقبه
لكي نفهم حقا ثقل نداء دوغين المرير -"لماذا تقتلون الفلاسفة؟ إنهم نادرون جدا"- لا بد أن نعود بالزمن لنعرف كيف مات السهروردي نفسه.
في عام 1183، وصل الفيلسوف الشاب إلى حلب، المدينة التي كان يحكمها الملك الظاهر غازي، ابن السلطان العظيم صلاح الدين الأيوبي. سرعان ما كسب السهروردي قلب الأمير الشاب وعقله، وأسر الأمير بعبقرية هذا الفيلسوف الذي دمج الفلسفة اليونانية بالتصوف الفارسي والإسلامي. لكن جلساتهما الفكرية الطويلة كانت تراقب بعيون قلقة من فقهاء البلاط.
هؤلاء الفقهاء، الذين شعروا بالإهانة أمام ذكاء السهروردي الحاد في المناظرات، كتبوا إلى صلاح الدين في دمشق يتهمون الفيلسوف بالزندقة، وبإحياء عقائد الفرس القدماء، وبث أفكار تطمس الحدود بين الأديان، وهو اتهام خطير في زمن الحروب الصليبية.
صلاح الدين، القائد العسكري المحافظ الذي أفنى عمره في قتال الصليبيين والفاطميين، لم يحتمل هذا الترف الفلسفي. أمر ابنه بإعدام السهروردي. قاوم الابن الذي أحب معلمه، لكنه استسلم أخيرا تحت تهديد أبيه بخلعه عن العرش. زج بالسهروردي في سجن قلعة حلب.
تتباين الروايات حول طريقة موته، كأن التاريخ يخجل من تدوين الحقيقة. قيل إنه قتل بالسيف، وقيل خنق، بينما يسجل ابن شداد -قاضي صلاح الدين- أنه صلب. مات وهو بالكاد في السادسة والثلاثين من عمره، بعد أن أتم تحفته "حكمة الإشراق".
ومنذ ذلك اليوم، عرف بلقب يدمي القلب: المقتول.
وبعد ثمانية قرون، حين يجلس دوغين مع لاريجاني يتحدثان عن العقل العاشر، ثم يغتال لاريجاني، يعود الصدى ليضرب بقوة. سؤال دوغين – "لماذا تقتلون الفلاسفة؟" – هو نفس السؤال الذي لا يزال معلقا فوق أطلال قلعة حلب منذ عام 1191.
إن فهمنا للصراع الأمريكي الإيراني اليوم يتطلب منا أن ندرك أننا لسنا أمام مجرد أزمة أجهزة طرد مركزي. نحن أمام أمة تؤمن بعمق أن القوة المادية لا يمكنها إطفاء الحقيقة الروحية. وطالما بقيت واشنطن تعتمد على "البرازخ الظلمانية" من عقوبات وتهديدات، وطالما رأت طهران في صمودها واجبا كونيا، فسنبقى جميعا عالقين في هذه الغربة الفلسفية الموجعة.
حين يقتل الفلاسفة، فإن القتلة لا يغتالون أفرادا، بل يغتالون "القدرة على التنوير والإشراق" ذاتها. يغتالون البوصلة. ولهذا، في كل مرة يسقط فيها فيلسوف فإن العالم لا يخسر رجلا، بل يخسر مساحة من النور
ما بعد الخاتمة: ثمن الإشراق
ربما الجواب عن سؤال دوغين أبسط وأقسى مما نتخيل. الفلاسفة يقتلون لأن نورهم يفضح الجميع.
حين يضيء الفيلسوف المساحات المعتمة، فإنه لا يعادي طرفا بعينه، بل يعادي الظلام نفسه. ولهذا تتعدد الأيدي التي تمتد لقتله عبر التاريخ:
قد يقتله المستبد الحاكم، لأن نور الفيلسوف يكشف هشاشة السلطة التي لا تستند إلى الحق، ويسقط عنها هالة القداسة الكاذبة.
وقد يقتله العدو الخارجي، لأنه يدرك أن الأمة التي تمتلك عقلا متوهجا وروحا مدركة لا يمكن إخضاعها بالمدافع ولا محاصرتها بالعقوبات.
وقد يقتله الغوغاء والعامة، لأن النور يؤذي العيون التي اعتادت العيش في العتمة، ولأن الفيلسوف يهدم أصنامهم المألوفة ويجبرهم على تحمل عبء التفكير.
في النهاية، حين يقتل الفلاسفة، فإن القتلة لا يغتالون أفرادا، بل يغتالون "القدرة على التنوير والإشراق" ذاتها. يغتالون البوصلة. ولهذا، في كل مرة يسقط فيها فيلسوف، فإن العالم لا يخسر رجلا، بل يخسر مساحة من النور، ليزحف مكانها المزيد من الظلام والبرازخ.
أتمنى أن تفتح مكتبات الآباء أمام أبنائهم في كل مكان -في طهران وفي واشنطن وفي عمان وفي موسكو- لتكشف لهم أن الإنسانية أكبر من حدودها
نداء من قلب يؤمن بالنور
في نهاية هذه الرحلة الفكرية، لا أملك سلاحا غير الكلمة، ولا أمتلك قوة غير الأمل. لكنني أؤمن، كما آمن السهروردي من قبلي، بأن النور في نهاية المطاف لا يقهر.
أتمنى من أعماق قلبي أن تنتهي هذه الأزمة المشتعلة بين الشرق والغرب، بين طهران وواشنطن، بين من يحمل السيف ومن يحمل الفكرة، لا بانتصار جيش على جيش، ولا بإذلال شعب لشعب، بل بانتصار الإشراق على الظلام.
أتمنى أن يأتي يوم يجلس فيه الفلاسفة والحكماء إلى طاولة واحدة، لا يتبادلون فيها الإنذارات والتهديدات، بل يتبادلون الأسئلة الكبرى التي تجمع البشر جميعا: من نحن؟ وإلى أين نسير؟ وما الذي يستحق أن نعيش من أجله؟
أتمنى أن تفتح مكتبات الآباء أمام أبنائهم في كل مكان -في طهران وفي واشنطن وفي عمان وفي موسكو- لتكشف لهم أن الإنسانية أكبر من حدودها، وأن النور الذي تحدث عنه السهروردي لا يعرف جوازات السفر ولا يقف عند نقاط التفتيش.
وأتمنى أن يكون في كل غرفة حرب فيلسوف واحد يسأل بصوت هادئ: هل هذا يستحق؟
لأن الظلام، مهما طال وامتد، لا يستطيع أن يطفئ شمعة واحدة تضاء بيد إنسان يؤمن بالنور.
"نور الأنوار لا يحجب إلا بالبرازخ التي نصنعها نحن بأيدينا. وفي يدنا أيضا أن نرفعها".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

