لم تكن شاشات الرادارات العسكرية هي الوحيدة التي تعرضت للتشويش المبرمج خلال الضربات الأمريكية-الإسرائيلية الأخيرة على طهران؛ بل كانت عقولنا جميعا.
عندما وجه دونالد ترمب خطابه للإيرانيين تزامنا مع العمليات العسكرية الكبرى في فبراير/شباط 2026، واعدا إياهم بأن "ساعة حريتكم قد حانت"، وداعيا إياهم إلى "السيطرة على حكومتهم"، بينما كانت إدارته تؤكد قبلها بأيام، عبر قنوات عمانية، سعيها لحل دبلوماسي، ظن الكثيرون أننا أمام سياسة خارجية مصابة بانفصام الشخصية.
تسابق المحللون لتفكيك طلاسم ما بدا وكأنه فوضى إستراتيجية واندفاع أعمى. لكنهم ربما كانوا يبحثون عن المنطق في المكان الخطأ. فما بدا وكأنه غياب مقلق للرؤية، كان في جوهره سلاحا فتاكا من نوع آخر: هندسة متعمدة للضباب، وإستراتيجية صممت خصوصا لشل قدرتنا على التفكير الواضح.
لفهم هذه الآلية، علينا أن نترك أروقة البنتاغون، وندخل إلى مختبر روبرت بروكتور، أستاذ تاريخ العلوم ومؤسس "الأغنوتولوجيا" (علم دراسة الجهل).
بالنسبة له، الجهل لم يعد فراغا طبيعيا في المعرفة، بل منتجا وصناعة إستراتيجية. في أتون الحرب، لا تحتاج السلطة إلى إخفاء الحقائق لتمرير أجنداتها؛ يكفي أن تغرق الجمهور في بحر من المعلومات المتضاربة حتى يفقد الجميع القدرة على التمييز.
يشير المحللون إلى أن التصعيد الدراماتيكي للخطاب -مثل إبلاغ ترمب للإيرانيين بأن "القنابل ستسقط في كل مكان"- يعمل كأداة مثالية لإعادة تشكيل أولويات التغطية الإعلامية
سلاح التناقض المنهجي
في سياق المواجهة المفتوحة مع طهران، اتسم الخطاب الأمريكي بتقلبات حادة ومدروسة. قبل بدء العمليات العسكرية بوقت قصير، كانت هناك مفاوضات غير مباشرة، مصحوبة بتصريحات رئاسية تبدي الاستعداد للحل إذا تخلت إيران عن طموحها النووي.
وفجأة، تندلع العمليات، ويصدر ترمب تحذيرات نارية بـ"الموت المحتم أو الاستسلام"، تزامنا مع تصريحات من وزارة الدفاع تؤكد صراحة أن "هذه ليست حربا لتغيير النظام".
من منظور الأغنوتولوجيا، هذا التناقض ليس خللا، بل هو الإستراتيجية بحد ذاتها. من خلال إطلاق وابل مستمر من الإشارات المتضاربة، يتم إعادة توجيه الخطاب العام بعيدا عن العقل النقدي.
النتيجة ليست إقناع الجمهور بضرورة الحرب، بل إرهاقه إدراكيا. عندما يصبح من المستحيل تتبع الهدف الحقيقي -هل هو تدمير المنشآت النووية، أم إسقاط النظام، أم مجرد فرض مسار تفاوضي جديد؟- يتراجع المواطن والمشرع عن محاولة المساءلة، مما يترك الساحة خالية للسلطة التنفيذية للتحرك المطلق دون رقابة فاعلة.
الغرق في بحر المعلومات وتوازي الأوهام
خلال محطات التصعيد العسكري، بدءا من "حرب الـ12 يوما" في 2025، وصولا إلى العمليات المشتركة الحالية، لم نشهد غيابا للمعلومات، بل فيضانا منها: تقارير مسربة عن مسار الضربات، تغريدات رئاسية تعلن "التدمير الكامل" للمواقع، يقابلها في ذات اليوم تقييمات استخباراتية تشير إلى أن البرنامج تضرر ولم يدمر كليا.
المشكلة التي يبرزها نهج بروكتور هي أن هذا الفائض صمم ليخلق حالة من التوازي الوهمي. يتم وضع الانتصارات التكتيكية المؤكدة في نفس كفة التكهنات الدراماتيكية والتهديدات البلاغية المطلقة.
هذا الخلط المتعمد يصعب على المؤسسات الصحفية بناء سردية متماسكة حول مآلات الحرب الحقيقية. الجهل هنا يصنع عبر تآكل الثقة في المعايير المشتركة لتقييم النجاح أو الفشل العسكري.
الحروب الحديثة لم تعد تخاض فقط بأسراب الطائرات الموجهة، بل تخاض بضراوة على جبهة الإدراك البشري
تحويل الانتباه كأداة إستراتيجية
يشير المحللون إلى أن التصعيد الدراماتيكي للخطاب -مثل إبلاغ ترمب للإيرانيين بأن "القنابل ستسقط في كل مكان"- يعمل كأداة مثالية لإعادة تشكيل أولويات التغطية الإعلامية.
وسط ضجيج التهديدات المتبادلة والتقارير الآنية عن الضربات، يحرم الرأي العام من القدرة على التركيز المستدام على القضايا الجوهرية (كالتبعات الاقتصادية العالمية، أو غياب خطة سياسية واضحة لـ"اليوم التالي" للحرب). الانتباه يسحب قسرا نحو "دراما اللحظة"، متجاهلا عواقب المدى الطويل.
سواء اعتبرنا سياسات ترمب العسكرية تجاه طهران ضرورة حتمية أم مغامرة غير محسوبة، وهذا ما أرجحه، فإن تحليل خطابه عبر نظرية "صناعة الجهل" يقدم تحذيرا ديمقراطيا بالغ الأهمية. الحروب الحديثة لم تعد تخاض فقط بأسراب الطائرات الموجهة، بل تخاض بضراوة على جبهة الإدراك البشري.
عندما يصبح الشك سلاحا، والارتباك سياسة دولة، فإن الضحية الموازية للدمار المادي هي قدرة المجتمع على فهم الحروب التي تخاض باسمه، واتخاذ قرارات مستنيرة بشأنها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

