ثلاثة أباطرة وعقل واحد.. واسم لا يعرفه أحد (1)

Chinese People's Political Consultative Conference (CPPCC) Chairman Wang Huning speaks during the opening session of the Chinese People's Political Consultative Conference (CPPCC) at the Great Hall of the People in Beijing, China March 4, 2026. REUTERS/Maxim Shemetov
رئيس المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني وانغ هونينغ (رويترز)
  • بورتريه الرجل الذي كتب أيديولوجيا الصين ثلاث مرات وآثر أن يبقى خلف الستار

في أواخر أغسطس/آب من عام 1988، أقلعت طائرة من طوكيو باتجاه سان فرانسيسكو، وفي مقعد قريب من النافذة جلس أستاذ صيني في الثالثة والثلاثين من عمره، يحمل دفتر ملاحظات وفضولا عصيا على الإشباع، لا حد لنهمه، وسؤالا واحدا ظل يلح عليه منذ سنوات: ما الذي جعل هذا البلد، الذي لم يتجاوز عمره قرنين، في حين أن الصين أرست حضارتها منذ 5 آلاف سنة، يهيمن على العالم بهذه السرعة؟

هبط وانغ هونينغ في أرض كان يعرفها من الكتب، غير أن الكتب لم تهيئه للمشهد الصاخب الذي استقبله: سيل من السيارات على الطرق السريعة، وأبراج تخترق السماء، وبشر من كل لون ولغة يتدفقون على الأرصفة. كان يصيبه ما سماه لاحقا «صدمة المستقبل»، تلك الهزة التي تصيب القادم من بلد أقل وفرة حين يصطدم بأمريكا للمرة الأولى.

كتب في دفتره في تلك الليلة جملة ستشكل روح كتابه الذي سجل فيه ملاحظاته كلها عن أمريكا: «الناس حين يصلون إلى أمريكا فريقان؛ فريق يفكر في كيف يستمتع بها، وفريق يتساءل عن الذي صنعها، وأنا من الفريق الثاني».

أمضى ستة أشهر يجوب، زار فيها 30 مدينة و20 جامعة، من آيوا إلى بيركلي إلى بوسطن وواشنطن وأتلانتا وميشيغان. يقابل في اليوم الواحد أستاذا في جامعة (MIT) وعاملا في مزرعة، ويحضر في المساء اجتماعا بلديا لحي هادئ يناقش ميزانيته. ثم عاد إلى شنغهاي وكتب كتابا سماه «أمريكا ضد أمريكا»، وهو تشريح دقيق بيد جراح.

بعد سبع سنوات من صدور الكتاب، دخل وانغ مجمع تشوننانهاي، واختار الصمت الاختياري منذ ذلك اليوم؛ أوقف المقابلات، وتوارى خلف الستار. ومع ذلك، فإن كل خطاب رسمي صيني كبير ومحوري منذ ذلك الحين، وكل مفهوم سياسي، وكل شعار قومي، وكل إطار أيديولوجي حكم مليارا ونصف المليار من البشر، يحمل في جيناته بصمة ذلك الأستاذ الصامت.

إعلان

ثلاثة زعماء تعاقبوا على أعلى عرش في العالم، وثلاثتهم كانوا يخاطبون العالم بفكر رجل واحد، رجل آثر أن يبقى بعيدا عن الصورة.

هذا المقال قراءة في كتاب لم يترجم إلى العربية حتى اليوم، وفي الرحلة التي أنجبته، وفي العقل الذي حول ملاحظات أكاديمي شاب إلى بنية فكرية تحرك اليوم أكبر قوة صاعدة في القرن الواحد والعشرين. ومن أراد أن يفهم الدور الصيني في منطقتنا العربية فهما يتجاوز الأرقام والصفقات، فإن هذا الكتاب هو مفتاحه الحقيقي.

بحلول منتصف الثمانينيات، كان قد أصدر سلسلة من الكتب تجمع الفكر الماركسي بعلم السياسة المقارن الغربي بطريقة لم تألفها الأوساط الصينية

طفل الثورة الذي قرأ في الظلام

ولد وانغ هونينغ عام 1955 في شنغهاي لأبوين من كوادر الجيش الثوري، أمضى سنوات مراهقته في خضم الثورة الثقافية، تلك العاصفة الماوية التي أوقفت الحياة الأكاديمية في الصين عشر سنوات، ورمت الجيل كله في تجربة التعليم الأيديولوجي القسري.

وبينما أُرسل أقرانه، ومنهم شي جين بينغ الرئيس الصيني نفسه، إلى الأرياف للعمل في الحقول، كان وانغ يفعل شيئا آخر في الخفاء: يقرأ الكلاسيكيات الغربية، والفلسفة السياسية، والأدب الروسي والأوروبي.

كان الظرف القسري يدربه، دون أن يدري، على مهارته الكبرى: القراءة الهادئة في العالم المتقلب. وحين انفتحت الجامعات مجددا في عهد دنغ شياوبينغ عام 1977، التحق بجامعة فودان الشهيرة، ودرس العلوم السياسية بشراهة لافتة.

بحلول منتصف الثمانينيات، كان قد أصدر سلسلة من الكتب تجمع الفكر الماركسي بعلم السياسة المقارن الغربي بطريقة لم تألفها الأوساط الصينية.

الفكرة التي كان يطورها آنذاك، وستعاد صياغتها لاحقا في سياسة الحزب، هي أن لكل مجتمع «برمجيات» تعمل بالتوازي مع أجهزته المادية: الثقافة والقيم والهوية الجمعية تحدد في المحصلة ما يستطيع الاقتصاد بناءه وما يستطيع النظام السياسي تحمله.

حين دعته الرابطة الأمريكية للعلوم السياسية عام 1988 لزيارة أكاديمية ممولة، وصل مثقلا بقراءاته لأرسطو وتوكفيل وهيغل وهنتنغتون وروبرت دال وألان بلوم؛ جاء باحثا عن أمريكا الواقعية بعيدا عن كلتا الصورتين المرسومتين سلفًا: الصورة الوردية للمعجبين بالغرب من الصينيين، والصورة الإدانية لكوادر الماركسية الجامدة.

الموروث آخر ما يتوقع أن يسمعه زائر قادم من صين كانت الثورة الثقافية تجاهر فيها بمحاربة الموروث باسم الحداثة

الرحلة: ستة أشهر في قلب أمريكا

أقام الأشهر الثلاثة الأولى في جامعة آيوا، ثم ثلاثة أسابيع في بيركلي، ثم انطلق في رحلة مفتوحة عبر البلاد.

ما يشد الانتباه في تلك الجولة هو طبيعة ما كان يبحث عنه في كل محطة أكثر من اتساعها الجغرافي؛ في آيوا الريفية حاور الفلاحين بشأن تراجع القطاع الزراعي، في بيلمونت بماساتشوستس جلس في اجتماعات الحكم المحلي، في واشنطن عمل فترة في الكونغرس وزار بروكنغز وهيريتاج، في أتلانتا طاف مقر كوكاكولا، في كامبريدج التقى بأساتذة من جامعتي (MIT) وهارفارد.

ومن أجمل ما يخبر به عن منهجه أنه كان يسأل كل من قابله السؤال ذاته: ما الذي صنع أمريكا؟ وتعددت الإجابات بين الإشارات إلى وفرة الموارد، والمنافسة على المواهب، والعقلية البراغماتية، غير أن صديقا صينيا يدرس في ستانفورد أجابه بكلمة واحدة: الموروث. هذه الإجابة أربكته تماما؛ فالموروث آخر ما يتوقع أن يسمعه زائر قادم من صين كانت الثورة الثقافية تجاهر فيها بمحاربة الموروث باسم الحداثة.

إعلان

أمضى وانغ وقتا طويلا وهو يفكر في تلك الكلمة الواحدة، حتى انتهى إلى واحدة من أجمل فقرات الكتاب، وخلاصتها أن الأمريكيين يكثرون من الحديث عن التقدم، غير أنهم لا يتعاملون معه بوصفه قطيعة مع موروثهم؛ فهم يتقدمون من داخله، ويبنون الجديد على القديم، حتى ليبدو موروثهم طبقات متراكمة من تقدم سابق. أما في بعض التصورات الصينية، فيظهر التقدم في صورة نقيض للموروث، وهنا يبرز فارق حضاري عميق جدير بالتأمل.

وفي هذا يذكّر وانغ بتوكفيل، الذي جاء إلى أمريكا عام 1831 يبحث عن سر ديمقراطيتها، غير أن الفارق الجوهري بين الرحلتين يكشف الفارق بين السؤالين. توكفيل سأل: كيف تعمل الديمقراطية؟ وهل يمكن نقلها إلى فرنسا؟ أما وانغ فسأل: كيف أنتج هذا المجتمع، بكل تناقضاته، هذا التفوق الحضاري؟ وأي دروسه قابل للنقل؟ وأيها مرتبط بشروط تاريخية تأبى التكرار؟

الأول كان يبحث عن نموذج يستورده، والثاني عن مختبر يتعلم منه دون أن يقع أسيره.

وقف وانغ أمام هذين المشهدين، وكتب: «أهذه أمريكا أم تلك؟ الإجابة بكلمة واحدة ضرب من المستحيل»، وفي هذا الإقرار المبكر بالتعقيد مفتاح الكتاب كله

الكتاب: تشريح إمبراطورية

كتاب «أمريكا ضد أمريكا» يقع في 11 فصلا، ويغطي طيفا واسعا من الحياة الأمريكية، غير أن قيمته الحقيقية تكمن في خيط فكري واحد يربطها: وانغ يقرأ أمريكا بوصفها نظاما ثقافيا قبل أن تكون آلة سياسية اقتصادية، وهذه القراءة ستميزه لاحقا عن كل المحيطين بالزعماء الصينيين ممن يفكرون في أمريكا تفكيرا آليا خاما.

  • المفارقة الكبرى: في ليلة تنصيب جورج بوش الأب رئيسا، بتاريخ 20 يناير/كانون الثاني 1989، كانت الشاشات تبث الاحتفال وأمريكا كلها تلمع صورتها، بينما كان وانغ يسير في شوارع سان فرانسيسكو، وعلى رصيف شارع يحمل اسم بوش نفسه، رأى مئات المشردين يفترشون الإسفلت في بيوت من الكرتون، يتكورون في برد الليل، بينما تضيء نوافذ البنايات المحيطة بأضواء التلفزيون.

وفي بيركلي، في «حديقة الشعب» خلف أسوار إحدى أشهر جامعات العالم، مئات آخرون ينامون على الصحف المفروشة على الأرض، تأتي جمعيات الكنيسة لهم كل صباح بالإفطار، وتفتح الجامعة حمامها لهم مرة أسبوعيا.

وقف وانغ أمام هذين المشهدين، وكتب: «أهذه أمريكا أم تلك؟ الإجابة بكلمة واحدة ضرب من المستحيل»، وفي هذا الإقرار المبكر بالتعقيد مفتاح الكتاب كله.

  • سر التفوق التقني: حين هبط وانغ في سان فرانسيسكو أصابه «دوار الوفرة»؛ منظومة معلومات تمتد في كل اتجاه، تجعل المجتمع كله جسدا متحركا واحدا. وجد الإجابة عن سرها في فلسفة التعليم الأمريكي.

في جامعات أمريكا رأى مزيجا نادرا: الطالب يحمل في يسراه كتاب النظرية، وفي يمناه اقتراح مشروع قابل للتطبيق في السوق، وهذا التزاوج بين الأكاديمية والواقع هو ما يولد التقدم المستمر. ثم أضاف ملاحظة ستصبح من أكثر جمله تداولا في الدوائر الحزبية الصينية لاحقا: «من أراد أن يتجاوز الأمريكيين فعليه أن يفعل شيئا واحدا؛ أن يتفوق عليهم في العلم والتكنولوجيا»، وأكمل: «أمريكا تهيمن على العالم بجامعاتها أكثر مما تهيمن بأسطولها السابع».

حين تقدس الفردية إلى حد الإفراط، ينشأ مجتمع عاجز عن التنسيق الجمعي حين تستدعيه الأزمات، وتلك هي الهشاشة التي تتهدد أمريكا من الداخل

  • الموروث والـ DNA السياسي: في بلدة بيلمونت القريبة من بوسطن، جلس وانغ في اجتماع بلدي محلي، حيث أهالي الحي يتداولون ميزانية شوارعهم وأولويات خدماتهم بأصواتهم المباشرة.

خرج مبهرا وسمى ما رآه «الجينات السياسية» لأمريكا… الحكم الذاتي البلدي هو الخلية الأولى التي بنيت منها الديمقراطية الأمريكية، وحرب الاستقلال كانت في جوهرها دفاعا عن هذا الحكم الذاتي في مواجهة المركزية البريطانية، ومن هذه الملاحظة استخلص مبدأ جوهريا ظل يعمل به: الأعراف السياسية أمتن من القوانين المكتوبة، لأن القانون مدون على الورق، بينما الأعراف منقوشة في القلوب.

إعلان

وما يجعل الدستور الأمريكي حيا رغم قدمه هو ما سماه وانغ «التقديس»، ويعني قدرة المجتمع على تحويل رموزه الوطنية إلى مرجعية شبه دينية تتخطى الاختلاف الحزبي.

لاحظ ذلك في مباريات كرة القدم التي تتحول إلى طقوس جمعية، وفي مراسم التنصيب التي تقرأ فيها الأيمان على الإنجيل ذاته الذي أقسم عليه جورج واشنطن، وفي نصب فيتنام التذكاري حيث اسم كل جندي سقط منقوش في الصخر. هذا التقديس هو ما يمنح المجتمع تماسكا أعمق من أي قانون، وقد أدرك أن الصين تفتقر إليه، وأن بناءه مهمة حضارية طويلة الأمد.

  • الفردية وجرثوم الهدم الذاتي: يصل وانغ هنا إلى أجرأ اكتشافاته؛ فالمشبع بالكونفوشيوسية يرى في الأسرة الخلية الجوهرية للمجتمع، والوعاء الذي ينقل القيم بين الأجيال ويلطف الاحتكاكات بين الأفراد. بيد أنه في أمريكا 1988 وجد أسرة في طور التفكك: علاقة أبوية أقرب إلى التعاقد منها إلى الالتزام الأخلاقي، وأبناء يغادرون البيت في الثامنة عشرة كأنهم ينهون عقدا تجاريا.

كتب: الخلية الحقيقية في المجتمع الأمريكي هي الفرد، والأسرة تراجعت عن دورها التاريخي، فاضطرت الدولة إلى ملء هذا الفراغ بمؤسساتها. وكل ما تستطيع الدولة توفيره هو الشروط المادية، أما المشاعر فمن ينظمها؟

حين تقدس الفردية إلى حد الإفراط، ينشأ مجتمع عاجز عن التنسيق الجمعي حين تستدعيه الأزمات، وتلك هي الهشاشة التي تتهدد أمريكا من الداخل.

وذهب وانغ أبعد، حين رصد في الثقافة الأمريكية اتجاها نحو «الفردية العدمية»، ما يعني قطع الفرد عن الموروث الثقافي والهوية الجمعية، وحين يبلغ هذا القطع منتهاه يتداعى النظام القيمي الغربي برمته، وتفقد الديمقراطية ركيزتها الأخلاقية.

  • تناقض الحرية والمساواة: من بين أنضج تحليلات وانغ قراءته للتوتر الداخلي في صميم المشروع الأمريكي؛ الوثيقة التأسيسية تحمل قيمتين هما الحرية والمساواة، وهما في تناقض عميق يعجز الإطار الليبرالي عن حله؛ فالحرية تعني حق الفرد في تطوير قدراته دون قيود، والمساواة تطالب بتكافؤ النتائج، والجمع بينهما في منظومة واحدة أشبه بالجمع بين النار والماء.

لكن وانغ رصد توترا أخطر، هو الفجوة بين المثل الكبرى والحياة اليومية؛ إذ الخطاب يتحدث عن الفرصة المتاحة للجميع، بينما تصطدم هذه المثل بتفاوت عرقي واقتصادي يراه وانغ في أحياء تركتها الصناعة، وفي مخيمات المشردين. هذه الفجوة تولد «توترا مزمنا» يسكن في الثقافة قبل السياسة، ويصعب علاجه بالإصلاح التشريعي وحده.

كتاب «أمريكا ضد أمريكا» صدر عام 1991، فشكل قراءة في ماضٍ سبق ذلك التاريخ، ونبوءات عن مستقبل تلاه

  • آليات السيطرة الناعمة: هنا ينكشف وانغ الإستراتيجي أكثر من وانغ الأكاديمي؛ وقد قضى وقتا في دراسة نظام الضريبة الأمريكي، ورأى فيه ما يفوت كثيرين: الضريبة التصاعدية آلية ضبط اجتماعي قبل أن تكون آلية مالية؛ فحين يدفع المواطن ضريبته يشعر بحق المراقبة على ما تفعله الدولة بماله، وهذا يولد رقابة من الأسفل تبقي المؤسسات يقظة.

الدولة التي تدير ضريبة من هذا النوع بهذه الكفاءة تمتلك آلية للتأثير الناعم في سلوك مواطنيها تعادل أدوات أكثر صخبا وأقل فاعلية.

  • التيارات التحتية للأزمة: في الفصل الأخير يختم وانغ بتشخيص جريء يرفض فيه أن يطمئن قارئه… أمريكا 1988 تحمل تيارات تحتية خطيرة: تفاوتا طبقيا متصاعدا، وتآكل الثقة في المؤسسات، وفردية متطرفة تضعف الرابط الجمعي. ثم يضيف نبوءته المدهشة: اليابان كانت أول أمة تتحدى الولايات المتحدة، وفي القرن القادم أمم أكثر ستعيد هذا التحدي، وعندها سيعيد الأمريكيون النظر جديا في سياستهم واقتصادهم وثقافتهم.

لم يذكر الصين بالاسم، غير أن القارئ الصيني عام 1991 لم يحتج إلى أن يذكرها.

كتاب «أمريكا ضد أمريكا» صدر عام 1991، فشكل قراءة في ماضٍ سبق ذلك التاريخ، ونبوءات عن مستقبل تلاه. وبعض ذلك المستقبل صار الآن حاضرا أو ماضيا، وعندما حلت أحداثه فرضت إعادة تأمل في تلك النبوءات التي سبق إليها الكتاب… وهذا جانب نستعرضه في جزء تالٍ متمم للمقالة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان