متى كانت آخر مرة جلستم فيها أمام الشاشة، لا لمتابعة مسلسل درامي من ثلاثين حلقة، بل لتشاهدوا فيلما وثائقيا عربيا يحبس الأنفاس؟ متى كانت آخر مرة سمحتم فيها لفيلم وثائقي أن يعيد ترتيب أفكاركم حول قضية ما، أو يغير منظوركم لأنفسكم وللعالم؟
يعيش العالم العربي مفارقة درامية بامتياز، فنحن أمة الحكاية والكتاب، وأوطاننا تفيض بالأحداث التي تتجاوز في غرابتها وقسوتها خيال أي كاتب سيناريو، ناهيك عما يحمله تاريخ منطقتنا من أبعاد سياسية وجغرافية ودينية.
ومع ذلك يبقى الفيلم الوثائقي هو "الابن الضال" في صالات العرض والشاشات العربية، بينما في الغرب، وفي تجارب أخرى مجاورة، تحول الوثائقي إلى "سلاح إستراتيجي" يتجاوز حدود الترفيه والتثقيف، ليكون أداة لصناعة الوعي، وتفكيك السرديات والبروباغندا، بل وقيادة معارك الذاكرة والحقيقة.
إن انكفاء المؤسسات الإعلامية العربية عن الاستثمار في الإنتاج الوثائقي الرصين ليس مجرد قرار تجاري عابر، بل هو في جوهره "هروب وقائي" من كلفة الحقيقة في مناخ سياسي يضيق بالمساءلة ويخشى المكاشفة
الكاميرا كذاكرة بديلة والوثائقي كرحلة فكرية
تكمن الأزمة الأولى في "سوء الفهم" التاريخي لهذا النوع من الفن؛ ففي الوعي العربي العام -وللأسف- ارتبط العمل الوثائقي لسنوات طويلة بالتقرير الإخباري المطول والجاف، أو بأسلوب المقابلات التقليدية التي تسرد معلومات تاريخية مملة، ترتكز على إطار ثابت، في مركزه رأس متحدث، بيد أن السينما الوثائقية الحقيقية هي سينما المرآة، مرآة تعكس الواقع الذي نعيشه، وهو واقع مبني بطبيعته كبناء درامي معقد، ولغة بصرية تتنفس، وموقف فكري يتجاوز نقل المعلومة إلى بناء الحكاية الإنسانية.
إن أهمية السينما الوثائقية لا تكمن في تزويدنا بالبيانات والمعلومات، بل في تأثيرها العميق على جودة الفرد وآفاقه الفكرية؛ فالفيلم الوثائقي الجيد يعلمنا التشكيك الصحي والمقارنة، ويدفعنا لمساءلة المسلمات، ويمنحنا القدرة على ممارسة التعاطف النقدي، بل إنه يوسع مداركنا لنرى العالم كحيوات كاملة ومصائر متقاطعة.
سينما الحقيقة الموؤودة: كيف حول الإعلام العربي الواقع إلى عدو؟
آخر ما يمكن فعله هو اتهام المشاهد العربي بالخمول الذهني أو الاكتفاء بالسطحي، فهذا الجمهور الذي صهرته الأزمات، والذي يبحث بفطرته عن الحقيقة بين ركام التضليل، يمتلك استحقاقا فكريا لم يحترم بعد، إذ إن المشكلة لا تكمن في قدر ذائقة المشاهد، بل في نوعية المائدة البصرية التي فرضت عليه قسرا منذ وجود التلفزيون؛ فالمشاهد العربي ليس كسولا، بل هو ضحية لعملية تجهيل ممنهج مارستها ماكينات إعلامية اختارت الطريق الأسهل للربح.
إن انكفاء المؤسسات الإعلامية العربية عن الاستثمار في الإنتاج الوثائقي الرصين ليس مجرد قرار تجاري عابر، بل هو في جوهره "هروب وقائي" من كلفة الحقيقة في مناخ سياسي يضيق بالمساءلة ويخشى المكاشفة.
الفيلم الوثائقي، بطبيعته الاستقصائية القائمة على النبش في المسكوت عنه، هو فن الصدام مع "الخطوط الحمراء" التي تسيج عالمنا العربي؛ لذا تجد الشبكات الإعلامية في "الترفيه المعلب" والدراما الهاربة من الواقع ملاذا آمنا يقيها المتاعب الأمنية والصدامات مع السلطة.
للإنصاف، إن الغرب انتهج أيضا ذات السلوك في حقبة زمنية ما، وأبرز مثال لذلك ما عرفه جوفينال في المئة الأولى من الميلاد بنظرية "الخبز والسيرك"، غير أن تلك الحقبة قد ولت، وبتنا نرى الغرب في رأس هرم الأعمال الوثائقية.
إن غياب بيئة حاضنة لحرية الرأي والتعبير حول الكاميرا من أداة لتشريح الأزمات إلى أداة لتجنبها؛ مما جعل الإعلام العربي يفضل استهلاك "أشباه الحقائق" بدلا من إنتاج وثائقيات حقيقية، قد تفتح أبوابا يفضل القائمون على صناعة القرار بقاءها موصدة بالأقفال.
إن إنتاج أعمال إسرائيلية مثل "حراس العتبة" أو "فالس مع بشير" لا يهدف للتوثيق المجرد، بل يرمي إلى إعادة هندسة صورة الاحتلال عبر ما يمكن تسميته "النقد الذاتي المنضبط" أو "تبييض الصورة عبر الفن"
الجزيرة الوثائقية: حين تغدو الشاشة خندقا للذاكرة
في ظل هذا القحط الإنتاجي الممنهج، برزت "الجزيرة الوثائقية" كواحة استطاعت بجرأة أن تكسر طوق التسطيح، مثبتة أن الرهان على وعي المشاهد العربي هو الرهان الرابح دوما.
لقد خلقت هذه القناة "وطنا سينمائيا" لفن الحقيقة، وقدمت برهانا ساطعا على أن الجمهور لا يهرب من الوثائقي، بل يهرب من القوالب الرديئة، والقنوات التي تخشى أن يفكر مشاهدوها خارج الأقفاص المرسومة لهم.
ولعل أبلغ مثال على هذا الدور التنويري يتجلى في سلسلة "فلسطين من الداخل"، التي لم تكن مجرد توثيق للمكان، بل كانت مبضع جراح نفذ إلى عمق الهوية المأزومة للفلسطينيين في أراضي الـ 48، وعرضها للعالم العربي بأكمله.
هذه السلسلة كشفت للمشاهد العربي، ولأول مرة بهذا العمق، الصراعات الوجودية لكتلة بشرية ظلت لسنوات "مغيبة" أو "مُساء فهمها" في السردية القومية.
في ظل هذا الفراغ المضغوط، دخلت الجزيرة الوثائقية إلى مناطق الظل الحارقة، كما في فيلم "العودة إلى الذات" للمخرج بلال يوسف كمثال عيني، هذا الفيلم الذي لم يكتفِ برصد الواقع، بل شرح مأزق الهوية لدى الطائفة الدرزية في فلسطين.
قدم الفيلم قراءة سيكولوجية وسياسية فذة لمحاولات "الأسرلة" وفك الارتباط بالهوية الأم، وكيف يصارع الفرد هناك لاستعادة ذاته من بين فكي كماشة الاقتلاع والتشويه.
بهذا المعنى، تحولت "الجزيرة الوثائقية" من مجرد منصة بث إلى "مختبر للهوية"، يعيد ربط ما انقطع من أوصال الجغرافيا والذاكرة العربية، محولا الكاميرا من أداة للمراقبة إلى أداة للتحرر.
فخ النقد المسموح: كيف يستخدم الفن لغسل صورة الاحتلال؟
بينما نغرق نحن في جدليات تعريف الفيلم الوثائقي، نجد النموذج الإسرائيلي قد طور هذا الفن بذكاء إستراتيجي، ليحوله إلى أداة مركزية ضمن منظومة القوة الناعمة.
إن إنتاج أعمال إسرائيلية مثل "حراس العتبة" أو "فالس مع بشير" لا يهدف للتوثيق المجرد، بل يرمي إلى إعادة هندسة صورة الاحتلال عبر ما يمكن تسميته "النقد الذاتي المنضبط" أو "تبييض الصورة عبر الفن".
تضخ إسرائيل ميزانيات ضخمة لأفلام وثائقية تظهر بشاعة الحرب، وقسوة الاحتلال، ولكن من زاوية ضيقة ومحددة، وهي زاوية الجندي المأزوم أخلاقيا، أو القائد الذي يراجع ضميره. والهدف الجوهري من هذا المسلك هو إيصال رسالة للعالم، مفادها أن هذه هي الديمقراطية الوحيدة التي تجرؤ على مساءلة نفسها.
هذا النقد، رغم ما يمتلكه من جرأة ظاهرية، لا يتعدى كونه "صمام أمان" مصمما لامتصاص الاحتقان الدولي، وتحويل الجريمة السياسية الممنهجة إلى مجرد مأساة إنسانية، يتساوى فيها الجلاد والضحية في ميزان الألم الوجداني. بهذه الطريقة، لا يوثق الواقع كما هو، بل يعاد ترميمه لخدمة الرواية الكبرى، وحمايتها تحت غطاء المهرجانات العالمية والاحتفاء الفني الدولي.
هذه الأفلام لم تنجح لمجرد أنها أخبرتنا بما يحدث، بل لأنها أجبرتنا على عيش المأساة بوجداننا. لقد تجاوزت لغة الأرقام الصماء لتقدم الحقيقة العارية بكل آلامها وتناقضاتها
منارات فلسطينية: الكاميرا كفدائي في ساحة السرد
في الرواية المقابلة، ورغم جسامة التحديات وقحط الإمكانيات، برزت السينما الوثائقية الفلسطينية كأبهى تجليات النضج الفني والمقاومة الثقافية.
وبالرغم من أن أغلب التمويل فيها يأتي من الغرب، فإن صناع الأفلام الفلسطينيين استطاعوا بذكاء لافت استيعاب الأدوات السينمائية والتقنيات السردية التي أتقنها الممول، ثم طوعوها ببراعة لخدمة القضية؛ إذ انتقلوا من خطاب المظلومية التقليدي إلى لغة السردية السينمائية العالمية، محولين الفيلم الوثائقي من مجرد ميكروفون ينقل صرخة احتجاج إلى سلاح فني ناعم، يفكك رواية المحتل في عقر دار المؤسسات الثقافية الدولية.
وتتجلى هذه القدرة الفائقة في نماذج فلسطينية استطاعت كسر جدران الصمت والوصول إلى العالمية، لأنها امتلكت عين المخرج الرؤيوية لا ميكروفون المراسل العابر والمستهلك، ومن أبرز هذه النماذج:
- "خمس كاميرات محطمة": الذي حول توثيق النضال اليومي في قرية بلعين إلى ملحمة بصرية عالمية، محولا شظايا العدسات المحطمة إلى شظايا في وعي المشاهد الغربي.
- "أولاد أرنا": العمل الذي غاص في أعماق مخيم جنين ليفكك سيكولوجية المقاومة والتحولات القاسية لجيل كامل، متجاوزا لغة الأخبار الجافة إلى لغة السينما الوجدانية العميقة.
- "الناصرة 2000": الفيلم الذي لم يخشَ مناقشة أكثر الأزمات الطائفية حساسية في بداية الألفية الثانية داخل مدينة البشارة، وعرضها للعالم بأسره.
- "لا أرض أخرى": وهو العمل الأحدث الذي يبرهن على أن الوثائقي الفلسطيني بات يمتلك نضجا استقصائيا وجماليا مذهلا، قادرا على انتزاع الاعتراف بالحقيقة من أعتى المهرجانات الدولية بصفتها صرخة وجودية لا تراجع عنها.
إن هذه الأفلام لم تنجح لمجرد أنها أخبرتنا بما يحدث، بل لأنها أجبرتنا على عيش المأساة بوجداننا. لقد تجاوزت لغة الأرقام الصماء لتقدم الحقيقة العارية بكل آلامها وتناقضاتها، معلنة أن الفلسطيني لم يعد يكتفي بأن يكون موضوعا للكاميرا، بل أصبح هو سيد العدسة وصانع الحكاية.
تحرير الكاميرا: نحو سردية عربية خارج الوصاية
يتجاوز المطلب اليوم مجرد إنتاج أفلام وثائقية، بل يكمن في تحرير "الكاميرا العربية" من وصاية الممول والرقيب والذائقة المعلبة؛ فالحقيقة لا تحتاج إلى "تجميل" درامي كي تصل، بل تحتاج إلى شجاعة في النظر ومسؤولية في النقل.
لا ينبغي لنا أن ننتظر عدسات الآخرين لتوثيق انكساراتنا وانتصاراتنا، بل علينا أن نمتلك الجرأة لنتأمل أنفسنا في مرآة الوثائقي الصادقة، مهما كانت ملامحنا فيها حادة أو متعبة.
إن مستقبل الفكر العربي يمر حتما عبر بوابة الوثائقي، ومن خلال تحويل "سلاح الحقيقة الصدئ" إلى يد تعيد تشكيل وعينا بذواتنا وبمحيطنا، بعيدا عن أوهام الدراما المريحة وسجون الصمت الممنهج.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

