- ماكرون يتحدث باسم أوروبا.. لكن واشنطن لا تبدو مهتمة
من بين المواقف الدولية التي لفتت الانتباه منذ اندلاع الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط، يبرز موقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي بدا في كثير من الأحيان متحركا بين خطاب دبلوماسي حذر، ومحاولات لإظهار دور أوروبي أوسع في إدارة الأزمة.
فمنذ الأيام الأولى للتصعيد، كثف ماكرون من تصريحاته وخطاباته السياسية، داعيا إلى ضبط النفس وضرورة تجنب توسع الصراع في المنطقة.
غير أن مواقفه بدت أحيانا مترددة أو متغيرة في نبرتها؛ إذ يظهر في بعض الخطابات أكثر حزما، بينما يعود في أوقات أخرى إلى لغة أكثر دبلوماسية ومرونة، وكأنه يحاول الحفاظ على توازن دقيق بين إدانة التصعيد من جهة، والدعوة إلى الحلول السياسية من جهة أخرى.
هذا التذبذب الظاهري لا يمكن فهمه فقط في إطار السياسة الفرنسية الداخلية، بل يبدو مرتبطا أيضا بمحاولة ماكرون تقديم نفسه كصوت لأوروبا بأكملها. فالرئيس الفرنسي يدرك أن القارة الأوروبية، رغم قوتها الاقتصادية والسياسية، ما زالت تبحث عن دور أكثر وضوحا في إدارة الأزمات الدولية، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط التي لطالما تأثرت بتوازنات القوى العالمية.
لذلك فإن خطاباته الأخيرة حملت في كثير من الأحيان بعدا أوسع من مجرد الموقف الفرنسي، وكأنه يسعى إلى رسم ملامح موقف أوروبي موحد، أو على الأقل إعطاء الانطباع بأن أوروبا قادرة على أن تكون لاعبا دبلوماسيا مؤثرا في هذه الأزمة.
التعامل الأمريكي مع الأزمة اتسم بقدر من البراغماتية والتركيز على أولويات واشنطن الإستراتيجية، دون إعطاء وزن كبير للمبادرات أو الخطابات الأوروبية
غير أن هذا الطموح الأوروبي يواجه في الواقع تحديات عديدة؛ فالاتحاد الأوروبي، رغم قوته الاقتصادية، لا يمتلك دائما موقفا سياسيا موحدا في القضايا الجيوسياسية الكبرى، وغالبا ما تظهر اختلافات واضحة بين الدول الأوروبية في كيفية التعامل مع الأزمات الدولية، سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى من العالم.
وفي ظل هذه التباينات، يجد ماكرون نفسه أحيانا في موقع يحاول فيه دفع أوروبا نحو موقف أكثر وضوحا، بينما لا تكون بقية العواصم الأوروبية مستعدة دائما للذهاب في الاتجاه نفسه بالسرعة ذاتها.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن تحركات ماكرون الدبلوماسية وتصريحاته الإعلامية تأتي غالبا في إطار محاولة تحقيق توازن بين عدة اعتبارات: الحفاظ على علاقات فرنسا التقليدية في المنطقة، والاستجابة للضغوط السياسية داخل أوروبا، وفي الوقت نفسه إبراز دور القارة الأوروبية في وقت تظل فيه الولايات المتحدة الفاعل الدولي الأكثر تأثيرا في مسار الأحداث.
ولهذا السبب، تبدو بعض خطاباته وكأنها محاولة لإيجاد مساحة أوروبية مستقلة في التعامل مع الأزمة، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع التوجهات الإستراتيجية لواشنطن.
لكن في المقابل، يبدو أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترمب لم تظهر اهتماما كبيرا بهذه التحركات الفرنسية؛ فالتعامل الأمريكي مع الأزمة اتسم بقدر من البراغماتية والتركيز على أولويات واشنطن الإستراتيجية، دون إعطاء وزن كبير للمبادرات أو الخطابات الأوروبية.
وفي هذا السياق، يعطي بعض المراقبين تفسيرا لتجاهل البيت الأبيض المتكرر لتحركات ماكرون، إذ يرون أنه يعكس رغبة أمريكية واضحة في عدم إفساح المجال لأي دور أوروبي قد يحد من النفوذ الأمريكي في إدارة الملفات الأمنية الكبرى في الشرق الأوسط.
قد يفسر تجاهل واشنطن النسبي لتحركات ماكرون على أنه رسالة غير مباشرة، مفادها أن الخطابات الدبلوماسية وحدها لا تكفي لإعادة رسم ميزان القوى في السياسة الدولية، وأن الدور الحقيقي يتطلب أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية
ويبدو أن هذا الفتور في التفاعل الأمريكي مع المبادرات الأوروبية ليس مجرد موقف عابر، بل يعكس رؤية أوسع داخل واشنطن لدورها القيادي في النظام الدولي. فالولايات المتحدة، باعتبارها القوة العسكرية والسياسية الأكثر تأثيرا في العالم، ترى نفسها الطرف الرئيسي القادر على إدارة الأزمات الكبرى، خاصة في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، غالبا ما تفضل واشنطن العمل عبر تحالفاتها التقليدية ومصالحها المباشرة، بدل الانخراط في مبادرات دبلوماسية متعددة الأطراف قد تبطئ عملية اتخاذ القرار، أو تخلق مراكز نفوذ منافسة.
وقد ظهرت مؤشرات على هذا التباين في المواقف خلال خطاب ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس في مؤتمر ميونخ للأمن العام الماضي، حيث حملت كلماته رسائل واضحة حول ضرورة أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر في قضايا الأمن والدفاع، بدلا من الاعتماد المستمر على الولايات المتحدة.
وقد فهم كثير من المحللين ذلك الخطاب على أنه تذكير صريح بأن واشنطن تتوقع من أوروبا أن تلعب دورا أكبر في حماية أمنها الإقليمي، بدل الاكتفاء بالدور الدبلوماسي أو السياسي.
هذا الخطاب يعكس في الواقع تحولا تدريجيا في التفكير الإستراتيجي داخل الولايات المتحدة، حيث تتزايد الدعوات إلى أن تتحمل الدول الحليفة نصيبا أكبر من أعباء الأمن الدولي.
وفي هذا السياق، قد يفسر تجاهل واشنطن النسبي لتحركات ماكرون على أنه رسالة غير مباشرة، مفادها أن الخطابات الدبلوماسية وحدها لا تكفي لإعادة رسم ميزان القوى في السياسة الدولية، وأن الدور الحقيقي يتطلب أدوات سياسية وعسكرية واقتصادية أكثر تأثيرا.
ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن الولايات المتحدة وأوروبا تقفان على طرفي نقيض في إدارة الأزمات الدولية؛ فالعلاقات عبر الأطلسي ما زالت تشكل أحد أهم التحالفات في النظام الدولي المعاصر، كما أن المصالح المشتركة بين الجانبين تظل واسعة في العديد من الملفات، من الأمن الدولي إلى الاستقرار الاقتصادي العالمي. لكن الخلاف يكمن في كثير من الأحيان في كيفية إدارة هذه الملفات، وفي حجم الدور الذي يمكن لكل طرف أن يلعبه في صياغة القرارات الكبرى.
في عالم تحكمه توازنات القوى والمصالح الإستراتيجية، تبقى القدرة على التأثير مرتبطة بمدى امتلاك الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسمح بترجمة الخطابات إلى أفعال
وفي النهاية، تعكس تحركات ماكرون السياسية واقعا أوسع يتعلق بموقع أوروبا في النظام الدولي المعاصر؛ فبينما تسعى بعض الدول الأوروبية إلى لعب دور أكبر في القضايا العالمية، ما زال هذا الدور يتشكل تدريجيا وسط تباينات داخل الاتحاد الأوروبي نفسه.
ومن هنا يمكن فهم خطابات الرئيس الفرنسي الأخيرة لا كمواقف فرنسية فقط، بل كمحاولة لإعادة تقديم أوروبا كطرف دبلوماسي قادر على التأثير في مسار الأزمات الدولية.
لكن في عالم تحكمه توازنات القوى والمصالح الإستراتيجية، تبقى القدرة على التأثير مرتبطة بمدى امتلاك الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تسمح بترجمة الخطابات إلى أفعال.
وفي هذا السياق، يبدو أن الرسالة غير المعلنة من واشنطن واضحة: أن إدارة الأزمات الكبرى، وخاصة في الشرق الأوسط، ما زالت تدار بدرجة كبيرة من خلال القيادة الأمريكية، بينما تحاول أوروبا بقيادة شخصيات مثل ماكرون أن تجد لنفسها مساحة أكبر داخل هذه المعادلة الدولية المعقدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

