استهداف رأس لفان يشعل أزمة طاقة عالمية.. 4 مؤشرات خطيرة

FILE PHOTO: QatarEnergy's liquefied natural gas (LNG) production facilities, amid the U.S.-Israeli conflict with Iran, in Ras Laffan Industrial City, Qatar March 2, 2026. REUTERS/Stringer/File Photo
الكاتب: قطر تعد ثاني أكبر مصدر للغاز المسال وتستحوذ على نحو 20% من التجارة العالمية (رويترز)

أخرجت الضربة التي استهدفت منشآت رأس لفان قبل أيام أكثر من 3% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية من السوق، واضعة أسواق الطاقة أمام اختبار غير مسبوق في قدرتها على امتصاص الصدمات.

ولم تكن تصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، سعد شريدة الكعبي، مجرد جرد للخسائر التي لحقت بمدينة رأس لفان جراء الاستهداف الإيراني لهذه المنشأة الكبرى في العالم للغاز الطبيعي المسال، بل كانت بمثابة جرس إنذار حقيقي لأسواق الغاز والطاقة في العالم، في ظل اضطرابات غير مسبوقة ناتجة عن الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران.

نحن إذن أمام صدمة إمدادات عالمية، لا مجرد تراجع محلي، حيث ستواجه الأسواق أزمة حقيقية تنعكس مباشرة على كبار المستوردين، وقد بدأت ملامحها تظهر فعليا عبر ارتفاعات ملموسة في أسعار الغاز، خاصة في آسيا وأوروبا

نتناول في هذا المقال 4 مؤشرات تدل على أهمية هذه التصريحات في فهم أزمة الطاقة المرتقبة:

صدمة الإنتاج العالمي

لم يتحدث الكعبي بلغة عامة، بل بالأرقام: 17% من القدرة التصديرية القطرية للغاز الطبيعي المسال خرجت من الأسواق بعد تضرر خطين من أصل 14 خطا للإنتاج.

وحيث إن قطر تعد ثاني أكبر مصدر للغاز المسال عالميا، وتستحوذ على نحو 20% من التجارة العالمية، فإن هذا التعطل يعادل فعليا أكثر من 3% من الإمدادات الدولية، وهي نسبة تتجاوز بكثير المستويات التي تحدث عادة اضطرابات كبرى.

نحن إذن أمام صدمة إمدادات عالمية، لا مجرد تراجع محلي، حيث ستواجه الأسواق أزمة حقيقية تنعكس مباشرة على كبار المستوردين، وقد بدأت ملامحها تظهر فعليا عبر ارتفاعات ملموسة في أسعار الغاز، خاصة في آسيا وأوروبا.

وتعكس مؤشرات السوق الفورية حجم الصدمة بشكل أدق، إذ قفزت أسعار الغاز الأوروبي (TTF) في ذروة جلسة 19 مارس/آذار بنحو 35% إلى 74 يورو لكل ميغاواط/ساعة، وهو أعلى مستوى منذ أوائل 2023، قبل أن تتراجع لاحقا إلى نحو 65 يورو لكل ميغاواط/ساعة مع استمرار التقلبات.

إعلان

وفي آسيا، ارتفع مؤشر الغاز الطبيعي المسال (JKM) إلى نطاق يتراوح بين 20 و22.7 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقتربا من أعلى مستوياته في 3 سنوات، في انعكاس مباشر للصدمة التي أحدثها استهداف رأس لفان في سوق الغاز العالمية.

كما دفعت التطورات الأخيرة الأسعار إلى الارتفاع بنسبة تصل إلى 35% في أوروبا خلال أيام، مع تسجيل مستويات قياسية في أسواق الغاز العالمية.

أزمة طاقة ممتدة

يرتبط هذا المؤشر بطبيعة الصدمة من حيث الزمن؛ فالأمر لا يتعلق بتوقف مؤقت يمكن تجاوزه سريعا، بل إن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية في رأس لفان تحتاج، وفق تصريحات الكعبي، إلى ما بين 3 و5 سنوات لإصلاحها.

هذا الامتداد الزمني يضاعف الآثار، ويعمق التداعيات على الدول الأكثر اعتمادا على الغاز القطري، وفي مقدمتها الصين، والهند، وبنغلاديش، وباكستان، إضافة إلى دول أوروبية مثل ألمانيا، وإيطاليا، سواء عبر العقود المباشرة أو عبر اشتداد المنافسة الدولية على الشحنات البديلة.

وتعكس توقعات المؤسسات المالية هذا الامتداد؛ إذ رفعت بنوك استثمار كبرى توقعاتها لأسعار الغاز الأوروبي إلى نحو 55 يورو لكل ميغاواط/ساعة (64 دولارا) في المدى القريب، مع احتمال وصولها إلى نطاق 80-100 يورو لكل ميغاواط/ساعة (نحو 93-116 دولارا) إذا استمرت اضطرابات الإمدادات لفترة طويلة، وهو ما يشير إلى إعادة تسعير هيكلية في السوق، لا مجرد موجة ارتفاع مؤقتة.

إن الاستهداف الذي طال مدينة رأس لفان الصناعية سيكون له ارتدادات خطيرة، تتجاوز أسواق الغاز إلى كل القطاعات التي تعتمد على هذا المصدر النظيف أو نواتجه؛ فاليوم لا يوجد قطاع صناعي أو زراعي إلا وله احتياجاته في تلك الأسواق

"القوة القاهرة" الهيكلية

ينتقل الخطر هنا من مستوى الإمدادات إلى مستوى العقود القانونية؛ ففي بداية الحرب، كانت القوة القاهرة التي أعلنتها "قطر للطاقة" مرتبطة بتعطل التدفقات نتيجة مخاطر مضيق هرمز (تعطل الشحنات لا الإنتاج).

أما اليوم، ومع تضرر القدرة الإنتاجية لسنوات، فقد أعلنت قطر للطاقة حالة "القوة القاهرة" في عقود الغاز الطبيعي المسال مع إيطاليا، وبلجيكا، وكوريا الجنوبية، والصين. وجاء هذا بعدما كان الكعبي قد ألمح إلى احتمال إعلان هذه القوة القاهرة على العقود طويلة الأجل مع دول مثل ألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وكوريا الجنوبية، والصين.

تصريحات الكعبي، وبعدها إعلان قطر للطاقة، تعني أننا أمام صدمة مزدوجة: إنتاج متعطل لفترة طويلة، وإمدادات رهينة باستقرار الملاحة في ظل إغلاق مضيق هرمز بفعل الحرب.

وعلى مستوى الأسواق، فإن هذا التحول يعني أن السوق لم تعد تتعامل مع انقطاع عابر، بل مع صدمة هيكلية، مما سيدفع الأسعار للاستقرار عند مستويات أعلى، خاصة أن البدائل تبدو محدودة مع اقتراب كبار المنتجين مثل الولايات المتحدة وأستراليا من حدودهم التشغيلية الحالية.

تمدد الأزمة لسلاسل الإنتاج

لن تقتصر الأزمة على الغاز المسال، بل ستمتد إلى منتجات حيوية أخرى أعلن الكعبي عن تراجع إنتاجها، حيث ستنخفض صادرات المكثفات بنحو 24%، وإنتاج غاز البترول المسال بنسبة 13%، والهيليوم بنسبة 14%، إضافة إلى انخفاض إنتاج النافتا والكبريت بنحو 6% لكل منهما.

إعلان

هذا التراجع سينتقل لا محالة من الطاقة إلى الصناعة ثم الزراعة؛ فالكبريت مادة أساسية للأسمدة (قطر تنتج 3.1 ملايين طن)، وأي نقص فيه سيضرب الأمن الغذائي.

أما الهيليوم (قطر تنتج 63 مليون متر مكعب) فهو ركيزة الصناعات الدقيقة والطبية والفضائية. وبذلك، فإن هذه الانخفاضات تعني انتقال الأزمة إلى سلاسل إنتاج كاملة، مما يحفز ضغوطا تضخمية أوسع على مستوى الاقتصاد العالمي.

وتدعم تحركات السوق هذا المسار؛ إذ دفعت أسعار الغاز المرتفعة في آسيا بعض الدول، مثل بنغلاديش، وباكستان، إلى التحول نحو الفحم لتوليد الكهرباء، في مؤشر واضح على انتقال الأزمة من سوق الطاقة إلى مزيج الطاقة العالمي، وما يحمله ذلك من آثار تضخمية وبيئية ممتدة.

خلاصة القول، إن الاستهداف الذي طال مدينة رأس لفان الصناعية سيكون له ارتدادات خطيرة، تتجاوز أسواق الغاز إلى كل القطاعات التي تعتمد على هذا المصدر النظيف أو نواتجه؛ فاليوم لا يوجد قطاع صناعي أو زراعي إلا وله احتياجاته في تلك الأسواق، ويتأثر سلبا باضطراباتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان