التضامن مع فلسطين تضامن ضد كل عدوان

العدالة لا تتجزأ.. ومن يرفض ظلما لا يبرر ظلما آخر (شترستوك)

كل حرب تضع أمام الضمير اختبارا قاسيا، لأن الرصاص لا يكتفي بجرح الأجساد، بل يختبر أيضا قدرة المرء على التفكير العادل وسط الانفعالات.

وفي مثل هذه اللحظات يظهر نوع من الالتباس الأخلاقي الذي يربك البوصلة، حين تدمج قضايا لا يجمعها سوى العاطفة المتأججة، بينما تفصل بينها حقائق واضحة.

يحدث ذلك اليوم في النقاش الدائر حول إيران وفلسطين (غزة تحديدا). فبعض الأصوات تحاول أن تضع القضيتين في سلة واحدة، وكأن أي نقد لإيران يعني خذلان غزة، وكأن الصواريخ التي تسقط على مدن الخليج ينبغي أن تقابل بالصمت، لأن بعضهم يرى أن خصومة إيران الأساسية مع إسرائيل. وهذه الحيلة الخطابية تبدو في ظاهرها متحمسة لفلسطين، لكنها في جوهرها مغالطة أخلاقية وسياسية فادحة.

المنطق الذي نرفضه حين يمارس ضدنا نعيد إنتاجه نحن بأدوات مختلفة، فنستبدل موقع الضحية بموقع المبرر، ونمنح طرفا ما امتيازا أخلاقيا لا يملكه، لا لأنه بلا أخطاء، بل لأننا قررنا ألا نراها

القضية الفلسطينية بالنسبة إلى كثيرين في هذه المنطقة ليست شعارا عابرا، بل جرحا قديما يسكن الذاكرة والوجدان معا. وقد وقف أبناء الخليج، رسميا وشعبيا، إلى جانب أشقائهم الفلسطينيين في مراحل طويلة من تاريخهم، وفتحوا أبواب الدعم السياسي والإنساني والثقافي، واعتبروا فلسطين قضية عدالة قبل أن تكون قضية جغرافيا. ولهذا فإن اختزال هذا التاريخ كله في معادلة تبسيطية تفرض على الخليج الصمت أمام استهدافه المباشر يبدو أمرا صادما، ويثير قدرا كبيرا من الاستغراب.

ومع التأكيد منذ البدء على رفضنا المبدئي لأي حرب تدار بتفاهمات أمريكية-صهيونية وتطال إيران أو غيرها، وهو موقف أخلاقي لا لبس فيه، فإن هذا ليس موضع النقاش هنا، بقدر ما هو محاولة لقراءة الالتباس الذي يصيب وعينا حين تختلط القضايا، وتستخدم العاطفة بديلا عن وضوح الرؤية.

إعلان

ولعل أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بالخلط بين القضايا، بل يذهب أبعد حين يمنح نفسه حق تعليق المعايير الأخلاقية مؤقتا بذريعة أن إيران تقاتل من أجل القدس، وكأن هذه الذريعة قادرة على محو ما يقع على شعوب عربية من أذى أو نفوذ أو تدخل.

هنا تحديدا يقع هذا الخطاب في فخ الاستثنائية؛ ذلك الفخ الذي يبدأ بتبرير صغير وينتهي بإعفاء كامل من المساءلة، وهو الفخ ذاته الذي سقط فيه الخطاب الغربي حين حوّل مأساة الهولوكوست إلى مبرر مفتوح لاحتلال فلسطين، فصار الألم التاريخي حصانة سياسية وأخلاقية تستخدم كلما طرحت أسئلة العدالة.

والمفارقة المؤلمة أن المنطق الذي نرفضه حين يمارس ضدنا نعيد إنتاجه نحن بأدوات مختلفة، فنستبدل موقع الضحية بموقع المبرر، ونمنح طرفا ما امتيازا أخلاقيا لا يملكه، لا لأنه بلا أخطاء، بل لأننا قررنا ألا نراها.

ومع مرور الوقت لا يبقى هذا التبرير مجرد موقف عابر، بل يتحول إلى بنية ذهنية كاملة تعيد ترتيب الأولويات، فتصبح معاناة بعض الشعوب العربية تفصيلا قابلا للتأجيل، بينما ترفع شعارات كبرى لتغطي هذا التأجيل وتمنحه مظهرا من النبل الزائف.

وهنا لا يعود الخطر سياسيا وحسب، بل أخلاقيا في جوهره، لأن الضمير حين يعتاد الانتقاء يفقد تدريجيا قدرته على الحكم العادل، ويصبح أكثر استعدادا لقبول الظلم إذا جاء مرفوعا بشعار قريب من القلب.

حين حاولت أنظمة مختلفة أن تتدثر برداء فلسطين لتبرير خياراتها الخاصة. وكانت النتيجة غالبا أن القضية الفلسطينية نفسها أول من دفع ثمن تلك الحسابات، لأن استخدامها كذريعة أضعف حضورها الأخلاقي بدل أن يقويه

غير أن العدالة لا تبنى على الاستثناءات، ولا تستقيم حين تقسم المظالم إلى ما يرى وما يغض عنه، فالمظلومية لا تلغى بمظلومية أخرى، والشعارات، مهما بدت كبيرة، لا تتحول إلى صك براءة دائم. والمرء الذي يرفض ظلم الاحتلال لا يمكنه، من حيث المبدأ ذاته، أن يقبل ظلم النفوذ، لأن المعيار الأخلاقي إن لم يكن واحدا فإنه يفقد معناه بالكامل.

وهذا يعني أن الدفاع عن فلسطين لا يعني أن يقبل العربي في الخليج بأن تتحول مدنه إلى أهداف لصواريخ إيرانية. والتضامن مع غزة، وهو واجب وجودي ثابت، لا يفرض على أحد أن يتجاهل الخطر حين يطرق بابه.

والمرء الذي يملك حسا أخلاقيا سليما يستطيع أن يرى القضيتين معا من دون أن يخلط بينهما، وأن يرفض الظلم أينما وقع، سواء حمل اسم "الاحتلال" أو حمل اسم "الطريق إلى القدس".

المشكلة أن بعض الخطابات السياسية تحب أن تبني مواقفها على صورة ثنائية سهلة.. مثلا: مع فلسطين أو ضدها. وبين هاتين الكلمتين تختفي مساحة واسعة من التفكير المتوازن، وتضيع حقيقة أن السياسة أعقد بكثير من الشعارات المختصرة. فالمرء قد يدعم، وبشدة ودائما، حق الفلسطينيين في التحرر، وفي الوقت نفسه يرفض أن تستخدم تلك القضية ذريعة لتبرير سياسات توسعية في مكان آخر.

هذه المغالطة لا تسيء إلى الخليج وحده، بل تسيء أيضا إلى فلسطين نفسها. لأن القضية العادلة لا تحتاج إلى أن تحمى عبر الخلط المتعمد بين الوقائع، بل إن عدالتها تزداد وضوحا حين تطرح بوصفها قضية سياسية وأخلاقية وإنسانية قائمة بذاتها، لا ورقة في لعبة صراعات إقليمية تتبدل حساباتها كل يوم.

إعلان

وقد عرف التاريخ العربي أمثلة كثيرة على هذا النوع من الالتباس، حين حاولت أنظمة مختلفة أن تتدثر برداء فلسطين لتبرير خياراتها الخاصة. وكانت النتيجة غالبا أن القضية الفلسطينية نفسها أول من دفع ثمن تلك الحسابات، لأن استخدامها كذريعة أضعف حضورها الأخلاقي بدل أن يقويه.

إن الدفاع عن وضوح المواقف ليس موقفا سياسيا فحسب، بل هو دفاع عن سلامة الوعي نفسه، لأن الخريطة الأخلاقية حين تختلط معالمها يفقد المرء قدرته على التمييز بين التعاطف الصادق وبين استخدام القضايا الكبرى كستار لوقائع أخرى

ومن هنا يبدو ضروريا أن يستعيد الخطاب العربي القدر الواجب من الصفاء الفكري. فالصواريخ التي تتجه نحو مدن الخليج تبقى فعلا عدائيا مهما كانت الشعارات التي ترافقه، وحياة الناس لا تتحول إلى تفصيل ثانوي لأن طرفا ما يرفع شعار المقاومة.

والمرء الذي يرفض قتل المدنيين في غزة لا يستطيع أن يقبل تهديد المدنيين في الكويت أو الرياض أو الدوحة أو غيرها، لأن المعيار الأخلاقي الحقيقي لا يتجزأ.

الخلط بين إيران وغزة لا يخدم أي قضية عادلة، بل يفتح الباب أمام التلاعب بالعواطف العامة، ويمنح السياسة فرصة لتبديل الحقائق كما تشاء.

أما الوعي الحقيقي فيحتاج إلى قدر من الشجاعة الفكرية، تلك الشجاعة التي تسمح للمرء بأن يقول كلمته بوضوح: إن دعم فلسطين لا يعني الصمت حين تتعرض مدننا للخطر، وإن التعاطف مع شعب محاصر لا يلزمنا بتجاهل ما يجري حولنا، مهما تكن الذرائع والحجج والتبريرات.

وحين يستعيد الخطاب هذا النقاء الأخلاقي يصبح النقاش أكثر صدقا. فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى خلط الأوراق كي تبقى حية، والضمير العربي يستطيع أن يحمل أكثر من قضية في قلب واحد، من دون أن يساوم على أمنه أو يفرط في إحساسه العميق بالعدل.

وما يزيد الصورة التباسا أن هذا الخلط يحول النقاش من مساحة التفكير إلى خندق الاتهام، فيصبح كل اعتراض على استهداف مدن الخليج كأنه تخلٍ عن فلسطين، وكأن التعاطف مع غزة يحتاج إلى امتحان ولاء دائم.

وهذه طريقة تجر المرء إلى منطق عاطفي ضيق، بينما الحقيقة أوسع وأوضح. فالقلب الذي يتوجع لغزة يستطيع في الوقت نفسه أن يقلق على مدنه وأهله، والضمير الذي يرفض حصار الفلسطينيين لا يفقد حقه في رفض أي تهديد لأمن الخليج.

ومن هنا فإن الدفاع عن وضوح المواقف ليس موقفا سياسيا فحسب، بل هو دفاع عن سلامة الوعي نفسه، لأن الخريطة الأخلاقية حين تختلط معالمها يفقد المرء قدرته على التمييز بين التعاطف الصادق وبين استخدام القضايا الكبرى كستار لوقائع أخرى لا علاقة لها بالعدالة.

ونعم.. تبقى فلسطين في وجداننا القضية الأولى دائما، نحملها في الضمير كما نحمل أسماء مدننا، وندافع عنها بصدق لا يسمح لأحد أن يساوم عليها، ولا أن يستخدمها ستارا يبرر به ما لا يليق بعدالتها ولا بكرامة أهلها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان