حاول الإنسان منذ القدم التعبير عن ألمه بطرق متعددة، ومن خلال عدة ممارسات، لعل أهمها اليوم الكتابة والسينما والرسم.
لكن ما يميز الألم هو أنه شعور لا يمكن إيصاله إلى الآخر كما هو، يمكن محاولة وصفه ولكن لا يمكن إيصاله بالحدة نفسها إلى الآخر، ولهذا فمن المستحيل أن يشعر إنسان بآلام إنسان آخر مهما حاول، حتى وإن كان يعيش نفس تجربته، فالألم مختلف من حيث التجربة بين إنسان وآخر.
في جزء من كتابه "تجربة الألم" (2010)، يتحدث لوبروتون عن فكرة أن بعض العذابات والآلام البيولوجية التي يعاني منها المرء يمكن أن تكون في حالات كثيرة نتيجة تجربة آلام أخرى عاشها الإنسان في الماضي
الألم في أنثروبولوجيا ديفيد لوبروتون
"آلام هذه الدنيا أكثر واقعية من خيراتها" (بوسويه، أناشيد جنائزية، مقتبس من كتاب "تجربة الألم" لديفيد لوبروتون).
لقد حاول ديفيد لوبروتون مقاربة الألم أنثروبولوجيًا، انطلاقا من فكرة أن الألم مشبع بالمواد الاجتماعية والثقافية والعلائقية، ويرى أن الرموز يمكن أن تؤثر في الألم الجسدي.
فيتحدث لوبروتون في كتابه "أنثروبولوجيا الألم" (1995)، الذي صدر قبل "تجربة الألم" بخمس عشرة سنة، عن فكرة أن الألم هو واقع وجودي وليس فقط حقيقة فسيولوجية، حيث لا يصيب الجسد وحده، وإنما يمس الفرد بكليته في أعماق كينونته.
يصف الألم بأنه فشل للغة، حيث يصعب التعبير عنه للآخرين، ما يجعل المتألم يشعر بعزلة شديدة، حيث يكسر الألم الوحدة الحيوية للإنسان ويجعل جسده يبدو كأنه غريب عنه.
ويشير لوبروتون إلى الألم كمرض اجتماعي من حيث إنه يشع خارج جسد الضحية ليؤثر على المحيطين به، مثل الشريك أو الأصدقاء أو الأبناء، فهذا الضغط المستمر قد يؤدي إلى إضعاف الروابط العاطفية، وقد ينتهي في بعض الحالات إلى سوء فهم متبادل، يقود إلى الانفصال أو الطلاق نتيجة شعور المحيطين بالعجز أو الإرهاق من تلبية متطلبات المتألم الدائمة.
في جزء من كتابه "تجربة الألم" (2010)، يتحدث لوبروتون عن فكرة أن بعض العذابات والآلام البيولوجية التي يعاني منها المرء يمكن أن تكون في حالات كثيرة نتيجة تجربة آلام أخرى عاشها الإنسان في الماضي، وفي هذا يقول:
"الألم يتجارى في متاهات التاريخ الحياتي للمرء ويتقافز فيها، إنه صدى جراح الطفولة أو المراهقة، ويوقظ النهم للحياة ويتحول إلى عذاب مزمن لأن دلالته تنفلت من وعي الفرد؛ أو إنه يثبت ما لا يُحتمل في حادثة غير متوقعة. هكذا، فالألم المحسوس به يملك علاقة وطيدة مع حدث صادم.
امرأة في الأربعين من عمرها تعاني من ألم حاد في الظهر (لومبالجيا)، وتكشف التحاليل عن فتق قرصي، غير أن العلاج بدا غير مجدٍ في هذه الحالة. في أحد الأيام عنّ لأحد الأطباء أن يسألها عن اللحظة التي أحست فيها بالألم لأول مرة؛ أجهشت بالبكاء وقالت إنها كانت في ذلك اليوم تتجول بهدوء حول بيت العائلة، حين أبصرت زوجها برفقة امرأة أخرى" (ص95).
هناك أفلام سينمائية تناولت الألم لا كموضوع في قصة، وإنما عمدت إلى جعل المتلقي يعيش نفس التجربة معها، ولعل فيلم "The banshees of inisherin" (2022) هو أهم فيلم في السنوات الماضية
أن تعيش يعني أن تتألم
في إحدى المحاضرات في سوسيولوجيا الجريمة بكلية الآداب بالرباط سنة 2023، يقول الأستاذ المحاضر جملة مفادها أن الجريمة في المجتمع تعني أن المجتمع حي ونشيط، وأن عدم وجود الجريمة مع توفر شروط ظهورها في المجتمع هو المشكلة العظمى.
ويقدم كمثال آخر الانتحار والطلاق، باعتبار تفاقم هاتين الظاهرتين في المغرب في السنوات الأخيرة، ثم يوضح لنا من خلال رسم بياني فيه خطان، أفقي وعمودي، أن الظاهرة عليها أن تبقى في المستوى العادي والمتوسط لها، وأن ارتفاعها أو انخفاضها يعني وجود خلل ما في المنظومة بأكملها.
من هنا استوحيت العبارة الأولى التي كتبتها: "أن تعيش يعني أن تتألم، ويا لمشكلتك إذا لم تكن تتألم"؛ فقد سمعت أحد علماء النفس يتحدث عن الشعور بالألم، وعن السينما التي روجت في أدوار عدة، وما زالت تروج، لشخصية البطل ميت المشاعر، الشخص الذي لم يعد يحرك ساكنه أو يدغدغ مشاعره شيء، شخص شبه ميت، لا يتفاعل مع الخسارات والانكسارات على أنها كذلك. وفي كثير من الأفلام، يروج لهذه الشخصية على أنها الشخصية البطولية.
هل علينا فعلا ألا نتألم؟ وأي بطولة في ألا نتألم، وألا نبدي كل رد فعل في موقفه المناسب: الضحك، البكاء، الخوف، السعادة، الحزن وغير ذلك؟
كيف جسدت السينما الألم؟
نجد هذه الاضطرابات في التفاعل مع الأحداث في شخصيات أبطال في أفلام كثيرة شهيرة مثل "Joker"؛ حيث إن الجوكر شخصية تعاني من اضطرابات تشكلت خلال الطفولة، ما جعلها تتفاعل ضاحكة في مواقف مؤلمة وقاسية.
كما نجد ذلك في شخصية رايموند ريدينغتون في مسلسل "the blacklist"، حيث لم يكن يبدي أي مشاعر واضحة تجاه الأحداث المؤلمة، وحتى عندما كان يتفاعل، كان تفاعله بأقل قدر ممكن.
هذه الحالة نجدها أيضا في شخصية البطل في فيلم "Taxi driver" لمارتن سكور سيزي، حيث البطل جندي سابق في حرب فيتنام، يعود إلى نيويورك ليعمل كسائق تاكسي، ويظهر في دوره أنه يشعر بالقرف من وجوده، وأنه فقد الرغبة في التفاعل مع الأشياء من حوله، وحتى عندما أراد العودة للحياة وأراد الارتباط بسيدة، كان يظهر أنه فاقد للشغف، ويتوقع الأسوأ ويتفاعل مع الأسوأ ببرودة.
الأمر كذلك في فيلم "Manchester by the sea"، حيث يجد البطل نفسه مجبرا على أن يكون وصيا على ابن شقيقه المتوفى، وهذا ما جعله مجبرا على العودة إلى مسقط رأسه، ومواجهة الماضي المأساوي الذي عاشه في مدينته. يظهر في شخصيته الشعور بالألم، وعدم التعبير عنه في وقته المناسب، والتعامل معه ببرود، ثم تعبيره عن ألمه في أوقات أخرى بشكل حاد… هذه البرودة تحولت إلى فعل بطولي في كثير من الأفلام الأخرى.
هناك أفلام سينمائية تناولت الألم لا كموضوع في قصة، وإنما عمدت إلى جعل المتلقي يعيش نفس التجربة معها، ولعل فيلم "The banshees of inisherin" (2022) هو أهم فيلم في السنوات الماضية استطاع بكل بساطته أن يضعنا في نوع خاص من الألم، وهذا الفيلم أيرلندي جرت أحداثه في جزيرة أيرلندية صغيرة.
يسرد الفيلم قصة شخص يعاني من الفقد والهجران من طرف صديقه بشكل مفاجئ، بعد صداقة طويلة استمرت لعقود، فيظل يطارده ويستفسر عن السبب الذي جعله يهجره، غير أن السبب الذي أعطاه لم يكن مقنعا له، فيحاول الاستسلام لهذه الحقيقة ويتخذ من حمار صغير صديقا له.
وهكذا تنشب معركة رمزية بين الطرفين تنتهي إلى صراعات بينهما، وإيلام كل منهما للآخر من خلال إلحاق الضرر به أو بالأشياء التي تحتل مكانة مهمة لديه.
ولكن، هل علينا فعلا ألا نتألم؟ وأي بطولة في ألا نتألم، وألا نبدي كل رد فعل في موقفه المناسب: الضحك، البكاء، الخوف، السعادة، الحزن وغير ذلك؟ هنا، أعتقد أن للسينما دورا مختلفا عما لدى الوسائط الأخرى، دورا سلبيا في التأثير على تمثلات الأشخاص حول ذواتهم، وهذا ما يؤثر على سلوكياتهم في العالم الواقعي.
إن انجذاب الفرد المعاصر لهذه الشخصيات، وتلقيه لها، هذا يجعله يحاول محاكاتها في حياته الواقعية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمراهقين، فينتج عن هذا كبت لردود الأفعال الحقيقية، مقابل الحصول على ردود أفعال مزيفة لم تنتج عن تجارب حقيقية معاشة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

