عقيدة نتنياهو: إدارة غزة أمنيا وضم الضفة بهدوء

نتنياهو وهو يشرح على الخريطة
الكاتب: يقدم كتاب نتنياهو تصورا للسلام من موقع دولة محاطة ينبغي أن تثبت شرعيتها وتؤمن نفسها عبر تحالفات وردع (مواقع التواصل)
  • مكان تحت الشمس: خارطة ذهنية ومنطق نتنياهو بين تفكك الإقليم وحسم فلسطين
  • كيف تتحول السردية والأمن والردع إلى سياسة، ولماذا تبقى غزة والضفة مختبر تطبيقها الأوضح؟

في الشرق الأوسط، بعض الكتب لا تُقرأ كأفكار، بل كطريقة حكم. لذلك ليس من قبيل المصادفة أن يعود اسم بنيامين نتنياهو وكتابه الصادر عام 1993 إلى الواجهة كلما اهتز الإقليم.

ففي لحظة تتقاطع فيها الحرب على غزة مع خطوات إسرائيلية تعمق السيطرة في الضفة الغربية، ومع تحولات كبرى أصابت دولا مركزية في المشرق منذ 2003، وصولا إلى تصعيد إقليمي واسع في 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تبدو قراءة كتاب نتنياهو أشبه بفتح دليل ذهني للسياسة الإسرائيلية، لا مجرد مراجعة أفكار مؤلفه.

الرهان هنا ليس على أن كتابا يحرك التاريخ وحده، بل على أنه يكشف منطقا سياسيا ثابتا ظل نتنياهو يعيد إنتاجه: كيف تدار الشرعية في الخارج، كيف يعاد تعريف الأمن في الداخل، وكيف تتحول الجغرافيا، غزة والضفة والحدود، إلى لغة تفاوض بالقوة لا بالقانون.

وحين نقرأ الحاضر بهذه العدسة، يصبح السؤال أقل عن نوايا نتنياهو، وأكثر عن بنية السياسة التي يمثلها: سياسة تجعل الردع هدفا، وتحول الأمن إلى سقف للسياسة، وتستبدل التسوية بإعادة تشكيل الوقائع على الأرض.

الحدود اللبنانية مثال على كيف يمكن للوقف أن يتحول إلى إدارة اشتباك لا إلى نهاية حرب. خلال 2025 استمرت ديناميات تثبيت نقاط سيطرة وعودة التوتر، وفي مطلع 2026 عاد الاشتعال بصورة أكثر حدة

حين يصبح التاريخ ذريعة، والأمن سقفا للسياسة

يقدم كتاب نتنياهو تصورا للسلام من موقع دولة محاطة ينبغي أن تثبت شرعيتها وتؤمن نفسها عبر تحالفات وردع. لكن قيمة الكتاب اليوم لا تكمن في معلوماته بقدر ما تكمن في عقيدته، ويمكن تلخيصها بثلاث ركائز تتحول من لغة نظرية إلى ممارسة:

  • التاريخ كسلاح شرعنة: لا بوصفه مجالا معرفيا مفتوحا على تعدد الروايات، بل كحجة سياسية تصدر للخارج لتثبيت شرعية القوة.
  • الأمن كقيمة أعلى من السياسة: يتحول الأمن إلى معيار يحدد المسموح والمحظور؛ فتتراجع السياسة، وتصبح الحقوق ملفا مؤجلا دائما. هذا ما تسميه أدبيات العلوم السياسية بـ"الأمننة": تحويل القضايا السياسية إلى ملفات أمنية تبرر إجراءات استثنائية طويلة الأمد.
  • السلام كنتيجة تفوق وردع لا كتسوية حقوق: السلام ليس نهاية صراع عبر عدالة سياسية، بل حالة تفرض حين يقتنع الخصم أن موازين القوة لا تسمح له بغير ذلك.
إعلان

بهذه المعادلة يصبح السلام عبر القوة سياسةً كاملة: سردية تاريخية للشرعنة، أمنا فوق السياسة، وردعا يتحول إلى لغة تفاوض. والنتيجة العملية: هندسة البيئة الإقليمية من جهة، وإدارة فلسطين أمنيا بدل حل سياسي عادل من جهة أخرى.

تفكك مراكز الدولة.. من العراق إلى سوريا

منذ 2003 دخل المشرق مرحلة تآكل تدريجي لنموذج الدولة القومية الصلبة. في العراق لم يكن اجتثاث البعث مجرد تغيير حزب حاكم؛ بل مسارا أصاب شبكات الدولة الإدارية والأمنية وأعاد تشكيلها، ما فتح فراغات طويلة المدى وأضعف قدرة الإقليم على إنتاج ردع جماعي مستقر، بصرف النظر عن الموقف من النظام السابق.

ثم جاءت سوريا: سقوط نظام الأسد في دمشق في ديسمبر/ كانون الأول 2024 وبداية مرحلة انتقالية شديدة التعقيد أنهت عمليا مركز دولة كان جزءا من شبكة صراع/توازن تاريخية.

هنا لا نتحدث عن مؤامرة أحادية الفاعل، بل عن سياق تفكك بنيوي يصنع إقليما أقل صلابة وحدودا أكثر هشاشة. وفي منطق نتنياهو، حيث السلام نتيجة التفوق، يصبح هذا التفكك بيئة تسمح بإعادة كتابة قواعد الحركة والحدود والشرعية لصالح من يملك الردع والقدرة على تحويله إلى سياسة.

كلما اتسعت حرب الإقليم، زادت احتمالات أن تستخدم كغطاء سياسي وإعلامي لصرف الأنظار عن فلسطين، خصوصا غزة، أو لإعادة ترتيب ملفاتها على الأرض تحت عنوان الضرورة الأمنية

من لبنان إلى إيران: تمديد تعريف الأمن إلى شبكة مسارح

الحدود اللبنانية مثال على كيف يمكن للوقف أن يتحول إلى إدارة اشتباك لا إلى نهاية حرب. خلال 2025 استمرت ديناميات تثبيت نقاط سيطرة وعودة التوتر، وفي مطلع 2026 عاد الاشتعال بصورة أكثر حدة.

هذا المسار يتقاطع مع التصعيد الأوسع مع إيران في 2026، حيث تتجه المنطقة، وفق تغطيات متزامنة، إلى نمط متعدد الجبهات يوسع معنى الأمن من حدود الدولة إلى شبكة مسارح (لبنان/سوريا/الخليج/البحر)، مع آثار على الملاحة والطاقة والاقتصاد واستقرار دول الجوار.

هنا تتضح صلة الكتاب بالواقع على مستويين:

  1. تحويل الصراع إلى نظام ردع إقليمي يفرض حدودا جديدة لما يستطيع الخصم فعله.
  2. توسيع تعريف الأمن ليصبح منظومة عمليات متعددة المسارح تدار كجبهة واحدة.

ومع ذلك تبقى نقطة جوهرية: كلما اتسعت حرب الإقليم، زادت احتمالات أن تستخدم كغطاء سياسي وإعلامي لصرف الأنظار عن فلسطين، خصوصا غزة، أو لإعادة ترتيب ملفاتها على الأرض تحت عنوان الضرورة الأمنية.

استئناف تسوية/تسجيل الأراضي في أجزاء واسعة، خصوصا في المنطقة المصنفة (ج)، يقرأ لدى جهات فلسطينية وحقوقية بوصفه مسارا قد يفضي إلى ضم بحكم الأمر الواقع عبر اشتراطات إثبات ملكية مرهقة للفلسطينيين

فلسطين في المركز: غزة تدار أمنيا.. والضفة تضم بهدوء

غزة ليست هامشا في منطق نتنياهو؛ إنها اختبار حي لفكرة أن الأمن يسبق السياسة. شتاء 2025-2026 أعاد إنتاج هشاشة البقاء: خيام، نزوح، فيضانات، قيود تعيق ترميم الحد الأدنى من الحياة. هذه ليست أزمة طقس فقط؛ إنها أثر لطريقة إدارة الصراع حين تتحول شروط البقاء إلى جزء من معادلة أمنية: تدار المخاطر بدل معالجة الجذور.

وفي المقابل، اتجهت إسرائيل منذ 2025 إلى توسيع مناطق عازلة وممرات داخل القطاع، بما يجعل إعادة تشكيل الجغرافيا جزءا من المعادلة السياسية. حين تستبدل التسوية بإعادة رسم الوقائع على الأرض، تصبح الخرائط لغة تفاوض بديلة: عوازل وممرات وتحكم بالمنافذ والمواد، فيما يبقى الحل السياسي خارج المعادلة.

إعلان

أما الضفة الغربية فتبدو أدوات السيطرة أقل ضجيجا وأكثر بيروقراطية، لكنها لا تقل أثرا. فاستئناف تسوية/تسجيل الأراضي في أجزاء واسعة، خصوصا في المنطقة المصنفة (ج)، يقرأ لدى جهات فلسطينية وحقوقية بوصفه مسارا قد يفضي إلى ضم بحكم الأمر الواقع عبر اشتراطات إثبات ملكية مرهقة للفلسطينيين.

الضم هنا لا يأتي كإعلان سيادي، بل كنتيجة إجرائية: قانون/سجل/خرائط/صلاحيات تتراكم حتى يصبح الواقع أقوى من البيان السياسي. هذا هو التثبيت الهادئ.

القول إن إسرائيل ستسيطر وحدها على الشرق الأوسط تبسيط مخل، لكن يمكن صياغة الفكرة بدقة أكبر: هناك اتجاه لإعادة تشكيل الإقليم عبر فرض قواعد الحركة والحدود والشرعية وفق ميزان القوة

إنذار 2023: من أزمة سمعة إلى سياسات واقع

في 18 يناير/كانون الثاني 2023 حذرت في مقال بعنوان "يجب على الجميع القلق من حكومة إسرائيل الجديدة" من أن حكومة نتنياهو الأكثر تطرفا لن تذهب إلى اتفاق يحترم الحقوق الفلسطينية، وأن التطرف قد يعرض إسرائيل لمساءلة دولية ويكشف زيف صورة الديمقراطية.

اليوم يمكن قراءة ذلك التحذير كاختبار زمني: الأزمة لم تبقَ في مجال الخطاب؛ بل تحولت إلى مسارين متوازيين:

  • مسار فلسطيني تدار فيه غزة أمنيا وتُحاصر الضفة بأدوات تنتج ضما زاحفا.
  • ومسار إقليمي يعيد تعريف الأمن كمنظومة متعددة المسارح، بما يفتح هامشا أوسع لسياسات القوة.

لماذا يجب ألا تُهمش غزة؟

القول إن إسرائيل ستسيطر وحدها على الشرق الأوسط تبسيط مخل، لكن يمكن صياغة الفكرة بدقة أكبر: هناك اتجاه لإعادة تشكيل الإقليم عبر فرض قواعد الحركة والحدود والشرعية وفق ميزان القوة.

وكلما تزامن تفكك دول مركزية مع اتساع الحروب، يصبح المجال أوسع لصياغة واقع جديد، ليس عبر التسوية، بل عبر إدارة الصراع وربط الإقليم بمنطق الردع.

في هذه المعادلة تبقى غزة معيارا لا هامشا. فحين يختزل السلام إلى أمن، ويستبدل القانون بالجغرافيا، تصبح فلسطين اختبارا لمعنى السياسة في المنطقة: إما السلام القابل للحياة القائم على الحقوق، أو اتساع الحروب وضيق السياسة، وهشاشة تزداد فوق هشاشة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان