- من تفكيك الوكلاء إلى تحجيم الدور الإقليمي
- كيف تدار المواجهة الإيرانية -الإسرائيلية- الأمريكية على حافة الحرب الشاملة؟
منذ أكثر من عقدين، شكل التوتر بين إيران من جهة، وإسرائيل بدعم مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة من جهة أخرى، أحد أكثر مسارات الصراع استدامة في الشرق الأوسط. اليوم، لا يبدو ما تشهده المنطقة مجرد امتداد لحروب الظل أو المواجهات غير المباشرة، بل يعكس تحولا في طريقة إدارة الصراع وأدواته وأهدافه.
فالوقائع الراهنة تشير إلى إعادة ضبط ميزان القوى الإقليمي عبر تحجيم النفوذ، واستنزاف الأدوار، وتقليص الهوامش، دون السعي إلى إسقاط الأنظمة أو فرض وقائع نهائية دفعة واحدة.
يمكن قراءة المشهد بوصفه عملية تفكيك تدريجية لأذرع إيران الإقليمية، تمهيدا لتحجيم المركز نفسه وفتح الطريق للضغط المباشر على طهران
تفكيك شبكة الوكلاء الإيرانية
اعتمدت إيران منذ مطلع الألفية نموذجا يقوم على إدارة الصراع عبر شبكة من الوكلاء والحلفاء المحليين، ما منحها قدرة على التأثير الإقليمي بتكلفة مباشرة محدودة، ومكنها من خوض صراعات متعددة دون مواجهة مباشرة مع خصومها.
لكن هذا النموذج بدأ يفقد فاعليته تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، مع تغير أولويات القوى الدولية والإقليمية، وارتفاع كلفة الحفاظ على هذه الشبكات سياسيا واقتصاديا وأمنيا.
في سوريا، شكل سقوط النظام السابق وصعود سلطة جديدة تسعى إلى إعادة تموضع إقليمي نقطة تحول مركزية، إذ خسرت طهران إحدى أهم ركائز حضورها في المشرق، ليس فقط عسكريا، بل سياسيا ورمزيا، بعد سنوات من الاستثمار المكلف في تثبيت دمشق بوصفها عمقا إستراتيجيا لمشروعها الإقليمي.
أما في لبنان، فقد تعرض حزب الله لضغوط عسكرية وسياسية غير مسبوقة، مع استهداف بنيته القيادية وتراجع قدرته على فرض معادلات ردع مستقلة، ما قلص هامش حركته داخليا وإقليميا، وأفقده جزءا من دوره الوظيفي ضمن شبكة النفوذ الإيرانية.
وفي العراق، واليمن، واجهت القوى المقربة من طهران مسارات تحجيم متراكبة، عبر ضربات مباشرة وضغوط سياسية داخلية، وإعادة ترتيب المشهد بما يحد من قدرتها على لعب أدوار إقليمية مفتوحة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة المشهد بوصفه عملية تفكيك تدريجية لأذرع إيران الإقليمية، تمهيدا لتحجيم المركز نفسه، وفتح الطريق للضغط المباشر على طهران.
تبدو إيران في الحسابات الأمريكية أقرب إلى نموذج فنزويلا: دولة تحاصر اقتصاديا، وتقيد أدوارها الخارجية، وتمنع من التحول إلى لاعب مخلخل للتوازن الدولي، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو تغيير قسري للنظام
من الوكلاء إلى المركز: تصعيد محسوب أم كسر للخطوط الحمراء؟
مع تراجع فاعلية الوكلاء، أصبحت إيران أكثر عرضة للضغط المباشر، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو الضربات المحدودة، أو الاستهداف السياسي والرمزي. وقد ترافق ذلك مع خطاب أمريكي-إسرائيلي أكثر وضوحا في تحميل طهران مسؤولية مباشرة عن التوترات، بعد سنوات من الفصل المقصود بين "الدولة" و"الوكلاء".
غير أن التطورات الأخيرة، بما في ذلك التعبئة العسكرية الواسعة، وتوسع دائرة الاستهداف، وإغلاق ممرات إستراتيجية، تشير إلى اقتراب الصراع من كسر قواعد الاشتباك غير المكتوبة، أي القواعد التي اعتادت الأطراف الالتزام بها لتجنب تصعيد مباشر، والتي حكمت المواجهة طوال سنوات، ونقلْه من مستوى الضغط المتدرج إلى حافة التصعيد المفتوح.
بين الإضعاف الدائم والردع الطويل: مقاربتان مختلفتان للتعامل مع إيران
يعكس هذا التباين في إدارة التصعيد اختلافا بنيويا بين المقاربة الإسرائيلية والمقاربة الأمريكية تجاه إيران. فبينما تنظر إسرائيل إلى طهران بوصفها تهديدا وجوديا دائما، وتسعى للتعامل معها بمنطق مشابه لإدارتها لقطاع غزة والغارات الجوية على سوريا ولبنان، يقوم على الإضعاف المستمر ومنع التعافي وإبقاء التهديد تحت السيطرة بالقوة العسكرية المباشرة، تتبنى الولايات المتحدة مقاربة مختلفة تقوم على الردع والتحجيم لا الإطاحة، مع تشديد العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي.
في هذا السياق، تبدو إيران في الحسابات الأمريكية أقرب إلى نموذج فنزويلا: دولة تحاصر اقتصاديا، وتقيد أدوارها الخارجية، وتمنع من التحول إلى لاعب مخلخل للتوازن الدولي، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة أو تغيير قسري للنظام.
هذا الاختلاف لا يعكس خلافا إستراتيجيا بين واشنطن وتل أبيب بقدر ما يكشف تباينا في تعريف الخطر، وفي الأدوات المفضلة لإدارته، بين من يسعى إلى تحييد التهديد على المدى القصير، ومن يفضل استنزافه على المدى الطويل.
يمثل مضيق هرمز أحد أكثر أوراق الضغط حساسية في هذا الصراع، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وإغلاقه، حتى ولو بشكل مؤقت أو رمزي، لا يستخدم كورقة نصر عسكري بقدر ما يوظف كأداة فوضى اقتصادية
الخليج في مرمى الرسائل: حين يصبح الحياد عبئا
لم تقتصر تداعيات التصعيد على أطراف المواجهة المباشرة، بل امتدت إلى دول الخليج، حيث تأثرت منشآت ومرافق داخل قطر، والسعودية، والإمارات بتداعيات الضربات الصاروخية، سواء عبر شظايا أو إجراءات أمنية واحترازية.
هذا التباين بين الروايات كشف أنه لم يعد الحياد السياسي كافيا لتحييد الخليج عن التداعيات، فالجغرافيا، لا الموقف السياسي، باتت العامل الحاسم، ما حول هذه الدول من أطراف حذرة إلى متلقي رسائل قسرية في حرب لا تسعى إلى خوضها.
مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح
يمثل مضيق هرمز أحد أكثر أوراق الضغط حساسية في هذا الصراع، إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. وإغلاقه، حتى ولو بشكل مؤقت أو رمزي، لا يستخدم كورقة نصر عسكري بقدر ما يوظف كأداة فوضى اقتصادية.
فحتى التلويح بتعطيل الملاحة كفيل برفع أسعار النفط، وزيادة كلفة التأمين، وخلق ارتباك واسع في الأسواق، ما يجعل الاقتصاد العالمي شريكا قسريا في الصراع، ويدفع قوى دولية للتدخل ليس دفاعا عن أطراف الحرب، بل حماية لسلاسل الإمداد.
النفط كجبهة صامتة: ما وراء المواجهة العسكرية
يتقاطع التصعيد العسكري مع صراع أعمق على الطاقة والنفوذ الاقتصادي. ففي حين تبرز الصين بوصفها مستفيدا غير مباشر من أي إرباك في أسواق الطاقة يضعف خصومها، تسعى الولايات المتحدة إلى ضبط إيقاع السوق العالمي، ومنع تحول النفط إلى أداة ابتزاز جيوسياسي خارج سيطرتها.
أما إيران، فتبدو في هذا السياق ورقة ضغط أكثر منها فاعلا حرا، إذ توظف موقعها الجغرافي وقدرتها على التعطيل لتعويض اختلال ميزان القوى العسكري، في معركة اقتصادية بقدر ما هي عسكرية.
يتزامن هذا التصعيد مع حالة انقسام داخل بنية القرار الإيراني، بين تيار أمني-عسكري يقوده الحرس الثوري يتبنى مقاربة تصادمية، وتيار سياسي يسعى إلى تخفيف الضغوط والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي
إيران بلا هوامش مناورة
تواجه طهران اليوم واقعا مركبا يضيق هامش المناورة إلى حدوده الدنيا؛ فخسارة معظم الوكلاء الإقليميين أو تحجيم أدوارهم، وتفاقم الضغوط الاقتصادية، واستمرار العقوبات الخانقة، وتآكل الشرعية الداخلية، جميعها عوامل تحد من قدرتها على التصعيد دون كلفة عالية. وفي ظل هذا الواقع، يصبح أي تصعيد إضافي مخاطرة محسوبة بدقة، لأن الانتقال من الردع إلى الانفلات قد يفتح أبوابا يصعب إغلاقها.
الداخل الإيراني: انقسام القرار وضغط الشارع
يتزامن هذا التصعيد مع حالة انقسام داخل بنية القرار الإيراني، بين تيار أمني-عسكري يقوده الحرس الثوري يتبنى مقاربة تصادمية، وتيار سياسي يسعى إلى تخفيف الضغوط والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي.
وتزداد حساسية هذا الانقسام في ظل احتجاجات سابقة، وتآكل الثقة الشعبية، واستهداف القيادات العليا، وهي تطورات تكسر محظورات رمزية لطالما حكمت إدارة الصراع، وتنقل المواجهة من مستوى الأدوات إلى مستوى الرموز.
ما تشهده المنطقة اليوم ليس حربا شاملة، لكنه أيضا لم يعد مجرد تحجيم هادئ. إنه مرحلة انتقالية خطرة، تدار فيها المواجهة على حافة الانفلات، وتستخدم فيها أدوات الاقتصاد والرمزية والشرعية بقدر ما تستخدم القوة العسكرية
هل نحن أمام تدويل قسري للصراع؟
رغم اتساع رقعة التوتر وتهديد الملاحة والطاقة، لا تزال القوى الكبرى حذرة من الانزلاق إلى مواجهة دولية مفتوحة. غير أن استمرار استهداف دول المنطقة قد يفتح الباب أمام سيناريو الانزلاق القسري بوصفه احتمالا قائما، لا نتيجة رغبة دولية في الحرب، أو تصعيد محدود يبقى محكوما بقواعد الاشتباك غير المكتوبة، وربما استنزاف إقليمي طويل المدى في مواجهة اقتصادية وسياسية مستمرة دون حرب شاملة.
وإن تشكيل أطر تنسيق أو تحالفات أوسع ليس بالضرورة بهدف الحرب، بل لفرض قيود إضافية على حركة إيران الإقليمية، ومنع انفلات الصراع.
صراع بلا حسم قريب
ما تشهده المنطقة اليوم ليس حربا شاملة، لكنه أيضا لم يعد مجرد تحجيم هادئ. إنه مرحلة انتقالية خطرة، تدار فيها المواجهة على حافة الانفلات، وتستخدم فيها أدوات الاقتصاد والرمزية والشرعية بقدر ما تستخدم القوة العسكرية.
وفي المحصلة، لا يبدو أن الصراع يتجه نحو حسم قريب، بقدر ما يدخل مرحلة إعادة صياغة بطيئة لموازين القوة، في إقليم يعيش أصلا على صفيح ساخن، لكنه يواجه اليوم اختبارا جديدا في كيفية إدارة هذا التوتر، لا في حدته فقط، وتأثيره يمتد إلى المجتمعات والشعوب التي تتحمل جزءا كبيرا من تداعيات هذه المواجهة المعقدة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
