مصر العظيمة.. العريقة، لا تُرى على حقيقتها إلا من مسافة. كأن الاقتراب منها يربك الرؤية، بينما يمنحها البعد وضوحا آخر؛ وضوحا أشد قسوة، وربما أكثر صدقا. فهناك، حين تصبح مصر موضوعا للتأمل لا معيشا يوميا، تتجلى صورتها في صيغتها الأكثر قبولا، والأقل إزعاجا.
الإنجليز مفتونون بالحضارة المصرية القديمة. يكفي أن تقول لعجوز إنجليزي إنك من مصر، حتى تقابَل بسيل من عبارات الانبهار والإعجاب: الفراعنة، الأهرامات، الأسرار، الخلود.
إعجاب لا يخلو، في كثير من الأحيان، من أثر باقٍ لذاكرة كولونيالية لم تغلق ملفاتها بعد، بل أعيد ترتيبها في لغة الثقافة والمتاحف.
في مدينة كمبريدج مثلا، تتجول في الأسواق فتفاجأ بعرض ثلاثي الأبعاد لمعبد رمسيس الثالث بمدينة هابو في الأقصر.
وتسير في الشوارع الرئيسية، فتلاحقك الإعلانات على واجهات الحافلات ولوحات الطرق، مروجة لمعرض "صنع في مصر القديمة Made in Ancient Egypt" بمتحف فيتزويليام. Fitzwilliam Museum.
السؤال ليس: ماذا تُعلمنا مصر القديمة؟ بل: كيف نسمح لما تُعلمنا إياه أن يكون له أثر في الحاضر؟ وكيف نمنع الافتتان بالماضي من أن يصبح ستارا يحجب رؤية ما لم يحل بعد؟
تبدو مصر القديمة هنا وكأنها ليست ماضيا بعيدا، بل حاضرا معادا إنتاجه بعناية فائقة؛ حاضرا معلبا، ومنسقا، ومقدَما بوصفه تراثا إنسانيا كونيا.. وإن كان منزوع السياق، مفصولا عن تاريخه الاجتماعي والسياسي، وعن امتداداته المعاصرة.
تجلس إلى مكتبك، وتفتح بريدك الإلكتروني، فتجد الأكاديمية البريطانية The British Academy، الهيئة الوطنية المعنية بدعم البحث العلمي في الإنسانيات، تحتفي بإطلاق بودكاست جديد عن حضارة مصر القديمة Away with the Pharaohs Podcast، من إنتاج جمعية استكشاف مصر The Egypt Exploration Society، تلك المؤسسة التي ولدت في أواخر القرن التاسع عشر، في لحظة تاريخية كان فيها الاكتشاف والهيمنة يسيران جنبا إلى جنب، تحت مظلة المعرفة والعلم.
تستمع إلى الحلقة الأولى، فتأخذك المتحدثة، بإنجليزية رصينة وواثقة، إلى عالم الشابتي Shabti: تماثيل صغيرة كانت تودَع مع المتوفى في مقبرته، لتعمل نيابة عنه في الحياة الآخرة، وتؤدي ما قد يطلب منه من أعمال.
تبتسم المتحدثة، وتتمنى لو كان لديها شابتي خاص يتكفل عنها بأعباء الحياة اليومية… كالرد على الإيميلات، مثلا.
في تلك اللحظة، يخطر لك كيف يتحول مفهوم الخدمة من طقس جنائزي مرتبط بالآخرة، إلى استعارة معاصرة للإرهاق، والعمل اللامنتهي، وثقل الحياة الحديثة.
كيف يعاد توظيف رمز قديم ليعبر، دون قصد، عن شعور إنساني مشترك بالاستنزاف، وعن رغبة دفينة في الهروب من متطلبات الزمن النيوليبرالي، حيث لا نهاية للمهام ولا فسحة للفراغ.
ثم تستفيض المتحدثة في الحديث عما "يمكن أن تعلمنا إياه مصر القديمة والوسيطة عن القوة، والهوية، والإبداع البشري".
وعقلك، في المقابل، يستفيض في سؤال موازٍ لا يقال بصوت عالٍ:
ماذا يعلمنا المعاش عن الهوية حين تختزل في الذاكرة وحدها، وتفصل عن شروطها المادية والاجتماعية؟ وعن الإبداع حين يحتفى به بوصفه أثرا ماضيا، لا ممارسة حاضرة مشروطة بالحرية والعدالة؟
ربما لهذا السبب لا ترى مصر كاملة إلا من بعيد.
هناك، حيث تتحول إلى مادة للعرض وحكاية متقنة السرد.
حين يفصل الإبداع عن شروطه السياسية والاجتماعية، يتحول إلى زخرفة معرفية، لا قوة تغيير
أما في القرب الشديد، فهي واقع يومي مثقل بالتناقضات، لا يعرض في المتاحف، ولا يختزل في بودكاست، ولا يعلق على جدار.
تعلمنا أن الهوية ليست ما كان، بل ما يعاد التفاوض حوله باستمرار. وأن الإبداع ليس أثرا محفوظا في vitrines المتاحف، بل ممارسة حية، مشروطة بالقدرة على الكلام والاختلاف. وحين يفصل الإبداع عن شروطه السياسية والاجتماعية، يتحول إلى زخرفة معرفية، لا قوة تغيير.
لذلك، فإن السؤال ليس: ماذا تعلمنا مصر القديمة؟ بل: كيف نسمح لما تعلمنا إياه أن يكون له أثر في الحاضر؟ وكيف نمنع الافتتان بالماضي من أن يصبح ستارا يحجب رؤية ما لم يحل بعد؟
ربما لا نحتاج إلى شابتي جديد ينجز عنا مهام اليوم، بل إلى شجاعة فكرية تعيد وصل المعرفة بالمسؤولية، والاحتفاء بالسؤال، وحينها فقط، قد نرى مصر، لا من بعيد فحسب، بل بوصفها معنى لا يزال يتشكل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

