وداع الحبيب أليم، ومفارقته بعد الأنس به تترك الأنفس واجمة وقد أحاطت بها هموم وأحزان.. هذه حال المسلمين اليوم، وقد آذن رمضان بقرب الرحيل، بعد أن حل بينهم أياما معدودات، فعرفوا في أجوائه طمأنينة النفس، وراحة الروح، وحلاوة الإيمان، ولذة القرب من الله.
وكما أن الرحيل يفجر فيضا من المشاعر، فإنه يثير سيلا من التساؤلات عما كان منا في أيام هذا الشهر الكريم: هل عرفنا فضله وأكرمنا وفادته؟ هل أدركنا عظيم ما فُتح فيه من أبواب الخير فدخلنا منها وأخذنا مما فيها؟ هل أحسنّا صيام نهاره وقيام ليله؟ هل قرأنا القرآن كما يجب، وتدبرنا معانيه كما ينبغي؟ هل يحظى عملنا من الله بالقبول؟
لئن اقتضت حكمة الله أن يكون رمضان شهرا في العام، فإن زاد الروح منه يمكن، بل ينبغي، أن يرافقنا على مدار الشهور كلها، وما تعلمناه في رمضان سنحتاجه في كل حين
وقبول الصيام وسائر الطاعات في رمضان كان الهم عند السلف، حتى إنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم؛ فإذا كان سلفنا وقد سبقونا بأشواط يحملون هذا الحرص، فإننا أحوج منهم بكثير إلى أن نلح على الله بالسؤال أن يتقبل منا الطاعات، ويغفر لنا الزلات.
وفي وداع رمضان يحضر سؤال آخر: هل وعينا حقا دروس هذا الشهر الفضيل؟ وما الذي سيبقى من رمضان إلى رمضان؟
ألا إن رمضان مدرسة، فطوبى لمن أخذ منها الدروس، وقطف من دوحة علومها المواعظ والحِكم؛ فلم يجعل ذلك كله مع انتهاء رمضان نسيا منسيا، بل تدبره والتزمه، وجعله له منارة هدى وزاد طريق في دروب الحياة، بهما يمضي في رحلته من رمضان إلى رمضان.
ولئن اقتضت حكمة الله أن يكون رمضان شهرا في العام، فإن زاد الروح منه يمكن، بل ينبغي، أن يرافقنا على مدار الشهور كلها، وما تعلمناه في رمضان سنحتاجه في كل حين.
ففي رمضان أخذت نفوسنا جرعة جديدة من اعتياد الصبر وسلوك الصابرين، وتعلمنا أن الصبر فيه تربية للنفس وتهذيب لها، وأنه طريق وعر لكنه ينتهي بنا إلى ثمار طيبة، تتجلى في حياتنا الدنيا خلقا كريما، وننتظر أن نجدها في أخرانا عظيم أجر من الله يأتينا بغير حساب.
ولقد تركنا في نهار رمضان الطعام والشراب وألجمنا الشهوات، وطوّعنا النفس في ذلك لأمر خالقنا وإلهنا فانقادت؛ فتعلمنا أن لجم الشهوات ممكن، وإبعادها عن سلوك المحرمات غير مستحيل.
وفي رمضان عشنا حقيقة أن عناء الجوع والعطش الذي عشناه شهرا، قد نجد من الناس من يعيشه في كل الشهور، وهؤلاء لا بد أن نتذكرهم ونلتفت إليهم، وبدون ذلك لا يستقيم إسلامنا، ولا يكتمل إيماننا.
نستطيع أن نبقي ألسنتنا رطبة بذكر الله، لنكون مع الله، ويكون الله معنا، ونستطيع بعدم الاستسلام للنزوات أن نحافظ على نقاء أرواحنا، وطيب كلامنا، وسلامة سلوكنا
ورمضان في جانب من جوانبه نظام فيه انضباط بمواقيت وسلوكيات يلتزم به الجميع، فيعكس بذلك مظهرا للوحدة. وإن نظاما يضبط سلوك الجماعة ويرسخ وحدتها هو قوة للفرد وقوة للجماعة، وهذا معنى نحتاج إلى أن يترسخ فهمه لدينا، وأن نترجمه في تصرفاتنا وأفعالنا.
وفي رمضان عرفنا أننا نملك طاقات أكبر من تلك التي تميل النفس إلى الوقوف عندها، وتأكدنا أن الذي التزمناه في هذا الشهر بوتيرة عالية، نستطيع الاستمرار ببعضه في باقي الشهور بوتيرة مقبولة.
فإنه ليس صعبا إذا عزم أحدنا أن يحافظ على شيء من صيام النوافل، وأقله صيام ثلاثة أيام من كل شهر عملا بالتوجيه النبوي الكريم. ونستطيع أيضا أن نحافظ ولو على ركعتين في جوف الليل، نتوجه فيهما إلى الخالق جل وعلا بقلوب ضارعة متبتلة، نسأله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يصلح حالنا، وينير دربنا، ويسدد خطانا، وأن يوفقنا لما فيه لنا الخير في ديننا ودنيانا وآخرتنا.
نستطيع أن نبقي ألسنتنا رطبة بذكر الله، لنكون مع الله، ويكون الله معنا، ونستطيع بعدم الاستسلام للنزوات أن نحافظ على نقاء أرواحنا، وطيب كلامنا، وسلامة سلوكنا.
ولنذكر دوما أن من علامات قبول الأعمال الصالحة التوفيق لأعمال صالحة بعدها.
ونعلم أن رمضان الذي رآه البعض مناسبة للاجتهاد أكثر في أبواب الطاعة لله، كان لآخرين سببا للبدء مع الطاعة، والإقبال على فرائض الدين بعد ترك وهجران. وهذا أمر طيب وحسن، لكن على ألا يفهموا أن هذا الصلح مع الله ينتهي مع انقضاء رمضان، فإن رب رمضان هو رب شوال ورب الشهور كلها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

