التدرج في الدعوة في ضوء سيرة النبي ﷺ وهدي الأنبياء

المسجد النبوي Madinah Haram Day View 2014
المسجد النبوي (شترستوك)

أول ما أوحي إلى رسول الله (ﷺ) من ربه تبارك وتعالى: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ [العلق: 1]، وذلك أول نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه، ولم يأمره إذ ذاك بالتبليغ، ثم أنزل عليه: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ [المدثر: 1-2]. فنبأه بقوله: ﴿اقرأ﴾، وأرسله بـ ﴿يا أيها المدثر﴾، ثم أمره أن ينذر عشيرته الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من حولهم من العرب، ثم أنذر العرب قاطبة، ثم أنذر العالمين.

وأقام رسول الله (ﷺ) بضع عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر والصفح، ثم أذن له الله في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اغتر به ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله (الإيمان بالرسل، د. علي الصلابي، ص194-195).

ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة؛ فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم، ولم يقاتلهم حتى يُعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.

من أهم ملامح الدعوة في فترات الاستضعاف، وهو الذي يتضح من هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة أقوامهم في تلك المرحلة، الصفح والصبر على الأذى، وكف اليد، والاستعانة بالله على كل وسائل الأذى والصد والاستفزاز

ولما نزلت سورة "براءة" نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها؛ فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان، وأمره أن يجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام:

1- قسم أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم، وظهر عليهم.

2- وقسم لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم.

إعلان

3- وقسم لم يكن لهم عهد، ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم. وهذه الأشهر هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ [التوبة: 2]، وهي الأشهر الحرم المذكورة في قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5].

فالحرم ههنا أشهُر التسيير، أولها يوم الأذان، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر، الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من شهر ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم﴾ [التوبة: 36].

فإن تلك الأخيرة واحد فرد هو شهر رجب، وثلاثة سرد هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ولم يسير المشركين في هذه الأربعة؛ فإن هذا لا يمكن، لأنها غير متوالية، وهو إنما أجلهم أربعة أشهر، ثم أمره بعد انسلاخها أن يقاتلهم، فقتل الناقض لعهده، وأجل من لا عهد له أو له عهد مطلق أربعة أشهر، وأمره أن يُتم للموفي بعهده عهده إلى مدته، فأسلم هؤلاء كلهم، ولم يقيموا على كفرهم إلى مدتهم، وضرب على أهل الذمة الجزية.

بذلك استقر أمر الكفار معه بعد نزول "براءة" على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين؛ محاربين وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن بربه، ومسالم له آمن، وخائف محارب.

إن القول بالصفح والصبر في الدعوة وكف اليد لا يعني أبدا ترك الجهر بالدعوة إلى التوحيد، وتبصير الناس بدينهم، وتصحيح مفاهيمهم، وتوعيتهم بكيد أعدائهم، كما أنه لا يعني بحال من الأحوال ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

وأما سيرته في المنافقين، فإنه أُمر أن يقبل منهم علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله، وأن يجاهدهم بالعلم والحجة، وأمره الله أن يُعرض عنهم، ويغلظ عليهم بالقول البليغ إلى نفوسهم، ونهاه أن يصلي عليهم، وأن يقوم على قبورهم، وأخبره أنه إن استغفر لهم فلن يغفر الله لهم. فهذه سيرته في أعدائه من الكفار والمنافقين (زاد المعاد، ابن القيم، 3/159-161).

هذا هو خط دعوته (ﷺ) وجهاده منذ أن بعثه الله سبحانه إلى أن مكن له في الأرض ونصره.

وفترة النبي (ﷺ) قبل الهجرة والإذن بالقتال محل اتفاق بين الأنبياء جميعا، حيث إن هديهم عليهم الصلاة والسلام قد اتفق في هذه الفترة مع هدي الرسول (ﷺ) في مكة قبل الهجرة، حيث الاستضعاف والصبر وكف اليد، أما بعد الهجرة، فكان الجهاد الذي نصر الله به نبيه (ﷺ)، وبما أيده به من المعجزات.

أما الأنبياء الذين لم يُشرع في حقهم الجهاد وقتال الأعداء، فكان نصر الله عز وجل ينزل عليهم بعد أن يكونوا قد تجاوزوا مرحلة البناء والابتلاء بنجاح، وذلك النصر يجيء بمعجزة منه سبحانه، وآية من آياته، فينصر الله، سبحانه، به أنبياءه، ويهلك به أعداءه، كما نصر نوحا بالطوفان، وهودا بالريح، وصالحا بالصاعقة، وشعيبا بعذاب يوم الظلة.

ومن أهم ملامح الدعوة في فترات الاستضعاف، وهو الذي يتضح من هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوة أقوامهم في تلك المرحلة، الصفح والصبر على الأذى، وكف اليد، والاستعانة بالله على كل وسائل الأذى والصد والاستفزاز، الذي يقوم به أهل الباطل وأعداء الدعوة.

إعلان

إن القول بالصفح والصبر في الدعوة وكف اليد لا يعني أبدا ترك الجهر بالدعوة إلى التوحيد، وتبصير الناس بدينهم، وتصحيح مفاهيمهم، وتوعيتهم بكيد أعدائهم، كما أنه لا يعني بحال من الأحوال ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للناس بتحذيرهم من الفساد وعواقبه، وتعرية الباطل، وإنما المقصود تجنب أي شكل من أشكال المواجهة بالقوة مع الباطل وأهله للأسباب المذكورة سابقا.

وما سوى ذلك يجب أن يبقى على أشده في الدعوة والبلاغ والتربية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الضوابط الشرعية، وحسب الاستطاعة، وقدر ما يملك من فعل الأسباب، وأن توطّأ النفوس على تحمل الأذى والابتلاءات التي تترتب على دعوة الناس وتبليغهم دينهم؛ حتى إذا جاءت العقبات من الباطل وأنصاره كانت العزائم قوية تتحمل الأذى، وتثبت ولا تضعف وتتضعضع أمام تهويش الباطل وتخويفه، أو أمام ترغيبه ومساوماته (وقفات تربوية، عبد الرزاق عفيفي 3/185-196).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان