حرب 2026: إعادة تشكيل الشرق الأوسط

الكاتبة: مؤكد أن الكلفة الكبرى ستدفعها الشعوب التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع جيوسياسي يتجاوز حدود الدول (الجزيرة)
  • حرب 2026: الشرق الأوسط على حافة نظام إقليمي جديد
  • هل بدأ الشرق الأوسط بدخول عصره الجديد؟

لم تعد الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية ضمن سلسلة الأزمات المتكررة في الشرق الأوسط. ما يجري منذ 28 فبراير/شباط 2026 يمثل لحظة تاريخية فاصلة قد تعيد تشكيل النظام الإقليمي بأكمله.

فالعملية العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي حملت اسم "الغضب الملحمي"، لم تكن ضربة عسكرية تقليدية، بل محاولة إستراتيجية لتغيير قواعد اللعبة التي حكمت الصراع في المنطقة طوال العقود الأربعة الماضية.

الضربات الأولى التي أدت إلى مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين أحدثت صدمة سياسية داخل إيران، لكنها لم تؤدِ إلى انهيار النظام كما توقع بعض المخططين.

على العكس، سارع النظام إلى تعيين مجتبى خامنئي خلفا لوالده في خطوة هدفت إلى ضمان الاستمرارية المؤسسية، ومنع حدوث فراغ سياسي في لحظة حرب.

الرد الإيراني جاء سريعا عبر عملية وعد صادق 4 وإغلاق مضيق هرمز، ما نقل المواجهة من مستوى الضربات العسكرية المحدودة إلى حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية.

لكن لفهم هذه الحرب بعمق، لا بد من النظر إليها باعتبارها نتيجة تراكم تاريخي طويل من الصراع الإستراتيجي.

دخل الصراع مرحلة جديدة مع البرنامج النووي الإيراني، الذي أدى إلى عقوبات دولية متتالية، ثم توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 قبل انهياره بعد انسحاب واشنطن منه عام 2018

صراع ممتد منذ الثورة الإسلامية

بدأت جذور المواجهة الحالية مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، التي قلبت التوازنات الجيوسياسية في المنطقة. فقد تحولت إيران من حليف إستراتيجي لواشنطن إلى خصم أيديولوجي يرفع شعار مواجهة الهيمنة الغربية.

أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران كانت لحظة تأسيسية لهذا العداء، ورسخت في الخطاب السياسي الإيراني صورة الولايات المتحدة بوصفها الشيطان الأكبر.

إعلان

ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات لتعزز هذا الشعور، خاصة مع الدعم الأمريكي والخليجي لنظام صدام حسين آنذاك.

لاحقا، دخل الصراع مرحلة جديدة مع البرنامج النووي الإيراني، الذي أدى إلى عقوبات دولية متتالية، ثم توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015 قبل انهياره بعد انسحاب واشنطن منه عام 2018.

خلال العقود التالية، ظل الصراع يأخذ شكل حرب ظل، تجلت في اغتيالات وحروب بالوكالة في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، إضافة إلى مواجهات سيبرانية متبادلة.

غير أن حرب 2026 تمثل انتقالا نوعيا من المواجهة غير المباشرة إلى صدام عسكري مباشر. ويذكّر هذا التحول بما يصفه عالم السياسة الأمريكي جون ميرشايمر في نظريته حول الواقعية الهجومية، حيث تميل الدول الكبرى إلى استخدام القوة عندما تعتقد أن ميزان القوى قد يتغير بشكل يهدد أمنها الإستراتيجي.

يرى النظام الإيراني الحرب محاولة لإسقاطه سياسيا وإعادة تشكيل المنطقة. لذلك يعتمد على إستراتيجية الحرب غير المتكافئة، مستفيدا من شبكة حلفائه الإقليميين ومن قدرته على التأثير في خطوط الطاقة العالمية

حسابات القوة وتوازنات السياسة

من الجانب الأمريكي الإسرائيلي، تقرأ هذه الحرب بوصفها محاولة لمنع إيران من الوصول إلى العتبة النووية وإضعاف نفوذها الإقليمي المتزايد.

عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2025 أعادت إحياء سياسة الضغط الأقصى، لكن بصيغة أكثر حدة تمثلت في اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة.

هذا المنطق يتوافق مع المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية التي صاغها مفكرون مثل هانس مورغنثاو وكينيث والتز، حيث تفسر السياسة الدولية بوصفها صراعا دائما بين الدول للحفاظ على القوة والتوازن.

بالنسبة لإسرائيل، تمثل الحرب فرصة لإضعاف ما يعرف بمحور المقاومة الذي يضم إيران وحلفاءها في المنطقة. أما واشنطن فتسعى إلى تحقيق هدفين متوازيين: تدمير البنية النووية الإيرانية وإعادة فرض ميزان ردع جديد في الشرق الأوسط.

في المقابل، يرى النظام الإيراني الحرب محاولة لإسقاطه سياسيا وإعادة تشكيل المنطقة. لذلك يعتمد على إستراتيجية الحرب غير المتكافئة، مستفيدا من شبكة حلفائه الإقليميين ومن قدرته على التأثير في خطوط الطاقة العالمية.

كما أن قدرة النظام على تعبئة المجتمع رغم الضربات تعكس ما تشير إليه المدرسة البنائية في العلاقات الدولية المرتبطة بأعمال عالِم السياسة ألكسندر وندت، حيث تلعب الهوية والأفكار دورا مهما في تشكيل سلوك الدول.

البعد الاقتصادي يعكس ما يسميه منظرو الاقتصاد السياسي الدولي، مثل الباحثة البريطانية سوزان سترينج، قوة البنية الاقتصادية، حيث يمكن للدول استخدام الموارد الإستراتيجية مثل الطاقة كأداة نفوذ في السياسة

النفط كأداة حرب اقتصادية

البعد الاقتصادي للحرب ربما يكون الأكثر خطورة على المستوى الدولي. فإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، أدخل الاقتصاد الدولي في حالة اضطراب حاد.

ارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير، واضطرت الدول الصناعية إلى استخدام احتياطياتها الإستراتيجية لتخفيف الصدمة.

أوروبا والصين والهند، التي تعتمد صناعاتها على استقرار إمدادات الطاقة من الخليج، تجد نفسها أمام خطر تباطؤ اقتصادي وربما ركود عالمي إذا استمرت الأزمة.

إعلان

هذا البعد الاقتصادي يعكس ما يسميه منظرو الاقتصاد السياسي الدولي، مثل الباحثة البريطانية سوزان سترينج، قوة البنية الاقتصادية، حيث يمكن للدول استخدام الموارد الإستراتيجية مثل الطاقة كأداة نفوذ في السياسة الدولية.

البعد الديني والرمزي للصراع

لا يمكن فصل الحرب عن بعدها العقائدي. فالنظام الإيراني يقوم على مفهوم ولاية الفقيه، الذي يربط الشرعية السياسية بالدور الديني، ويقدم الصراع بوصفه مواجهة مع الهيمنة الغربية.

هذا الخطاب يعكس ما أشار إليه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر في تحليله لأنماط الشرعية السياسية، حيث يمكن للسلطة أن تستمد مشروعيتها من مصادر عقائدية أو كاريزمية، خاصة في الأنظمة التي نشأت عن ثورات سياسية.

في المقابل، ترى إسرائيل في الجمهورية الإسلامية تهديدا وجوديا، خاصة مع الخطاب الإيراني الذي ينفي شرعية الدولة الإسرائيلية.

هذا التداخل بين الدين والسياسة يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية، لأن التنازلات السياسية قد تفسر داخليا على أنها تراجع عقائدي.

السيناريو الثالث هو فرض تسوية سياسية نتيجة الضغوط الدولية أو استنزاف الأطراف المتحاربة، ما قد يفتح الباب لمفاوضات جديدة حول الملف النووي والأمن الإقليمي، وهو الأرجح

إلى أين تتجه الحرب؟

في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع.

  • السيناريو الأول هو استمرار الحرب لفترة طويلة في شكل حرب استنزاف، حيث يحافظ التحالف الأمريكي الإسرائيلي على التفوق العسكري، بينما تعتمد إيران على تكتيكات الحرب غير المتكافئة والضغط الاقتصادي.
  • السيناريو الثاني يتمثل في توسع الصراع إقليميا إذا انخرطت أطراف أخرى بشكل مباشر، ما قد يحول المواجهة إلى حرب شرق أوسطية واسعة.
  • أما السيناريو الثالث فهو فرض تسوية سياسية نتيجة الضغوط الدولية أو استنزاف الأطراف المتحاربة، ما قد يفتح الباب لمفاوضات جديدة حول الملف النووي والأمن الإقليمي، وهو الأرجح.

الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر شدد مرارا على أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال توازن قوى إقليمي واضح، وهو توازن لم يتشكل بعد بشكل مستقر منذ نهاية الحرب الباردة

ما بعد الحرب: أي نظام إقليمي قادم؟

لا يمكن أيضا فصل مستقبل هذه الحرب عن التحولات الأوسع في النظام الدولي. فعدد من منظري العلاقات الدولية يرون أن العالم يمر بمرحلة انتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعددية.

وقد وصف المفكر الإستراتيجي الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي الشرق الأوسط بأنه جزء أساسي من رقعة الشطرنج الكبرى في الجغرافيا السياسية العالمية، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى بسبب موقعه الجغرافي وموارده الإستراتيجية.

من جهة أخرى، يشير عالم الاجتماع السياسي إيمانويل والرشتاين في نظريته حول النظام العالمي إلى أن مناطق مثل الشرق الأوسط تصبح غالبا مسرحا للصراعات بين القوى الكبرى؛ بسبب موقعها الحيوي في الاقتصاد العالمي.

أما الدبلوماسي الأمريكي هنري كيسنجر فقد شدد مرارا على أن استقرار الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال توازن قوى إقليمي واضح، وهو توازن لم يتشكل بعد بشكل مستقر منذ نهاية الحرب الباردة.

مهما كانت نتيجة الحرب، فإن ما يجري اليوم يمثل لحظة تحول في تاريخ الشرق الأوسط. فإما أن يؤدي الصراع إلى انهيار أحد أركان النظام الإقليمي القائم، أو أن يفضي إلى إعادة رسم موازين القوة في المنطقة.

لكن المؤكد أن الكلفة الكبرى ستدفعها الشعوب، التي تجد نفسها مرة أخرى في قلب صراع جيوسياسي يتجاوز حدود الدول ليصل إلى شكل النظام العالمي نفسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان