العلاج أم الخلاص؟ حين تحتاج العقلانية إلى الإيمان

BLOGS نيتشه
الفيلسوف الألماني نيتشه (مواقع التواصل)

في لقاء صحفي مع فوكو، أورد جملة لمؤرخ يدعى غارسيا كتبها سنة 1860: "لقد حلت الصحة في أيامنا هذه محل الخلاص".

قامت الثورات (كالثورة البلشفية) والحروب (كالحربين العالميتين مثلا) في أوروبا على أساس علاج المشاكل وفرض نظرة معينة في العلاج. إلا أن المشكل يكمن في أن العلاج لا يهتم بالفرد وإنما بالمجموع، على عكس الخلاص الذي يهم الفرد كفرد

من السماء إلى "هنا والآن"

حل التفكير فيما يوجد هنا والآن محل ما يوجد هناك بعد الموت. تخلى الأوروبي عن فكرة الجنة بعد الموت وعن المصير الأخروي، وأضحى منهمكا بما يعيشه. وعلى حد تعبير هيغل: أنزلوا الإله من السماء إلى البرلمان. الحياة أولا وقبل كل شيء. علاج المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية هو الأهم، وليس الخلاص.

ولطالما ارتبط العلاج بالعقلانية، أي بالحسابات (أنا لي مصلحة وأنت لك مصلحة)، وبالاختبار (لا وجود إلا لما يمكن اختباره). فلعلاج المرض يجب أن تكون ثمة علاقة مصلحية بين الطبيب والمريض، وأن يعتمدا معا على فهم مشترك حول ماهية المرض، يسببه شيء يمكن رصده وليس السحر أو قوة خارقة.

التضحية والعلاج

قامت الثورات (كالثورة البلشفية) والحروب (كالحربين العالميتين مثلا) في أوروبا على أساس علاج المشاكل وفرض نظرة معينة في العلاج. إلا أن المشكل يكمن في أن العلاج لا يهتم بالفرد وإنما بالمجموع، على عكس الخلاص الذي يهم الفرد كفرد.

قال تعالى: "يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصاحبته وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه".

كما أن العلاج لا يمكنه أن يفرض منظوره في المجتمع دون أن يأمر الفرد بالتضحية، وهنا يظهر التناقض. فالتضحية غير عقلانية أبدا، لأن من يأمر بها يعتمد على العاطفة والأمل (لكي نبني مستقبلا أفضل)، ومن يضحي بنفسه يلغي حسابات المصلحة ولا يطرح سؤال العلاج والعقلانية: ماذا سأستفيد من هذه التضحية؟

إعلان

لهذا السبب انتقد نيتشه الثقافة الغربية الحديثة، وعدها ثقافة دينية وعدمية ترتدي ملابس العلمانية، فقد نعت مرة كانط بأنه قسيس يدعي العلمانية، ولذلك وصف البعض نيتشه بأنه العلماني الحقيقي.

ولا ينحصر التناقض في هذه النقطة فقط، فالعلاج، كما قلنا، يهتم بالمجموع ككل وليس بالفرد، لكنه حين يرغب في التأسيس يلجأ إلى الفرد، إلى أمانيه وآماله التي لم يختبر إن كانت ستتحقق أم لا، فهي في وضع الغيب لا في وضع هنا والآن.

لا بد من التوضيح أن العلاج حين يلجأ إلى الخلاص فإنه يناقض نفسه، ويبيع الوهم الذي لا يؤمن به للأفراد من أجل أن يستمر. لن ننكر أنه حقق فاعلية، إلا أن ذلك كان على حساب مصلحة الآخرين. على عكس الخلاص، الذي يمكنه أن يعتمد على العلاج دون أن يناقض نفسه

العلاج عقلاني يحتاج إلى اللاعقلانية

النتيجة التي نلاحظها، وقد لاحظها الكثيرون مثل فيبر وتوكفيل وكذلك فوكوياما، أن العلاج عقلاني لكنه يحتاج إلى اللاعقلانية. إنه يلجأ إلى قاموس الخلاص من أجل أن يتأسس، ويعتمد على مصطلحات غير عقلانية ترتبط بالخلاص، مثل: الجنة فوق الأرض، الاستشهاد، الخلود في التاريخ، لروحه السلام.

لا يمكن أن يتماسك العلاج مع نفسه، فهو في مضمونه قيمومة وضعية، أي مناقضة للميتافيزيقا، إلا أنه مع ذلك يتخلى عن قيمومته ويتطفل على قيمومة الخلاص. فالسؤال الذي يطرح دائما: كيف سيقنع العلاج الأفراد بأن يحافظوا عليه من الانهيار، مع أنه يعلمهم الحسابات المصلحية والاعتماد على الاختبار فقط؟ كيف سيتماسك دون الحديث بالوعود التي لا علاقة لها بالاختبار والمصلحة الملموسة وإنما بالمصلحة المؤجلة؟ والوعد مصطلح خلاصي بامتياز.

لو نظرنا إلى التاريخ سنتساءل مثلا: ماذا جنى الناس الذين ضحوا بأنفسهم من أجل تأسيس النظام الشيوعي الذي وعدهم بالجنة فوق الأرض؟ الملايين ماتوا لتلك الأمنية.. على ماذا حصلوا؟ يمكن أن نقول إنهم ضحوا من أجل أن تحصل الأجيال المقبلة على النظام الشيوعي، ولكن تلك الأجيال لم تنله. فهل ذهبت تضحيتهم عبثا؟ وهل فشل العلاج في حماية أمانيهم؟

الخلاص لا يناقض نفسه

هنا لا بد من التوضيح أن العلاج حين يلجأ إلى الخلاص فإنه يناقض نفسه، ويبيع الوهم الذي لا يؤمن به للأفراد من أجل أن يستمر. لن ننكر أنه حقق فاعلية، إلا أن ذلك كان على حساب مصلحة الآخرين. على عكس الخلاص، الذي يمكنه أن يعتمد على العلاج دون أن يناقض نفسه، فهو غالبا يمكن أن يلجأ إلى العقلانية ويربطها بما ليس عقلانيا، كأن يتحدث عن الحسابات ويربطها بالأخلاق، أو يقول إن على الأفراد أن يهتموا بمصالحهم الدنيوية؛ لأن في ذلك خلاصا لهم في الآخرة.

فالخلاص يحدث الفرد، وإن طلب منه التضحية فهو يعده بما سيأتي بعد الموت. قد نعدّ هذا وهما، لكن الخلاص يؤمن به ولا يناقض نفسه. فالفرد سيضحي وهو على يقين أنه سينال الأفضل بعد الموت. بمعنى أن الخلاص يعد الدنيا، أي هنا والآن، مجرد لحظة زمنية وليست استقرارا دائما، وما نبنيه فيها هو لتسهيل العمل من أجل الخلاص الذي يرتبط بالاستقرار الأخير الخالد. فمن مات هنا وهو يبني بنية الخلاص فهو بذلك لا يناقض نفسه، عكس من يؤمن بالعلاج.

هناك خطأ آخر يقع فيه علمانيو العرب، فهم يعتقدون أن الإسلاميين مجرد جماعة ظهرت نتيجة شذوذ ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو حتى تاريخي بفعل الاستعمار، ويمكن إنهاؤها بتغيير تلك الشروط التي أنتجتها

الخلاص مكتفٍ بقاموسه ودائما يعود

وبالتالي فإن الخلاص قد يبني حياة معتمدا على قاموسه الوفير الذي يريح الفرد فيما يخص ما بعد الموت، عكس العلاج الذي ينحصر في الحياة فقط ويتعدى إطاره نحو القاموس الخلاصي، ضاربا بمبادئه الأولية عرض الحائط، ومتجاوزا الحياة نحو ما بعد الموت.

إعلان

ولهذا فإن ما لا ينتبه له كثيرون هو أن الخلاص لا يمكن أن ينفصل عن الحياة، فإن تراجع لبعض الوقت فإنه سيعود في كل وقت. ففصل الدين عن الدولة الذي تدعو إليه العلمانية يصب في هذا الإطار، فهي ترفض تدخل الدين في تسيير الدولة لكنها تعتمد عليه لاستمرارها.

فعندما يقول الرئيس الأمريكي "الرب معنا"، هل ينحصر ذلك في الدولة أم يمر نحو الدين؟ وحين تنحصر الرئاسة الفرنسية في الفرد الكاثوليكي دون غيره، حتى إن البروتستانتي لا يرأس فرنسا، فهل تنحصر في الدولة أم تمر نحو الدين؟ هل يمكن للدولة أن تصمد دون المفاهيم الدينية؟

هناك خطأ آخر يقع فيه علمانيو العرب، فهم يعتقدون أن الإسلاميين مجرد جماعة ظهرت نتيجة شذوذ ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو حتى تاريخي بفعل الاستعمار، ويمكن إنهاؤها بتغيير تلك الشروط التي أنتجتها. لكنهم لم ينتبهوا إلى أن العقيدة في الإسلام مرتبطة بالشريعة ارتباطا لا يمكن فصله.

بمعنى أن أي مسلم يؤمن بالعقيدة الإسلامية فهو لا محالة يؤمن بالشريعة، أي أن المسلمين هم إسلاميون، وإن كان ذلك بصورة ضمنية، فستبرز بشكل صريح عند الظرف المحفز لها. فكم مرة حارب علمانيو تركيا الإسلاميين، ومع ذلك كانوا يعودون في كل مرة إلى أن حصلوا على السلطة أخيرا. وكم مرة حدث ذلك في سوريا، وها هم في السلطة الآن..

وحتى إن ظن البعض أنهم انتهوا، فسيعودون لا محالة، وسيعودون في أي مكان في العالم الإسلامي. وأظن أن الغرب فطن إلى هذا الأمر أكثر من علمانيي الداخل. فالمسلم لا يمكن أن يتخلى عن خلاصه بعد الموت من أجل وعود دنيوية لا يعلم إن كانت ستتحقق أم لا، فرهان باسكال دائما ما يطارد الإنسان وإن أنكر ذلك علنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان