إيران والثورة السائلة: ظلال الحرية في زمن الهيمنة

تصاعد الدخان بين المباني السكنية عقب هجوم إسرائيلي على طهران (الأناضول)

تواجه الحضارة الإنسانية تحديات اقتصادية وسياسية، وأزمات اجتماعية تدفع نحو مزيد من الكراهية والعنف والعنصرية.

فأن تتصاعد خطابات تحريضية بين شعوب تعيش حالة من تدني المعيشة، ورهانات داخلية جعلت الوطنية محل اختبار حقيقي، أمام استحقاقات أمنية ولحظة تاريخية تعيد صياغة المعنى الوظيفي للانتماء الذي تضرب اختلالاته بنية أنظمة دكتاتورية، معلنا عن تحديات عميقة تواجهها الشعوب المنتفضة ضد ما هو سائد؛ ذاك الذي يرسم اللوحة الواحدة بلون قاتم وشكل مشوه للحياة.

إن الحرب الأمريكية الإيرانية استدعت أهم الأدوات التي من شأنها أن تصوغ الخرائط الجديدة في العالم والشرق الأوسط؛ إذ لا تتأخر الإمبراطورية في تصريحاتها عن إرسال المعارضة والمرتزقة المسلحين إلى الأراضي الإيرانية، في الوقت الذي يتصاعد فيه خطاب التحريض الإسرائيلي للإيرانيين للانتفاض ضد الجمهورية الإسلامية.

تلك المفارقات المتناقضة لا تبرئ الأنظمة المستبدة، ولا تعطي الشرعية التاريخية والأخلاقية للانجرار نحو دعوات الاستعمار الجديد، بدفع الثورة بين فكي من استأثر بمقدرات الدولة، ومستعمر يتلاعب بمصائر الملايين من الشعوب لتأمين إمدادات الطاقة، وترسيخ هيمنة "إسرائيل الكبرى".

أفتواجه شعوبنا مصيرا حتميا للدفاع عن حريتها وثورتها، أم إن مصالح القوى الكبرى تدفع لتحقيق مشروع صهيوني يتفنن في قتل المدنيين أولا؟

الثورة ليست شعارا سياسيا وإعلاميا، ولا نظاما بديلا يتم تصويره في نسخه الهزلية، بل هي ثمن باهظ تتكبده الشعوب المنتفضة قبل أن تنال من الدكتاتوريات على اختلاف ألوانها

عن الثورة السائلة

ما من شك أن انتفاضة شعب ما تأتي ضمن لحظة تاريخية استثنائية، يرفض من خلالها ما كان جاثما عليه عقودا من الزمن، بسياسات اختزالية ورهانات اقتصادية لا تصب في مصلحة المجتمعات، بل في جيوب طغمة تنظر بعين واحدة إلى المستقبل: مستقبل ينكر بوضوح أبدية الظلم والاستغلال، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام تصنع قوالب متغيرة للانتفاضات.

إعلان

الثورة ليست شعارا سياسيا وإعلاميا، ولا نظاما بديلا يتم تصويره في نسخه الهزلية، بل هي ثمن باهظ تتكبده الشعوب المنتفضة قبل أن تنال من الدكتاتوريات على اختلاف ألوانها.

وحين نعي أن المبدأ الأساسي للثورة متعلق بقابلية الشعوب، أفرادا ومجتمعات، للتخلي طوعا عن بعض مصالحها وتفسيراتها الضيقة لها، نحو رؤية مستقبلية تقودها النخبة لتحرير مصائر المستعبدين، فإننا نحصد ثمار الرفض الإيجابية، وإن جاء ذلك بعد سنوات من التضحية.

تتعلق القيم الثورية بالشروط الأساسية لانتفاضة الجماهير؛ إذ لا يمكن أن تخرج الشعوب لتطالب أنظمتها بمزيد من الرفاهية الاقتصادية ولتغيير مناهج تربوية ودينية فحسب، بل ترتبط بشكل تتكامل فيه حلقات الرفض مع معاني الحرية والعدالة والمستقبل.

وهذه الثلاثة ليست شعارات عند القواعد المنتفضة، بل تتجسد في مطالبهم البسيطة في العمل والسكن والاستقرار، بوصفها تفسيرات واقعية للحالات الأكثر إقناعا لمفهوم الثورة.

لذلك كان من الضروري قراءة أي حراك شعبي إبان موجة الربيع العربي، وحركة السترات الصفراء في أوروبا، وفق مركزيات محددة؛ فثمة مفارقات بين أن تطيح ثورة انطلقت من أطراف العاصمة بالنظام، كما كان في سوريا، واليمن، وبين أن يصلح حراك شعبي بدأ من مركز الدولة السياسات العامة، كالذي حدث في الجزائر، والسودان، بعد تجربتَي تونس، ومصر.

فالانتفاضات السائلة تتغير أهدافها ومسارها وفق متغير حرج وتوجيه خارجي، لتكون أداة لعودة الاستعمار في نسخته الثيوليبرالية.

من أجل ذلك، استطاعت القوى الكبرى، بقيمها المهيمنة على الحرية والعدالة والمستقبل، أن تجعل من الثورة- بوصفها لحظة استثنائية تطيح بالسائد- حالة متغيرة تأخذ شكلا معتما يحيد بعنف غير مبرر نحو استدعاء الاستعمارية في طابعها الثيوليبرالي.

وهذا التحول السلس يكمن في حراك تتلخص عناوينه لرفض الظلم والفقر إلى شعارات تتدفق مع وهم الحرية والعدالة؛ فحين نعيد جرد الربيع العربي في حالاته المستعصية، وحجم التدخلات الخارجية، ندرك أن ما كان مطلبا شعبيا خالصا أصبح واقعا استعماريا يعيد رسم الجغرافيا المنتفضة، بدل أن تمنح الثورة المستقبل أملا في التغيير.

لا تملك إسرائيل القوة لتغيير خرائط الشرق، كما أنها عاجزة عن إسقاط النظام الإيراني، إذ إنها لا تملك المقومات الحضارية والإنسانية لادعاءاتها بدعم الحرية والعدالة

التغيير من الخارج

حين يسعى ترمب ونتنياهو إلى الإطاحة بالنظام الإيراني، عقب اختطاف الرئيس مادورو، والاستيلاء على النفط الفنزويلي، فذلك لا يمثل نصرا عسكريا للإمبراطورية في مرحلتها الثيوليبرالية، بل إمعانا في التوجه الاستعماري الاستيطاني.

إن مشكلة الذين يرابطون على ثغور تغلي حدودها على أطماع إسرائيل، وتجثم جغرافيتها على مقدرات الحضارة الإنسانية، أنهم شعوب خاضت غمار التغيير بآلياته السلمية والعنيفة معا، لكنها استعجلت الحل الديمقراطي، وفرحت بالحرية القادمة من الخارج؛ تلك التي اعتنى بها الأوروبي في مخابره، لترويض أي حراك شعبي من شأنه أن يعزز وجودنا التاريخي.

لا تملك إسرائيل القوة لتغيير خرائط الشرق، كما أنها عاجزة عن إسقاط النظام الإيراني، إذ إنها لا تملك المقومات الحضارية والإنسانية لادعاءاتها بدعم الحرية والعدالة.

إعلان

فهي، مع سياسات الإبادة الممنهجة في غزة، لم تتأخر في استهداف أطفال إيرانيين أبرياء منذ اليوم الأول للحرب، ما يُظهر مأزقها الحضاري تجاه القيم الإنسانية والحضور التاريخي.

كما أنها ليست خارج دائرة الاستغلال الإمبراطوري الأمريكي، لكنها منفية عن التاريخ والحضارة، حتى لو لبس سياسيوها ربطات عنق الفراشة.

يشهد الفضاء العربي الإسلامي غيابا إستراتيجيا نتيجة أنظمته، إذ إنها ضمن سلسلة النفوذ الاستعماري المعزز لحضور الإمبراطورية. وقد واجه هذا الغياب تحديا عنونته انتفاضات الربيع العربي بالحق في الحرية والعدالة، إلا أن تدخلات الغرب في تحريف الثورة عن مسارها السلمي حال دون تحقيق تطلعات شعوبنا.

علينا أن ندرك أن التغيير من الخارج لا يقوّم العدالة، ولا يعزز الحضور الإنساني، ولا يمنح الحرية فضاء مستقلا

واليوم، ينفخ الاحتلال الصهيوني في ورقة الطابور الخامس لفتح جبهات قتال مع الجمهورية الإسلامية، ضمن استغلال فاضح للمعارضة المسلحة والقوات الكردية المتمركزة على الحدود، لنشر الفوضى لا الإطاحة بالنظام الإيراني.

علينا أن ندرك أن التغيير من الخارج لا يقوّم العدالة، ولا يعزز الحضور الإنساني، ولا يمنح الحرية فضاء مستقلا.

كما أن مستقبل الجغرافيا المستدعية للتدخلات الاستعمارية، سواء كانت عبر استجلاب القواعد العسكرية أو دعم المليشيات الانفصالية، سيكون عقبة أمام تطلعات شعوبنا في الأمن والعدالة.

فما معنى أن تُقصف المدن والمستشفيات والمدارس كي يسقط النظام، ويحل محله مستعمر تنخر مستوطناته الهوية والجغرافيا؟

قد يكون التغيير موضوعا مهما لوسائل الإعلام التي تضخ الأخبار عن اقتراب سقوط النظام الإيراني، لكنه بعيد عن الحياد المهني والتوصيف الحضاري، كونه صراعا بين مستعمِر ومستعمَر.

فسردية الشيعة والسنة والأكراد والعرب، تنسجم مع هذا الادعاء المنحاز للرواية الصهيونية، والدفع نحو تبرير إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية. فحيث تتصاعد الخطابات الطائفية، تنبري الأدوات بجميع توصيفاتها العسكرية والاقتصادية والإعلامية.

ربما تستطيع الإمبراطورية تحييد النظام الإيراني ليكون حلقة أخرى في سلسلة الهيمنة والانبطاح للصهيونية، وبداية مرحلة خطيرة لشعوب المنطقة، لاختبار قابليتها للمحتل. فهل تدرك الأمة أن الصراع القائم الآن عنوانه تصفية الاستعمار؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان