- كيف ستعرف في زحامك من تكون؟
لو قيض لعبارة محمود درويش هذه أن تتخذ ملامح بشرية، فلن تجد أنسب من عبد الوهاب المؤدب؛ فالرجل ازدحمت بداخله المتناقضات. فهو ابن مدرس الزيتونة، وهو أيضا الذي أكمل تعليمه في السوربون وتخرج منها، وهو العربي الذي يكتب بالفرنسية، وهو المسلم الذي أمضى معظم حياته مقيما في الغرب، والناقم على تراث أسلافه.
إن الرسالة الحضارية للإسلام تستلزم الوعي بجذرية محتواه الثوري، وهو ما ينهض به رجال حقيقيون يمتلكون إحساسا بالبعد المقاوم داخل الدين
يقدم عبد الوهاب المؤدب نفسه ناقدا لظاهرة الأصولية في الإسلام، مقترحا تجربة المتصوفة كترياق لما أفضت إليه تلك الظاهرة من انسداد حضاري وتقعر تاريخي.
فالإسلام، وفقا لتلك الرؤية عند المؤدب، يجب ألا يتجاوز حدود التكية؛ فهو محض أناشيد عرفانية تجد صداها عند أبي يزيد البسطامي، وابن عربي، والحلاج، والسهروردي. وهو يروج لتلك القراءة بحجة إبراز التسامح وتقبل الآخر داخل التاريخ الإسلامي، وتعظيم الجانب الإنساني فيه، الذي يدعم قيم العيش المشترك وفق زعمه، متغافلا عن الحالة العدائية التي تضغط بشدة على المسلمين، من اغتصاب أراضيهم، ونهب ثرواتهم، والتحكم في مصائرهم.
بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول في نيويورك، أصدر المؤدب كتابه الأشهر «أوهام الإسلام السياسي»، الذي كتبه بالفرنسية، ليقوم بترجمته بعد ذلك بالاشتراك مع محمد بنيس.
والكتاب في مجمله لا يعدو كونه أوهام المؤدب نفسه، كما أنه يندرج ضمن مضاعفات الوعي الشقي الذي ميز مواقف بعض المثقفين العرب المقيمين في الغرب وقتها.
كان بوش الابن يقسم العالم إلى محورين: أحدهما للخير وهو على رأسه، والآخر للشر، بينما أساطيله الحربية تستعد لتمخر عباب المحيطات لغزو أفغانستان لاجتثاث «الأصوليين الأشرار» كما روجت لذلك وسائل الإعلام العالمية.
مثل هذا الخطاب الذي يطرحه عبد الوهاب المؤدب على المسلمين للتدبر في وضعيتهم الحضارية يجعلهم في موقف المتهم الذي يحتاج على الدوام إلى تبرير قناعاته ومعتقداته. فهو يجتر ذات التلفيقات الاستشراقية بشأن الحجاب والجهاد، مستنتجا منها عجز الجاليات المسلمة في الغرب عن الاندماج مع منظومة القيم في تلك الدول.
هذه الصورة، المتضافرة مع فيلم Monsieur Ibrahim، الذي قام فيه عمر الشريف بدور عجوز مسلم ينتظر الموت ويقابل سرقة الصبي اليهودي له بالابتسام، تؤسسان لذاكرة ملساء تجد امتدادها في تهافت الدول العربية مؤخرا للتطبيع مع الكيان الاستيطاني، التي مهد لها مثل ذلك الخطاب الإذعاني.
لا أتجنى على المؤدب، لكن تاريخه في مجابهة السلطة يفضح صمته، ونظام بن علي يقمع التونسيين. فهو في الحقيقة لم يكن في وقت ما معارضا له، بل صرح بأن قمع بن علي للإسلاميين كان مصدر راحة له، فالشمولية في تقديره أخطر من السلطوية.
وهنا تتبدى المفارقة: فالإسلام الذي يريده المؤدب، ويحقق في ذات الوقت انتظارات الآخر عنه، هو إسلام بلا خصائص. فأما أن يقدم الإسلام منظوره المختلف لصيرورة التاريخ البشري وتراكم التجربة الإنسانية، مما يمنحه نديّة حضارية، فذلك مما ينكره عليه عبد الوهاب المؤدب وأمثاله.
إننا ننتمي إلى تلك الحضارة، وإلى اللغة العربية، وإلى الإسلام. لسنا فائضين في عالم اليوم؛ بل نزخر ونتوفر على الكثير والثمين
إن الرسالة الحضارية للإسلام تستلزم الوعي بجذرية محتواه الثوري، وهو ما ينهض به رجال حقيقيون يمتلكون إحساسا بالبعد المقاوم داخل الدين.
رجال كصلاح الدين الأيوبي، وعمر المختار، ومحمد أحمد المهدي، صنعوا واقعا فعليا بالسيف، ليس تعطشا للدماء ولا تضادا مع سماحته، لكن الشرط التاريخي الذي وجدوا أنفسهم فيه فرض عليهم قيادة أمتهم نحو الخلاص والانبعاث.
إننا ننتمي إلى تلك الحضارة، وإلى اللغة العربية، وإلى الإسلام. لسنا فائضين في عالم اليوم؛ بل نزخر ونتوفر على الكثير والثمين. واعتزازنا ليس حمية ولا عصبية، بل انسجاما مع ضمير فطن ويقظ لكل ما هو إنساني.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

